المسرحي اللبناني ـ الفلسطيني علاء ميناوي يبني شراكة مع الجمهور بحثا عن الهوية

من زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي» : «2048 – تحلل هوية» ليس رقما لشارع في بيروت، فالشوارع تائهة، وقد تسحب معها إلى المتاهة «غوغل ماب»، واختراع «اللوكيشن». إنه عرض مسرحي تفاعلي للفنان اللبناني الفلسطيني علاء ميناوي يبحث في الهويات التائهة بدورها لأسباب شتى.
شخصيا باشرت دخول حلبة المسرح مع انطلاق البحث عن المكان في مار مخايل ـ الجعيتاوي. فزت بالوصول إلى الهدف الأول «كافيه كاليه»، وبعدها إلى «جنينة لذيذة» وخيمة منشأة خصيصا لتحمينا من الشتاء. تواصل مع علاء وانطلقنا صعودا نكتشف «دراج الجعيتاوي» وشوارعها الأليفة رغم العتمة. الحماس يلف الجميع، وعلاء يظللنا بمطالبه وحضور صوته عبر واتس أب الذي بات ضرورة في هذا العرض المسرحي.
في آلية مسرح علاء ميناوي يقتصر كل عرض على 12 شخصا. بالوصول إلى المنزل، الذي ليس لنا، نستدل على المفتاح. تخففنا من الأحذية ومن الهوية واستبدلها كل منا برقم، وفق توجيهات المخرج. افترشنا الصالون، وتبادلنا الحديث، وشاشة التلفزيون تنقل مشاهد متواصلة عن «الثورة» التي اندلعت ذات يوم من أكتوبر/تشرين الأول 2019.
رائحة طلاء طازجة تخترق الأنوف، وجدران نظيفة خالية من أي معالم. مع اسئلة علاء بدأت تتوضح وتتمنهج المسيرة. رسالة منه عن دراسته وطفولته فتحت سؤال الهوية واللجوء والعنصرية. جده الملاك المقتدر في يافا الجميلة، لجأ إلى لبنان وصار دهانا. يده مرت على جدران قصر رياض الصلح وقصر الأونيسكو ووو، ووالده تزوج لبنانية، وولد علاء «نص نص». كبُر ويئس من حقه الطبيعي بجنسية والدته، وغيرها من المواقف التمييزية السلبية التي تعرض لها، منذرة: انتبه أنت لاجئ فلسطيني.
متاهة الهوية في البلدان العربية شائكة، وفي لبنان صلتها وثيقة بالعنصرية والفوقية والطائفية والدم الأزرق. وهكذا صارت اللبنانيات مواطنات من الدرجة الثانية.
موجة تفاعل عالية ولدت بين علاء والفريق المشارك في عرضه الأول. تعارفوا وتآلفوا، وتذوقوا الفتوش فجمعهم إلى طاولة واسعة. حان وقت الرحلة الأخيرة داخل المنزل، وفي غرفة مفروشة بسجادة وآلة عرض وبروفيل علاء نيغاتيف على الجدار. ميكرفون يتوسط الغرفة من خلاله تبلغ علاء الحل للمعضلة التي تؤرقه. زميل من الفريق أبلغه بالخبر السعيد: بات بإمكانك التقدم بطلب لنيل جنسية والدتك اللبنانية، ستكون بيدك بعد مرور 100 سنة على تقديم الطلب. فُرجت إذا… مبروك علاء.
يبحر ميناوي بجرأة ووعي في اختباراته المسرحية المعاصرة نحو موضوع الهوية، موضوع شخصي في مكان، وعام بالنسبة لملايين المهمشين في الأرض. مع العولمة التي أكلت ولم تبق، السؤال أين هي الهويات؟ وإلى حين إنجاز الإجابات نتذكر ونستمتع بتجربة مخرج يجتهد في تقديم مسرح معاصر، ويعمل ليكون الجمهور جزءا لصيقا متفاعلا مع الإشكالية التي يطرحها. إنه المسرح الذي أطلق أجنحته في الهواء وحط في منزل. وفيه أكمل لعبة التجريب حيث لا نص ولا ممثلون ولا إضاءة ولا جمهور في صفوف متوازية.
دخل الحضور الـ 12 اللعبة بسلاسة. تذوقوا الفتوش، وتآلفوا بحدود مع رائحة الطلاء الطازجة. مسرح يستحث حاستي الشم والذوق، ويستحث الأسئلة. وجميعها تخترق الذاكرة وتستقر. وحده علاء ميناوي سيبقى بانتظار الهوية اللبنانية إلى سنة «2048» هذا إن لم تتحلل الهويات جميعها، أو يضيق أفقها وتتقلص حدودها. وتصمد فلسطين بوصلة لهويات الأخلاق والحق. أشير إلى أن العرض يستمر يوميا ما عدا الإثنين حتى نهاية كانون الثاني/يناير، ثم من 7 شباط/فبراير حتى 18 منه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية