هناك على الحدود: لا مكان حتى لزائر واحد!

حجم الخط
0

سوكشو، البلدة الحدودية بين الكوريتين، كأنها متروكة عن عمد من كلّ منهما. ليس إلا الصقيع والفراغ، ثم ذاك البحر المثلج الذي يحتاج الصيادون إلى شقّ صفحته للوصول إلى أسماكه. الفندق القديم المهمل، وهو الفندق الوحيد في سوكشو، لا تُشغَل منه إلا غرفتان، أولاهما لمتسلٌّق جبال ياباني، والثانية لشاب وفتاة تغطّي حروق وجهها بلفائف وضمادات. أما من يدير الفندق، وربما كان صاحبه (بارك) فيتولى استقبال نزلائه والقيام ببعض المهام القليلة الأخرى. الفتاة التي تعمل في ترتيب غرف الزبائن وإعداد الطعام لهم وغسل ثيابهم، هي التي استقبلت الزبون الجديد هذه المرّة. اسمه كيران، جاء ليعمل وليعتزل في آن، ذاك أنه، هناك في بلده الأوروبي، ليس كسائر الموظفين عليه الالتزام بالحضور إلى مكان عمله. إنه رسام وكاتب قصص مصورة. سوكشو هي إطار مكاني جديد مختلف عن الكتب المصورة التي سبق له نشرها. وهو، منذ نزوله في غرفة الفندق، أقفل على نفسه الباب وبدأ يخطّ بأقلامه ملامح للمكان لم تكن قد تشكّلت بعد في مخيّلته.
للفتاة العاملة في الفندق بدا حضوره كاسرا لنمط الحياة الرتيب، الذي تعيشه في تلك البلدة التي يحدّها البحر من إحدى جهتيها، وشريط الحدود المكهرب من جهة ثانية. ذاك أن النزلاء القليلين يدون مثل خيالات أو ظلال، إذ قليلا ما تغادر الفتاة المحترقة غرفتها ولا يعود المتسلق الياباني، إن حصل وخرج، إلا في وقت متأخر من النهار. لا شيء حيوي في البلدة إلا سوق السمك. هناك تعمل والدة الفتاة، مرتدية على الدوام مئزرها البلاستيكي الأصفر، في تنظيف السمك وتقطيعه وبيعه، وطبخه أيضا. أنواع لا حد لها من السمك، الحبار في مقدّمها، تملأ البلدة وتطغى على كل ما فيها. مقاطع كثيرة في الرواية تنقل أوصافا مقزّزة لأسماك وحيوانات مائية تُربّى في الأكواريوم لتُخرج منه في اليوم نفسه. في إحدى الصفحات الأخيرة من الكتاب تصف الفتاة اشتغالها بالسمك، تقول: «قطعتُ الزعانف بالمقصّ، أخذت سكينا، قطعت الرأس، كان الغضروف أكثر سماكة مما كنت أتوقّع. عاودت الكرة بسكّين أضخم.. أزلت الدم بملعقة صغيرة، أزلت الأمعاء والمعدة بأصابعي حتى لا أثقبه».
هي بلدة غارقة في روائح الأسماك وزفرتها وكثرتها الفائضة، رغم أن مستهلكيها قليلون. في الفقرات المستشهَد بها أعلاه كانت الفتاة، الراوية، تصف تحضيرها للطبق الذي تعدّه للمقيم الجديد بعد أن امتنع عن تناول الطعام الذي يٌقدّم للنزلاء. كان يُبقي الطبق كما هو، لكنه وعدها أخيرا بأنه سيأكل ما تحضّره له، وذلك بعد أن كانا قد قطعا شوطا في شهوتهما المتبادلة الغامضة، أو بعد أن تمكنا من فتح ثقب في الاستغلاق الذي يختبئ كل منهما فيه. لم تستطع الفتاة أن ترى الشيء الكثير من رسومه في ما هي تتلصّص عليه، ذاك أنه لم يكمل رسم وجه أو مشهد واحد إذ سرعان ما يمحي ما كان رسمه، أو يغطّيه بطبقة سميكة من الحبر. بسبب استعصاء المكان والوجوه عليه، تلك التي أبرزها، لا بدّ، وجه الفتاة، فتاة الفندق.
يبدو للقارئ أن إمعان الرواية في الاشتغال المقزّز بالسمك مواز، بشكل ما، لتكرار فشل الفنان في إكمال رسومه. لكن، في ما يتعلّق به، لم يلتفت إلى ما تشتغل به، بل إنه كان قد غادر الفندق قبل أن تنتهي من إعداد الطبق الذي عملت جاهدة على طبخه وتزيينه له. كان قد غادر قبل وصولها حاملة له هديتها تلك. كما لم يتح لها أن تظهر له بالتجميل الذي أجرته على شعرها وتلوين عينيها بالكحل السميك الذي احتاجت إلى أن تذيبه في الماء ليصير ممكنا إلصاقه على جفونها. وهي، قبل يوم من ذلك، كانت قد ذهبت إلى الصيدلية لتشتري عدستين لاصقتين لأن وجهها يبدو مخيفا مع تلك النظارات، حسبما قالت لها خالتُها ذات مرة. ولم تفلح في لصق العدستين. كانت إحداهما أوسع مما يجب، والأخرى أكثر سماكة. في بلدة مثل سوكشو لن يكون التزيّن إلا مفتعلا وبائسا، مثله مثل شريط أضواء النيون الذي رُفع فوق صفّ المحلات ليكسر العتمة الجاثمة.
الرجل الذي جاء من «هناك» وهناك هي باريس على الأرجح، لم يمكث هنا إلا أياما قليلة. ربما ظنّ، قبل أن يجيء، أنه يستطيع أن يصنع فنّا من غرابة المكان، وأن مخيّلته قادرة على احتواء تلك الغرابة واستخلاص معنى ما منها. والأرجح أن ميله الشبقي نحو تلك الفتاة لم يكن بعيدا من ذلك. ربما لم يفهم ما تقوده إليه تلك الشهوة. هل تستدرجه إلى شرك ما، هل ستودي به، إن استجاب لها، إلى الشكّ بذائقته؟
هذه الرواية تبدو كما لو أنها تقيم حواجز في طريق القارىء المتعجّل، تأمره بأن يبطئ حين ترى أن القراءة أتعبته وها بدأ يطوي الصفحات دون أن يُعمل تركيزه كفاية. ذاك أن جملة واحدة ينبغي ألا تُفوّت، لا لأن ذلك يقطع السياق السردي، بل لأن كل شيء متروك للّمح والخفاء الدال على ما يتعدى المعنى المباشر للكلمات. ذلك يشمل مكان الرواية نفسه، حيث رقعة الحدود الباردة بين عالمين يعيشان الانقسام الأكثر ضراوة.

رواية إليزا شوا دوسابان «ذات شتاء في سوكشو» نقلتها إلى العربية لدار نوقل ميرنا باسيل خليفة في 122 صفحة- سنة 2022.

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية