الجزائر- «القدس العربي»: تعم هذه الأيام الأفراح في المدن الجزائرية، احتفالا برأس السنة الأمازيغية التي هي مناسبة شعبية متأصلة منذ قرون في البلد، وفق جذور مختلف فيها بين المؤرخين، ومُنحت قبل سنوات الطابع الرسمي باعتماد هذا التاريخ يوما وطنيا مدفوع الأجر، تكريسا لنضالات الاعتراف بالهوية الأمازيغية للجزائر.
يمكن للزائر للمدن الجزائرية خلال الأيام التي تلي الثلث الأول من شهر كانون الثاني/يناير، أن يلحظ التغير الذي يطرأ على الأسواق بشكل خاص، حيث ينتشر باعة الحلويات والمكسرات بمختلف أنواعها، والذين يطرحون بضاعتهم بشكل مختلط ويبيعونها بالميزان للمحتفلين بمناسبة «يناير». ولهذا الأسلوب في البيع سر، إذ تقضي التقاليد بأن يوضع الأطفال الصغار، بعد أن يتم تجميلهم بالملابس التقليدية ذات الألوان الفاقعة والمزركشة، في جفن كبير ثم ترمى عليهم الحلوى، تيمنا لهم بمستقبل زاهر.
كما يكثر الإقبال في «يناير» الذي يصادف تحديدا يوم 12 كانون الثاني/يناير من كل سنة، على شراء الدجاج الذي تحضر به مختلف الأطباق التقليدية، ومن أبرزها «الرشتة» وهو طبق يحضر من خيوط عجين الدقيق والخضر يسقى بالمرق الأبيض والأحمر، أو «الشخشوخة» وهي أيضا ورق عجين الدقيق الذي يدلك بعناية حتى يتحول إلى رقائق تذوب في الفم، كما لا يفوت النسوة تحضير سيد الأطباق «الكسكسي» الذي توجد ألف طريقة لتحضيره وتختلف تسمياته من منطقة لأخرى. ويطلق الجزائريون على الأكلة التي يحضرونها للاحتفال برأس السنة الأمازيغية ب»عشاء العام»، والذي يقضي أن يتحلق جميع أفراد الأسرة في البيت الكبير حول مائدة الطعام، في جو من البهجة والسرور وحمد الله على النعمة.
وتستمر هذه التقاليد الشعبية في الجزائر منذ قرون، تحت تسميات مختلفة، فهناك من يطلق على هذا اليوم «يناير» وهو الاسم الأكثر شيوعا، ومنهم من يسميه «عام العرب» في بعض المناطق، لكن طقوس الاحتفال تكاد تكون شبيهة في الطعام واللباس والحلوى، ما يدل على اشتراك كل الجزائريين في هذه المناسبة، على اختلاف ألسنتهم وألوانهم ومناطقهم، وهو علامة وحدة وطنية واشتراك في الهوية التي تركبت على مدار الزمن، بأبعادها الثلاثة الأمازيغية والعربية والإسلامية وصنعت الفرد الجزائري الحديث. وتدور عدة روايات حول الجذور التاريخية للاحتفال بهذا اليوم، بعضها يمكن إدراجه في خانة الأساطير الشعبية. وأكثر الفرضيات شيوعا، هي أن هذا اليوم، هو بداية التقويم الأمازيغي انطلاقا من بداية السنة الفلاحية، وهي طريقة اتبعها الأسلاف الأمازيغ في التأريخ تأكيدا على تمسكهم بأرضهم وتفاؤلهم بموسم الزرع. أما الرواية الأخرى، فتقول إن تاريخ بداية السنة الأمازيغية مرتبط بانتصار الزعيم الأمازيغي شيشناق على رمسيس الثاني، فرعون مصر الذي تحالف مع الرومان ضده، 1000 سنة قبل الميلاد، وهو ما مكن شيشناق من اعتلاء عرش مصر وتأسيسه الأسرة الأمازيغية التي حكمت الفراعنة.
ومنذ 5 سنوات، لم يعد «يناير» مناسبة شعبية فقط، فقد اعتمد كيوم وطني مدفوع الأجر، تكريسا للهوية الأمازيغية تزامنا مع دستور 2016 الذي نص لأول مرة على اعتبار الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، وهي إجراءات اتخذتها السلطات، بعد سنوات طويلة من الصراع الهوياتي الذي عرفته البلاد، بين التيار الأمازيغي الذي يطالب بالاعتراف بهذا البعد في الهوية الوطنية وتيار آخر عروبي كان يرى في اعتماد لغة أخرى رسمية لجانب العربية مقدمة لتفتيت البلاد وإغراقها في الصراعات الأيديولوجية والعرقية.
وللنضال الامازيغي قصة طويلة في الجزائر، فقد كانت بدايته في قلب الحركة الوطنية ضد المستعمر الفرنسي، فيما عرف بالأزمة البربرية التي عرفها حزب الشعب المنادي بالاستقلال سنة 1947، حيث ظهر تيار داخله يطالب بالاعتراف بالهوية الأمازيغية للجزائر. وبعد الاستقلال، استمرت المطالب، إلى أن تفجرت في شكل ثورة مصغرة، عرفت بالربيع البربري سنة 1980، وكانت منطقة القبائل الناطقة بالأمازيغية مسرحا لها، وكان ذلك مقدمة لمعركة طويلة خاضتها أحزاب سياسية وجمعيات تبنت هذه القضية، وصولا إلى الاعتراف باللغة والتراث الأمازيغي، وإنشاء هيئات دستورية تعنى بذلك، أهمها المحافظة السامية للأمازيغية.
والأمازيغية في الجزائر، مصطلح جامع للغات ولهجات محلية تشمل كل المناطق، فهي حاضرة بقوة في منطقة القبائل التي تقع على بعد 120 كيلومتر شرق العاصمة، وفي منطقة الشاوية شرق الجزائر التي تتكلم أيضا بأمازيغية مختلفة وتشمل أيضا ما يعرف بالشلوح وهم سكان مناطق جبلية وسط الجزائر وغربها، وتمتد إلى بني ميزاب في غرداية في الجنوب الجزائري والطوارق الذين لديهم أيضا لغتهم الخاصة التي تعتبر من فروع الأمازيغية. وبذلك، فالأمازيغية منتشرة في كل الجهات، والمتكلمون بها يتقنون العربية التي يعتبرونها لغتهم أيضا، إلا بعض المحسوبين على تيارات مؤدلجة الذين يرفضونها بسبب اعتقادهم أنها لغة مفروضة عليهم. واليوم، تبدو على المستوى الرسمي كل الحساسيات متجاوزة، فالاحتفالات تقام في كل مناطق الوطن وبإشراف من أعلى السلطات. وفي هذا العام، أعطيت إشارة انطلاق الاحتفالات بولاية غرداية التي تمثل إحدى أهم معاقل الأمازيغية في البلاد.
وقال الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية سي الهاشمي عصاد بحضور عدة شخصيات سياسية والسلطات المحلية لولاية غرداية، إن «الاحتفالات الرسمية بيناير 2973 ترمز إلى تشبث وانسجام الشعب الجزائري مع هويته وأصوله تحت شعار «يناير يجمعنا في جزائر واحدة وموحدة». وأبرز أن الجزائر القوية بوحدتها والفخورة بتنوعها تحتفل هذه السنة بيناير وهي متمسكة بجذورها وأصولها بهدف المحافظة وتعزيز وتقوية التماسك الوطني، من خلال جعل هذا الاحتفال موعدا للأخوة والعيش المشترك.
وبعد إعطاء إشارة انطلاق الاحتفالات، صنعت الفرق الفنية والفولكلورية والكشافة الإسلامية الجزائرية والفرق الموسيقية للحرس الجمهوري، صورا لافتة على امتداد سهل وادي ميزاب، في فسيفساء بألوان بهيجة على وقع طبول الفولكلور الصحراوي والبارود. وفي برنامج الاحتفال الثقافي، سيتم تسليم جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة الأمازيغية في طبعتها الثالثة، مع تنظيم معرض مصغر للكتاب بالتعبير الأمازيغي وملتقى حول «التعبير الأمازيغي في المخطوطات»، وسلسلة من الندوات التي ينشطها متخصصون في الثقافة الأمازيغية حول «يناير» في أبعاده الثقافية والتاريخية.