«إرفع رأسك أنت أردنيّ» ما بين الموضوعيّة و«التسحيج»

حجم الخط
1

آذت هستيريا التحليلات «التسحيجيّة» والمقالات الإسترزاقيّة النفاقيّة التي عجّت بها الصحافة المحليّة في عمان، جديّة ما طرحه الملك عبدالله الثاني، بشأن الاعتزاز بصمود النسيج الأردنيّ والوحدة الوطنيّة الأردنيّة، في ظل انحلال دولتي العراق وسوريا المجاورتين، مما أدى إلى قتل مئات الآف وتشريد الملايين. فعلى الرغم من كل الحملات التشكيكيّة بمقدرة الأردن على الصمود، خاصة في ظل المحاولات الحميمة لتسويق الأردن «كوطن بديل»، الذي دعمته الصهيونية الدولية وأذنابها، فالأردن اليوم هو أقوى من أي وقت مضى وبشكل يزعج كل من لا يريد خيراً لهذا البلد وأهله الطيبين، ممن اقتنص وما زال يقتنص الظروف لبث سموم الفرقة وإيذاء الأردن وديمومته ككيان سياسي مُستقر.
ولا بد من التأكيد وبكل وضوح على أن «رأس كل أردنيّ» سيرتفع ليصل حد السماء وما فوقها عند تحقيق إنجاز الأردن الأكبر والأهم، الذي للآن لم يُنجز بعد. هذا الإنجاز الذي سيعتز به كل أردني مُخلص لثرى وطنه يتمثل بضرورة الارتقاء بالنظام الأردني، من كونه اليوم نظام تثبيت المنافع المُكتسبة لمحاسيبه ومنافقيه في ظل محسوبيّة مُمنهجة على حساب حقوق الشباب الأردني ومواطنه البسيط.
فكيف سيرفع الشباب الأردني رأسه وحقوقه ما زالت مسلوبة ومُحاربة وبكل شراسة من محاسيب النظام ومنافقيه، الذين هم في حقيقتهم السوداء ليسوا أكثر من عثراتٍ في طريق كل أردنيّ مؤمن بمبدأ المنافسة الشريفة؟ فبغير توفير حماية حقيقية وتشريعيّة تحت طائلة القانون، لضمان حقوق الشباب الأردني، فإن كل الذي يجري للآن لا قيمة له على أرض الواقع المرير، الذي تعيشه اليوم الغالبيّة العُظمى من الشباب الأردنيّ المُؤّهل. فكل شعارات النظام من «دعم المنافسة الشريفة» و»حماية الإبداع الشبابي الأردنيّ» وبهرجات النظام في «الاحتفاء بالمُنجِز الأردنيّ وتقديره»، كما حدث مؤخراً في القصر الملكي الأردني ما زالت بعيدة كل البعد عن توفير الحماية الحقيقيّة التي يتوقُ لها شبابُ الأردن الواعد. فهي لا تزيد عن كونها مناسبات لالتقاط الصور التذكارية وليست تتويجاً لجهود أردنيّة أكلينيكيّة ناجعة للقضاء على المحسوبية المُمنهجة والشللية في المواقع العُليا، التي دمرّت مستقبل عشرات، إن لم يكن مئات الآلاف من شباب الأردن المؤهل.
فهذه الشللية النفعية المغلقة، التي أصّلها في المجتمع الأردني، محاسيبُ النظام ومنافقوه كانت وما زالت الحاضن الطبيعي للفساد والفاسدين وفكرهم التبشيري القائم على غرس قيم الفساد والخنوع والسمسرة في الأجيال الأردنيّة المتعاقبة، التي غُرر بها من قِبل هذه الطبقات المقيتة، في أخطبوط علاقاتها المتشابك مع كل مرافق الدولة الأردنيّة بحكم المصاهرة والمحسوبيّة وتوارث المواقع العُليا، في اعتداء مباشر على قيم الشفافيّة والنزاهة، مما خلق ثقافة سياسية رسمية متردده في استئصال الفساد والفاسدين، وجلبهم للأردن حتى بعد صدور أحكام قضائية أردنيّة ضدهم. وما تم نشره مؤخراً عن استرداد الأردن لـ35 مليون دولار خلال العامين الماضيين في قضايا فساد من أصل مليارات المال العام المهدور، في ظل المديونية الأردنيةّ التي قاربت على الـ30 مليار دولار يؤكد القصور الشديد في هذا المجال.
وعلى الرغم مما تقدم من نقصٍ خطيرٍ وملحوظٍ في كبح جماح محاسيب النظام ومنافقيه، الذين بشلليتهم ودوائرهم النفعية المُغلقة ما زالوا يشكلون خلايا سرطانية يجب اسئصالها بكل منهجيّة وحزم، لا بد من التأكيد الموضوعي على أن الاستقرار الأردني الذي تفاخر به الملك عبدالله الثاني مؤخراً لم يأت أيضاً من فراغ، بل هو حصيلة تكاتف كل الجهود الوطنية الأردنيّة، التي ظهرت فيها «معادن الرجال» الحقيقيّة في مثل هذه الأوقات العصيبة، لا سيما من الأصوات الحكيمة من قادة وأفراد المعارضة الأردنيّة، الذين أثروا بوعيِهم ومداخلاتِهم القيّمة الحوار الوطني الأردني. فمن الخطأ الجسيم أن نَعزو الاستقرار في الأردن إلى عامل واحد، ولكن من أهم العوامل كان صبر الملك عبدالله الثاني وترفعه بكل شموخ عن الإيذاء الشخصي الشديد، الذي كان قد تعرض له هو وأسرته والذي بلا شك كان قد تجاوز كل حدود اللباقة الأدبيّة في الكثير من المظاهرات المُسيّسة، التي طغت عليها المصالح الحزبيّة الضيّقة أو الفوضويّة العبثيّة. فعلى الرغم من الشعارات الخطيرة غير المسبوقة التي كانت قد نادت علناً «بإسقاط النظام» في الأردن، وعلى الرغم من المطالبات والضغوطات من وراء الكواليس بردٍ دمويٍّ في مواجهة المعارضة المتزايدة، لم تتحول المسألة بفضل الملك عبدالله الثاني، كما كان الحال في سوريا مثلاً، إلى معركة عضلات شخصيّة بين جيش النظام المُدجج والمعارضة.
فطائرات سلاح الجو الملكي الأردني، التي دكّت وبكل إقتدار وشراسة مؤخراً أوكار عصابات «داعش» الإرهابيّة، لم نشهد منها أي طلعات جوية «تخويفية» استعراضية تحوم حول أرتال المتظاهرين لإرهابهم، كما كان الحال في آواخر أيام مبارك، بل على العكس قامت قوات الأمن الأردني بحماية مظاهرات «المعارضة» من بطش تجمعات «الولاء» الموالية للنظام، وفي كثير من الأحيان جعلت قوات الأمن الأردنيّة من نفسها حواجز بشريّة لضمان عدم الاحتكاك بين الطرفين، لا سيما في ظل الاحتراف الأمني الأردنيّ في السنوات الأربع الأخيرة، الذي شهد تطوراً أيديولوجياً حضارياً وإصلاحات حقيقيّة وعميقة ما كانت لتكون بدون توجيهات الملك عبدالله الثاني ومتابعاته الحثيثة لهذا الملف الداخلي المهم. إضافة إلى ذلك ورغم أنها سابقة عربيّة قلما يتم الحديث المنُصف عنها، كانت قوات الأمن الأردني توفّر مراكب الحماية الأمنيّة لمواكب أعتى المعارضين الأردنيين وبناءً على طلبهم (ذهاباً وإياباً) عندما كانت أقطاب المعارضة هذه تخشى على سلامتها الشخصيّة عند مشاركتها في بعض المهرجانات الخطابيّة ضد النظام.
من كل ما تقدم نرى أن الاستقرار في الأردن الذي هو مَحفلُ بهجتنا الأردنيّة وبهجة الكثير من أشقائنا العرب، الذين يريدون كل خيرٍ للأردن ما هو الاّ الحصيلة المُخلِصة لكل مؤمنٍ بديمومة هذا الوطن ورسالته الإنسانية الحضارية النبيلة. وأنه ورغم رغبة الملك عبدالله الثاني الصادقة لرؤية الهامات والرؤوس الأردنيّة مرفوعة، إلاّ أن محاسيب النظام ومنافقيه هم أول من يريد أن يرى هذه الهامات مُنكّسة، لاسيّما بحربهم الوجوديّة الضروس ضد الطاقات الأردنيّة الشابة. فغالبيّة قصص النجاح الباهرة التي حققها الشباب الأردني في الأردن والخارج كانت رغماً عن محاسيب النظام ومنافقيه. فمعركة محاسيب النظام ومنافقيه مع شباب الأردن والقيم الأردنيّة العُليا، معركة وجودية لا هوادة فيها، لأن هزيمتهم تكمنُ بانتصار قيم الإنجاز الموضوعي في ظل المنافسة الشريفة. «فإبداع» هذه الفئات الضالة والمُضللة من محاسيب النظام ومنافقيه يكمن فقط في تغليف الحلول السطحيّة وإتقان فن النفاق والانتهازيّة التآمرية والالتفاف بسمسرة على الأردن وقيمه الأصيلة. هؤلاء، الذين سمموا بانتهازيّتهم براءة الطرح الوطني الأردني بتلاعبهم بقيم الأردن العُليا، الذين لا يردَعُهم ضميرٌ أو حرصٌ وطنيٌّ، منهم الكثير من الأصهارِ والأنسباءِ ورؤساء وزراء سابقين توارثوا المواقع بكل استهتار واستغفال للإرادة الوطنيّة الأردنيّة، ومنهم اليوم العديد من الوزراء والسفراء الحاليين والكثير من الأعيان (أعضاء ما يُعرف بمجلس الملك) وغيرهم ممن تقلدوا مواقعهم العُليا في الأردن بحكم محسوبيّة مُمنهجة أنتجت مافيات وشلليات حُكم بغيضة يترفع عن قُبولِها كُلُّ صاحبِ نخوةٍ وكبرياءٍ وطنيٍّ أصيلٍ.

٭ أكاديمي أردني ـ بريطانيا

د. لؤي منور الريماوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية