بغداد ـ «القدس العربي ـ ووكالات: في الوقت الذي تخطط فيه الحكومة العراقية، برئاسة محمد شياع السوداني، إلى عقد شراكات اقتصادية جديدة مع دول مثل ألمانيا والصين، لدعم الاقتصاد «الريعي» المعتمد كُلّياً على تصدير النفط لتأمين الموازنات المالية الاتحادية، يستمر التذبّذب في سعر صرف الدولار مقابل الدينار، إذ يقترب من عتبة الألف و600 دينار لكل دولار، في الأسواق المحليّة، وهو ما يدفع ضريبته المواطنون بشكلٍ أساسي.
زيارة «مثمرة»
وأكد السوداني الوصول إلى «خطة عمل مشتركة» مع ألمانيا تؤسس إلى شراكة اقتصادية، مشيراً إلى إن زيارته الأخيرة إلى ألمانيا «كانت مثمرة، ووجدنا تجاوباً من الطرف الألماني».
وفيما أشار في تصريح للوكالة الرسمية أمس الأحد، إلى أن زيارته «كان معداً لها سابقاً على صعيد الملفات» أفاد بـ «التوصل إلى تفاهمات وخطة عمل مشتركة ستؤسس قطعاً إلى شراكة اقتصادية».
وكان السوداني، قد أجرى زيارة إلى ألمانيا التقى فيها المستشار الألماني أولاف شولتس، في العاصمة الألمانية برلين، كما التقى مع عدد من المسؤولين، أثمرت عن إعداد مذكرة تفاهم مع شركة «سيمنس» الألمانية لـ«زيادة إنتاج الطاقة وتحسين عمليتي النقل والتوزيع « حسب بيانات حكومية.
التوجه الحكومي الجديد نحو ألمانيا يقابله أيضاً، على المستوى ذاته، تطوّر اقتصادي مع الصين، في تنفيذ عدد من المشاريع المتعلقة بالطاقة، وأيضاً الخدمات الأساسية، (مشاريع بناء مدارس ومستشفيات) تتلاءم وتوجه حكومة السوداني التي تركّز على كسّب ودّ الشارع المحروم من الخدمات الأساسية منذ عقدين.
وأعلنت السفارة الصينية في العراق، أمس، تشغيل 6 محطات كهربائية في العراق، فيما أشارت إلى أن أولويات حكومة السوداني، تنفيذ وتطبيق الاتفاقية الإطارية مع بكين.
وقال سفير جمهورية الصين في العراق، تسوي وي، في مؤتمر صحافي، إن «الحكومة الصينية قامت بتحصين وتعديل تدابيرها الوقائية بشأن الاستجابة لجائحة كورونا، خاصة بالنسبة للأجانب» مبينا أن «هناك المزيد من التسهيلات سواء في سياسة دخول الأراضي الصينية والتأشيرات».
وأضاف: «يمكن للجانب الصيني تنظيم المزيد من الزيارات أو دورات تدريبية لمختلف الأقسام خاصة في المجال الإعلامي» مشيراً إلى أن «الوضع في الصين أصبح أكثر استقراراً، لاسيما بعد اتخاذ التدابير الجديدة، حيث تم تجاوز ذروة الإصابات والعدوى».
وأشار إلى أن «هنالك تسهيلات هي الأفضل لتطبيق التوافقات التي توصل إليها الجانبان العراقي والصيني» لافتا إلى أن «الاستثمارات والتعاون بين البلدين في مجال الهندسي، وكذلك المعيشي، مستمر، إذ أن هنالك 6 محطات كهربائية في العراق قد تم تشغيلها من قبل الشركات الصينية أسهمت في توريد كمية كبيرة من الكهرباء».
تقدم سلس
وأوضح أن «هناك تقدماً سلسا وجيداً في مشروع المدارس الصينية في العراق، هو موزع بين المحافظات ونسب الإنجاز فيه متفاوتة، إضافة إلى وجود أنواع مختلفة من القروض الصينية، وهي قروض من مؤسسات تجارية، وهناك قروض على مستوى الحكومة».
تطبيق الاتفاقية
وطبقاً له فإن «الاتفاقية العراقية ـ الصينية الإطارية، جوهرها اتفاقية تخص ترتيبات مالية وتمويلية» مبيناً أن «الحكومة العراقية وضعت أولوية واهتمام كبيرين على حسن تنفيذ وتطبيق الاتفاقية الإطارية الصينية ـ العراقية خصوصا بعد لقاء قيادة البلدين ستكون هنالك قوة دافعة لتطبيق هذه الاتفاقية».
تذبذب سعر صرف الدولار يربك السوق… والمواطنون أبرز المتضررين
وأكد أن «الجانب الصيني ملتزم بالتعاقدات الموقعة بين البلدين، وستعمل السفارة مع الجهات الصينية المختصة لحسن تنفيذ وتطبيق الاتفاقية التي تحتاج إلى جهود مشتركة من قبل كلا الجانبين».
وترى الحكومة العراقية أهمية في عقد شراكات جديدة في مجالات متنوعة، خصوصاً تلك المتعلقة بـ«الطاقة المتجددة».
في هذا السياق، التقى وزير التعليم العالي والبحث العلمي والعلوم والتكنولوجيا نعيم العبودي، أمس، وزير الكهرباء السوري، غسان الزامل، على هامش أعمال الدورة 13 للجمعية العامة لوكالة الدولية للطاقة المتجددة في العاصمة الإماراتية أبو ظبي.
الجانبان استعرضا، حسب بيان للوزارة «مسارات التعاون بين البلدين والتنسيق المؤسسي في مجالات الطاقة المتجددة بما يخدم مصلحة البلدين الشقيقين».
وأوضح العبودي، خلال اللقاء أن «الحكومة العراقية ومؤسساتها المختصة حريصة على تعزيز الشراكات على الصعيد الدولي من أجل تحقيق التزامات الحكومة العراقية في مواجهة التغير المناخي وترتيب أولويات التعامل مع مستقبل الطاقة المستدامة».
«نظام جديد»
في السياق، يرى الوزير العراقي الأسبق، زعيم حركة «إنجاز» السياسية، باقر الزبيدي، إن العالم يمر بتغيرات كبيرة ساهمت في تفكك النظام العالمي القديم والاتجاه لتشكيل «نظام جديد» خارج سيطرة الدول العظمى.
وقال، في بيان صحافي أمس، إن «المشاكل الاقتصادية ألقت بظلالها على العديد من الدول، حيث تستنزف الحرب الروسية الأوكرانية مخزون البلدان من السلاح والنفط والحبوب، كما أن آثار جائحة كورونا لاتزال تسبب خسائر كبيرة» معتبراً أن «استمرار الحرب، هو خسارة لكل الأطراف دون استثناء، وسلاح العقوبات بات يؤثر على التجارة العالمية بأكملها».
وأوضح أن «العراق صاحب الثروات الهائلة، ومع ضعف الدول العظمى وانشغالها بملفاتها الداخلية، قادر على أن يكون قطباً مهماً في النظام العالمي الجديد» عادّاً إن «فتح المجال أمام دول متطورة للعمل في العراق لا سيما الدول الآسيوية (كوريا الجنوبية، الصين، اليابان والهند) ومنحها استثمارات طويلة الأمد سوف يخلق شراكة تعود بالفائدة على الجميع».
وحسب الزبيدي فإن «هذه الدول تعاني من نقص في إمدادات الطاقة، في وقت يتمتع العراق بثروات نفطية وغازية هائلة» لافتاً إلى أن «أول الخطوات، هو توقيع اتفاقية لإعادة تأهيل كل المصانع العراقية من قبل هذه الدول المتطورة، وتشغيلها بعمالة عراقية، وإرسال البعثات من الطلاب العراقيين للدراسة والتدريب في هذه الدول».
ورأى أن «الشراكة الاقتصادية ستساهم في تعزيز دور العراق إقليماً ودولياً وتجعل الدول تتسابق من أجل إقامة علاقات معه».
تقلبات
ورغم التفكير الاقتصادي الجديد للحكومة العراقية، غير أن الوضع على الأرض مختلف، في ظل الانهيار المتكرر للدينار العراقي أمام الدولار.
ويشهد سعر صرف الدينار العراقي منذ نحو شهرين تقلبات مقابل الدولار، يعزوه خبراء إلى بدء العراق الامتثال لإجراءات دولية على التحويلات المالية بالعملة الصعبة، بينما تحمل أطرافٌ في البلاد واشنطن مسؤولية هذا التراجع.
وفي حين أن سعر الصرف الرسمي المثبت هو 1470 ديناراً مقابل الدولار الواحد، تراجع سعر العملة المحلية في السوق منذ منتصف نوفمبر إلى 1600 دينار مطلع الأسبوع، قبل أن يستقرّ عند نحو 1570، حسب وكالة الأنباء الرسمية، أي أن العملة العراقية فقدت نحو 10 ٪ من قيمتها.
ولا يعتبر هذا التراجع ضخماً، حسب تقرير لـ«فرانس برس» لكنه بدأ يثير قلق العراقيين من ارتفاع أسعار المواد المستوردة، كالغاز والحنطة على سبيل المثال.
مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية مظهر صالح، قال إن «السبب الجوهري والأساسي» لهذا التراجع «هو قيد خارجي».
«ضغوط» أمريكية
واتهم هادي العامري، رئيس تحالف «الفتح» الممثل «للحشد الشعبي» الذي يضم فصائل موالية لإيران منضوية في الدولة، في تصريح سابق، الأمريكيين بممارسة «الضغوط على العراق لمنع انفتاحه على أوروبا ودول العالم».
لكن، الخبير الاقتصادي أحمد طبقشلي، اعتبر أن، «على عكس الشائعات والمعلومات المغلوطة، لا دليل على وجود ضغط أمريكي على العراق» الشريك الاقتصادي والتجاري الهام لإيران المجاورة.
في الواقع، يرتبط تقلّب الدينار ببدء امتثال العراق لبعض معايير نظام التحويلات الدولي (سويفت) الذي بات ينبغي على المصارف العراقية تطبيقه للوصول إلى احتياطات العراق من الدولار الموجودة في الولايات المتحدة.
وليتمكّن العراق من الوصول إلى تلك الاحتياطات التي تبلغ 100 مليار دولار، عليه حالياً التماشي مع نظم «تتطلب الالتزام بأحكام مكافحة غسيل الأموال العالمية، وأحكام مكافحة تمويل الإرهاب، وتلك المرتبطة بالعقوبات، كتلك المطبّقة على إيران وروسيا» وفق طبقشلي.
وأضاف أن الأمر يتعلق بدخول العراق «ضمن نظام تحويلات مالي عالمي يتطلب درجة عالية من الشفافية» لكن ذلك «سبّب صدمةً» للعديد من المصارف العراقية «لأنها غير معتادة على هذا النظام».
وأوضح أن، ينبغي على المصارف العراقية حالياً تسجيل «تحويلاتها (بالدولار) على منصة إلكترونية، تدقق الطلبات، ويقوم الاحتياطي الفدرالي بفحصها، وإذا كانت لديه شكوك يقوم بتوقيف التحويل».
ورفض الاحتياطي الفدرالي منذ بدء تنفيذ القيود، «80 ٪من طلبات» التحويلات المالية للمصارف العراقية، حسب صالح، على خلفية شكوك متعلقة بالوجهة النهائية لتلك المبالغ الذي يجري تحويلها، كما قال.
أثّر هذا الرفض على عرض الدولار في السوق العراقية، ففي المقابل تراكم الطلب لكن العرض لم يكن متسقاً معه، وبالتالي تراجع سعر الصرف مع تراجع تحويلات المصارف بالدولار.
«حالة مؤقتة»
وتحدّث البنك المركزي العراقي في بيان له الثلاثاء الماضي، عن عودة سعر الصرف إلى ما كان عليه خلال أسبوعين، واصفاً «اضطراب أسعار الدولار» أنه «حالة مؤقتة».
في غضون ذلك، اتخذت السلطات العراقية إجراءات عدة منها تسهيل تمويل تجارة القطاع الخاص بالدولار من خلال المصارف العراقية، وفتح منافذ لبيع العملة الأجنبية في المصارف الحكومية للجمهور لأغراض السفر.
وقرر مجلس الوزراء كذلك «إلزام الجهات الحكومية كافة ببيع جميع السلع والخدمات داخل العراق بالدينار وبسعر البنك المركزي والبالغ (1470) ديناراً للدولار الواحد».
وحسب صالح «هذه الإجراءات مهمة لأنها تظهر أن الدولة موجودة لحماية السوق والمواطن» وتساعد «على صد المشكلة».
وعلى الرغم من تراجع الدينار لا تزال نسبة التضخم ضئيلة حيث بلغت 5,3 ٪بوتيرة سنوية في أكتوبر 2022، وفق وزارة التخطيط، لكن المخاوف الفعلية تتعلق بالقدرة الشرائية للسكان.
وبدأ سعد الطائي، المتقاعد الذي يساعد ابنه في إدارة متجر صغير في حي الكرادة في بغداد، يشعر بأثر تقلبات سعر الصرف على قدرته الشرائية، إذ يقول إن «هذا التذبذب الذي يحصل يعد مشكلة حقيقية للتاجر الذي يبيع بالمفرق وللمستهلك».
ويوضح أن «العراقيين رواتبهم محدودة ويتقاضون رواتبهم بالدينار العراقي. أنا كمتقاعد أستلم 494 ألف دينار. حينما كان الدولار 1470 كانت قيمة راتبي 336 دولارا. اليوم على سعر صرف 1570 يصبح راتبي 314 دولارا».