يستهل الناقد المغربي صلاح بوسريف كتابه «رهانات الحداثة» بقوله «لا تعني قطعا الحداثة، القطع مع الماضي، أو الإقامة في منجزاته. كما لا تعني بناء أفق حضاري مشروط بمحو ما له صلة بماضي وحاضر رهاناتها، والتفكير فقط، في مجهولات نداءات تستقدم بعض رواسبها من المستقبل». الحداثة، بهذا المعنى، هي حوار يقظ ودؤوب ما بين التراث (حتى لا أقول القدمة أو القدامة) والمحدث أو الجديد من الأشياء. لكن هناك من ينظر للحداثة كإذعان مطلق للمتواقت/ الحديث، واستيلاد قسري لإنيته. وهي، بهذا المعنى، تغدو مناقضة تماما للقدمة.
هنا نتساءل، هل كل محدث جديد؟ ليس بالضرورة؛ لكن على العكس من ذلك، إن كل جديد محدث، لأن معيار الجدة، فنّي بالأساس. لذلك فالجدة موجودة في القديم، مثلما هي موجودة في الآني. ثمة في القديم، الكثير من الحداثات، وثمة في الآني، الكثير من التقليد، ما يجعل منه حداثة معطوبة. إن الحداثة التي تنهض على الجدة، لا يمكنها إلا أن تكون رديفة للإبداع والمجاوزة والمغايرة. أما الحداثة التي تقوم على التقليد، حتى إن كان التقليد هنا لما هو حداثي، ليس في مكنتها إلا أن تُنتج التكرار والمعاودة، على الرُّغم من هندامها الحداثي، وعلى الرغم من تواقتها ومعاصرتها؛ لأن التقليد، كقيمة، يسكنها وقائم فيها بالقوة والفعل. الحداثة الأولى، حداثة ابتداع، أما الثانية، فهي حداثة اتباع. علينا كحداثيين، أن نستوعب اللحظة التاريخية التي استُحدث فيها التراث، مثلما علينا كذلك، أن لا ننجذب إلى سحره بالقدر الذي ينبغي علينا أن لا نمجّه أيضا. فالتراث هو مجموعة من الأجوبة لأسئلة وانتظارات مرحلة ماضية. إنه إشباع لرغبات كانت وانتهت، لذا فالإقامة في الماضي، نكوص وارتكاس، إنه مجرد انحباس في علبة مظلمة، الصوت فيها، ليس إلا رجع صدى. علينا، كذلك، أن نتعلم، كيف ننظر إلى الماضي، بعيون استشرافية تتشوف فقط للماضي المقيم في المستقبل. أقصد الماضي المضيء والمشرق.
الفرق بين التقليداني والحداثي المبدع، كون الأول يُدير رأسه إلى الخلف دون اكتراث للجدار؛ فيكون مصيره لا محالة، الاصطدام بهذا الحائط، حائط العصر لا شك؛ فيما الثاني لا ينظر سوى إلى الأمام مع الانتباه للمرآة العاكسة للخلفية، فيكون مصيره الأحقية في الانتماء إلى العصر. مصير الأول، هو مصير كل المصابين بفوبيا الطارئ، ورهاب المحدثة؛ فيما مصير الثاني، هو مصير كل المجددين والمبدعين في الحياة. وعلينا أن نتعلم، أيضا، كيف ننظر إلى الماضي، باعتباره نداءات مشاءة وسيارة، لا باعتبارها معطى ناجزا وثابتا، تقَدْسن وتُحوّل إلى محدّدٍ نهائي. وعلينا، عطفا على ذلك، أن ندرك أن جاذبيته، آتية من صيرورته، ومن سيرورته، ومن ديناميته، إلا أن ما يجعله يبدو ثابتا، هو عمى القلوب التي في الصدور، وعطب الألباب التي في العقول. أما الحداثي المتبع والمُقلِد، فتلك قصة أخرى. أغلب الظن، أن الحداثة حداثات؛ وبين الحداثة و»الحداثوية» فتوق وفجاج. الحداثويةُ مماثلةٌ وتطابقٌ، أي أنها تقليد، حتى لو كان المُقلد «حداثيا» أو بالأحرى يزعم ذلك.
لم تكن الحداثة، في يوم من الأيام، قطعا مع الماضي، أو محوا لكل ما يربطنا به، ولا حتى محاكاة للحداثة نفسها، لأن الحداثة الحقة هي مشاركة في مستلزمات العصر، فعلا وانفعالا، تأثيرا وتأثرا. الإقامة في الماضي موت، والقفز إلى المستقبل انتحار، والحداثة بينهما. جماع القول إن الحداثة الأصيلة هي: إبداع، إضافة، مجاوزة، مغايرة، حوار دؤوب.. وإيمان بالحق في الاختلاف، أي بالحق في الحياة. أما في الشعر، فالحداثة موقف فني من فعل الكتابة نفسه، وهي كذلك، حسب أدونيس، تساؤل جذري «يستكشف اللغة الشعرية ويستقصيها، وافتتاح آفاق تجريبية في الممارسة الكتابية، وابتكار طرق للتعبير تكون في مستوى هذا التساؤل، وشرط هذا كله الصدور عن نظرة شخصية فريدة للإنسان والكون».
أدونيس، هذا الرجل المخاطر، بالمعنى النتشوي، الذي كلما تحولت الحداثة إلى نافلة القول، إلا وذكر اسمه؛ قلت إن هذا الرجل، لم يكن ليؤسس لحداثة شعرية عربية، إلا من داخل وحدة « الاختلاف في الائتلاف» لذلك فإن «الاختلاف المفرط عن تراث اللغة التي يكتب بها الشاعر هو الموت، أي هو التبخر كالدخان، بالقياس إلى نار هذه وجمرها. الائتلاف المفرط هو الموت أيضا، أي التخثر كالحجر».
لم تكن الحداثة العباسية، البتة، اختلافا مفرطا، ولا حتى ائتلافا مفرطا. بداية التحديث العربي بدأت في عصر بني أمية، وإن تمثلت، فقط، سياسيا واجتماعيا. صحيح جدا أنه في هذا العصر، تطور غرض الغزل بشكل ملحوظ، إيذانا بوحدة الغرض الشعري، ولنا في الجدل الذي دار حول شعر عمر بن أبي ربيعة، من نقاش، مثال على ذلك؛ لكنه على الرغم من ذلك، فإن مقولة «عمود الشعر» وتحديداتها، فوّتت على اللغويين والنحويين والرواة، فرصة التحديث والتطوير في هذا العصر؛ لأن همهم الوحيد من الشعر، كان هو الاستدلال على ما غمض من ألفاظ في القرآن الكريم. فكرة التحديث والتطوير، لن تنضج إلا مع شعراء العصر العباسي، وتحديدا مع بشار بن برد، ومسلم بن الوليد، وأبي نواس، وأبي تمام.
في كتابه «الشعر والشعراء» يقر ابن قتيبة، بأن جل النقاد اعتبروا بشار بن برد «أشعر المحدثين» وأن من جاء بعده من شعراء محدثين، ليسوا سوى ظلال لشجرة النسب هذه، أقصد شجرة التحديث. لقد قيل «إن كل محسن بعده لائذ به ومنتسب إليه في أكثر إحسانه لأن جميع المحدثين وأتباعهم عيال عليه». لكن، ألم تكن سخرية أبي نواس من البناء الطللي للقصيدة العربية القديمة المتمثل في الوقوف على الأطلال، ووصف الناقة، والرحلة، في استجابة حقيقية لرؤية مدنية لا تعرف من حياة البادية سوى ما تواتر في المقدمات الطللية المكرورة، قلت ألم تكن هذه السخرية، إعلانا ضمنيا عن رفض هذا الشاعر لمعظم التقاليد والقيم الشعرية السائدة؟ أليس دفعه للشعر إلى مضايقه، وذلك بجعله من الخمرة غرضا أساسيا، وبلبوس غزلي، يعتبر فتحا من فتوحات الحداثة العباسية؟ ثمة في شعرية الحداثة العباسية، ميل كبير نحو، ما سماه أدونيس «بشعرية الكتابة» شعرية يستند فيها القول إلى الفكر والحرية، بالمراهنة أساسا على النص المكتوب، بدل النص الشفوي. هي إذن حساسية جديدة، وجمالية جديدة، تفجرت مع بشار وأبي نواس، وأبي تمام. ولئن كان، في النص النواسي، كما يرى أدونيس «لهب يلتهم كل عائق» فلأن هذا الشاعر يرى «أن خرق المحرم يولد فوضى الغبطة، التي هي نوع من هدم النظام الثقافي ـ الأخلاقي القائم، ونوع من الوعد الواثق بمجيء ثقافة لا قمع فيها، ولا قيد، ثقافة تخرج على قيم الأمر والنهي، ويتيح الحياة بشكل يتم فيه التآلف بين إيقاع الجسد وإيقاع الواقع، في موسيقى الحرية».
أما ريادة أبي تمام التحديثية، فتأتي من كونها شكلت ابتكارا لغويا- شعريا جديدا، وطفحا تشويشيا ما بين اللفظ والمعنى المحددين سلفا من طرف الموروث الشفوي للمنظومة الشعرية الطللية. إن هذا الرجل ينطلق «في تجربته الشعرية من رؤية ترى أن الشعر نوع من خلق العالم باللغة، مشبها العلاقة بين الشاعر والكلمة في العلاقة بين عاشقين، وفعل الشعر بالفعل الجنسي. هكذا يقيم علاقات غير معهودة بين الكلمة والكلمة، وبين الكلمة والشيء، وبين الإنسان والعالم».
من كل ما سبق، يتبين أن سؤال الحداثة في الشعرية العربية، لم يكن البتة، انفصالا عن الأصل أو كفرا به، بل إنه كان دائما سؤالا يحرج قصيدة آلت إلى الانحسار وأصيبت بالاحتباس، وذلك من داخل مأزقها ذاته.
كاتب مغربي