فنون وكتابات ما بعد الموت في الغرب

إن وفاة فنان أو كاتب في الغرب لا تعني دائما نهاية مسيرته المهنية، كما عندنا في الوطن العربي، حيث لا نعرف هذه النوعية من ثقافة حقوق الملكية الفكرية بعد الموت. تقدم لنا الأحداث الجارية في القارة الأوروبية أمثلة على الأعمال المنشورة دون حضور مؤلفيها لرؤيتها، سواء كان لديهم الوقت للتخطيط لتحقيقها في حياتهم. ومن ثم هل يمكننا التحدث بعد ذلك عن «فنون أو كتابات ما بعد الوفاة»؟ وعن الإشكاليات المطروحة، كالخوف من رؤية نية الكاتب أو الفنان منتهكة، وعن مدى احترام اختيارات الكاتب أو الفنان في مشروعه في الغرب؟
وفقا لقانون الملكية الفكرية المعمول بها في الغرب، يتمتع المؤلف بحقوق مالية ومعنوية على مصنفه، التي يمكن أن يختار نقلها أم لا. ومن بين هذه الحقوق غير القابلة للتصرف ما يسمى بـ»الكشف»، وهي السلطة الممنوحة للمؤلف ليقرر جعل عمله علنيا، ومتى وكيف.
عندما يموت الفنان، يعود حق الكشف هذا إلى المنفذ، سواء كان قريبا للفنان، أو قريبا، أو حتى شخصا اعتباريا – كما فعل على سبيل المثال، أوغست رودين، الذي تنازل عنه للدولة، بشرط أن تؤسس متحفا.
ماذا سيفكر فيه بروست (المراسل الغامض، وغيرها من القصص القصيرة غير المنشورة، هي مجموعة من نصوص بروست، التي ظلت في درج لمدة قرن تقريبا، وتم نشرها للتو. توفي في عام 1922، وكان الكاتب في عمر بين 20 و25 سنة عندما كانت مكتوبة) وساغان وجوليان جرين، وهما يريان المخطوطات غير المنشورة وهذه النصوص التي ظلت سرية خلال حياتهما تباع في المكتبات والأكشاك؟
وفي حاضرنا الحالي ماذا سيفكر الفنان كريستو وزوجته ومساعدته جان كلود؟ في تحقيق حلمهما الثمين على يد ابن شقيقه ومتحف بومبيدو والسلطات الفرنسية، قوس النصر في باريس يغلف بالنسيج في خريف 2022، وهكذا نفذت بالحرف تخطيطات ورسومات تغليف قوس النصر، كما فكر فيها الفنان كريستو وهو يواصل تنفيذ المشروع الحلم حتى وفاته، في مايو/أيار 2020. وهكذا احتُفلت مسيرة هذا الثنائي الفني المعاصر الأيقوني، بعد 11 عاما من وفاة جين كلود، بهذا الإنجاز الذي هزم الموت بعد ستة وثلاثين عاما بعد تغليف بونت نيوف الباريسي وستة وعشرين عاما بعد تغليف البرلمان الألماني، الرايخستاغ، أو الوصية التي كتبها المغني الأمريكي أندرسون باك «عندما أموت، من فضلك لا تنشر أي ألبومات أو أغانٍ بعد وفاتي عليها اسمي، لقد كانت مجرد عروض توضيحية لم يكن من المفترض أن يسمعها الجمهور مطلقا». هذه الرسالة الوصية التي كتبها المغني الأمريكي أندرسون باك، أو في حالة المغنية الفرنسية فرانسواز ساغان حينما ألفت البوم «أركان القلب الأربعة»؟ التي صدرت بعد 20 عاما على وفاتها، وهو ألبوم يضم فنانين لم تكن تعرفهم؟ وفي حالة المصنفات التي تم استخراجها بعد أن قرر مؤلفوها عدم عرضها على الجمهور، كحالة رواية «أصل لورا» التي كتبها فلاديمير نابوكوف، وهي رواية غير مكتملة كان من المقرر، حسب رغبة مؤلفها، تدميرها بعد وفاته، ولكن مع ذلك قرر ابنه نشرها بعد وفاته، أو رواية كافكا بعد موته، حينما قدم الطلب التالي إلى صديقه ماكس برود (1884 – 1968) مؤلف وملحن وصحافي تشيكي يهودي كتابة، «هنا، عزيزي ماكس، صلاتي الأخيرة: كل ما يمكن العثور عليه في ما أتركه ورائي (أي في مكتبتي، في خزانتي، لدى سكرتيرتي، في المنزل وفي المكتب أو في أي مكان)، كل شيء أترك في الواقع دفاتر ومخطوطات ورسائل، شخصية أم لا، إلخ. يجب حرقها دون قيود ودون أن تقرأ، وأي كتابات أو ملاحظات لديك عني لدى الآخرين، ستطالبهم بها. إذا كانت هناك رسائل لا نريد إرجاعها إليك، فعلينا على الأقل أن نتعهد بحرقها (رسالة من فرانز كافكا إلى ماكس برود (1921). فعندما يتم الكشف عن عمل فنان جديد بعد وفاة الفنان، من الصعب ألا نتساءل عما إذا كان اختيار الفنان قد تم احترامه؟ ففي حالة كافكا، من خلال إنقاذ هذه الصفحات المدانة من النار، سمح لنا ماكس برود باكتشاف روائع.. لا حرمنا منها.

لقد قدمت كل من ساندرا باشاراش وديبورا تولفسن، المثال الشهير لنشر محاكمة فرانز كافكا لماكس برود بعد وفاته، بعد أن رتب هو نفسه الفصول غير المكتملة من الرواية.

فعندما يتم الكشف عن عمل فنان جديد بعد الوفاة، من الصعب ألا نتساءل، عما إذا كان اختيار الفنان قد تم احترامه؟ عنهوهذا ما تساءلت اثنتان من أساتذة الفلسفة، وهما ساندرا باشاراش وديبورا بيرون توليفسن، في مقال نُشر في عام 2015 في المجلة الأمريكية «The Journal of Aesthetic Education»، عما إذا كان يجب أن تكون الأعمال بعد وفاة مؤلفيها بالضرورة وفية لنية منشئها، وقبل كل شيء، إذا كان يمكن أن يكون حقا. غير مكتمل، سري، مكتشف.. العمل بعد الوفاة، في تحقيقه، هو قبل كل شيء حي و»تعاوني».  حتى عندما يبدو منتهيا عند وفاة الفنان، فهذا لا يعني أن الأخير كان ينوي الكشف عنه. هذا هو السبب في أن الباحثتين تعتبران أن نشر عمل ما بعد الوفاة، هو دائما تحديث لعمل غير مكتمل. وهكذا تجادل الفيلسوفتان بأنه لا توجد «أعمال بعد الوفاة» بالمعنى الدقيق للكلمة، وأن المرء لا «يُنهي عمل الفنان أو الكاتب الميت»، وأن الاعتقاد بأن هذا «ليس فقط غير بديهي، ولكنه يجعل من الصعب التمييز بين أولئك الذين يحاولون إنهاء أعمال الفنانين وأولئك الذين يصنعون أعمالهم بأنفسهم». ومع ذلك، فإن تعديل إبداع فنان من قبل خليفة له، يرغب في الكشف عنها لعيون العالم، لا يعني بالضرورة أنه ينبغي اعتباره عملا جديدا، متميزا تماما عن ذلك الذي بدأه الفنان.

في هذه الحالة، لا يمكن للمرء أن ينسب عملا بعد وفاته إلى الفنان الراحل. ثم تلجأ الباحثتان إلى القانون:
يعتمد ما إذا كان المرء ينشئ عملا جديدا ومتميزا، أو ما إذا كان الشخص قد أنهى العمل نفسه، الذي تركه الفنان المتوفى على ما إذا كان «المكمل» مخولا للتصرف نيابة عنه أم لا؟ ثم تظهر المفارقة: إذا تم الانتهاء من الأعمال بعد الوفاة بشكل عام من قبل أشخاص آخرين، فإنها مع ذلك تُنسب إلى الفنانين المتوفين الذين هم أصلهم من أبدعها. وتقترح الفيلسوفتان التفكير في الأعمال بعد وفاة أصحابها على أنها أعمال مصنوعة من «الوسطاء»، أو «المكملون»، او «منفذون» سواء في الكتابة أو التشكيل.
لقد قدمت كل من ساندرا باشاراش وديبورا تولفسن، المثال الشهير لنشر محاكمة فرانز كافكا لماكس برود بعد وفاته، بعد أن رتب هو نفسه الفصول غير المكتملة من الرواية. عندما سئلتا عما إذا كان ماكس برود قد أنهى عمل كافكا أو ابتكر عملا جديدا، ففي نظرهما العمل الذي نشره ماكس برود هو عمل كافكا، وأن ماكس برود سُمح له باسم كافكا لإكمال عمله، فهذا في الأخير يعني أن هذه الأعمال المنجزة بعد وفاته لا تزال من أعمال كافكا الأصلية. فأجابت الباحثتان أنه «لا شك في أن برود كان ينوي إنهاء عمل كافكا»، وأنه «باختياره صديقه كمنفذ لعمله، أعطاه الروائي كافكا إياه ضمنيا الحق لإكماله». لكن مرة أخرى، حتى عندما يسلم الفنان على وجه التحديد تعليماته إلى الشخص المسؤول عن مستقبل عمله، فإن هذه التعليمات لا يتم اتباعها دائما. هذه هي حالة فرانز كافكا، الذي خانه صديقه ماكس برود.
لقد أثارت هذه القضية نقاشا قانونيا في الغرب، وأعطت مفهوما جديد للحقوق الفكرية المعنوية. مفاده إذا تم إكمال العمل المعدل أو المنشور بعد وفاته من قبل شخص مخول للعمل كحارس للعمل نيابة عن المتوفى، فهو في الواقع يقوم بتنفيذ عمل المتوفى. حتى عندما يجلبون طرقا جديدة لتقديم عمل المبدع، فإن «المكملون» أو المنفذون يفعلون ذلك فقط نيابة عن المبدع، ولهذا السبب، يكملون عملا موجودا بالفعل، بدلا من إنشاء أو ابتكار عمل بمقاييس مغايرة لفكرة ومفاهيم وأهداف للكاتب أو للفنان الأول.

كاتب ومترجم مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية