الشعر قبل أن يكون نوعا من أنواع الأدب والتعبير الجمالي، هو هبة ربانية ونشاط روحي. لكن قلة من الموهوبين من حفظ حق الشعر وائتمنه على أسراره ومُوحيات قوله، فأثمر شجرة كينونته وشق أمامه درب البحث والابتكار. وكل شاعر(ة) بدأ لقاؤه بالشعر على نحو سحري وغامض وغير متوقع، سواء من خلال القراءات الأولى الحرة، والتأثر بشعراء من أصقاع الزمن البعيد، والمنهاج الدراسي، والبيئة المحلية وأحلام الطفولة المبكرة، ثم تحول الفعل إلى ورطة واشتباك مع أقدار الكتابة ومتاهاتها الخاصة. وبما أن هذا اللقاء تجربة يجب أن تُروى ويُستلهم منها، طرحنا هذا السؤال المركب على أربعة شعراء من زمننا، جمعهم شغف الشعر وتفرقوا أيادي سبأ: كيف جئت إلى الشعر؟ ومتى طاوعتك نفسك على الاقتراب منه، وعقدت عليه زمام كينونتك؟
مبارك وساط: تعلم المشي على طريقتي
كان لشروعي في كتابة الشعر مُقدمات، أو فلنقل إني أحببتُ قراءة الشعر أولا، كما هو طبيعي، وتم لقائي الأول بالشعر مبكرا نسبيا، لكن ذلك اللقاء كاد أن يكونَ سطحِيا في البداية، وذا طابع عاطفي إلى حد بعيد. لستُ أدري ما الذي جعلني أُحِب الكتب في الصغَر، فأنا أتذكر أنه كان في حوزتي، وأنا في نحو العاشرة، كتاب «دمعة وابتسامة» لجبران خليل جبران، وكتاب آخر دون غلاف، وتنقصه بضع ورقات، يتضمن مختارات شعرية جيدة من الشعر القديم، مع شروح ضافية للكلمات الصعبة. وكنتُ أعتبر امتلاكي لهما حدثا كبيرا في حياتي، فكنتُ أقرأهما وأعيدُ القراءة، ثم انضافتْ إلى كتاب جبران كتبٌ أخرى بالعربية والفرنسية، من بينها كان كتاب على صِلة بالشعر، هو «تاريخ الأدب العربي» لحنا الفاخوري. في هذا الكتاب، كانتْ هنالك صُوَرٌ متخيلة لعدد من الشعراء القُدامى الذين تم تناول حياتهم وشعرهم بشكل عام جِدا في الكتاب، وقد أَنجز تلك الصور فنانٌ لم أنسَ اسمَه حتى الآن، رغم أن آخر إطلالة لي على كتاب الفاخوري تعود إلى نحو أربعين سنة: آرتور أورتيس!
المهم أن شعراء كثيرين، من الجاهلية إلى العصر العباسي وحتى ما بعده، بَدَوْا لي، من خلال أبياتهم المدرجة في الكتاب ووقائع حيواتهم، ومن خلال صورهم المزعومة، كما استقرتْ في مُخيلتي، كأنما هُمْ من أهل تلك القرية القريبة البعيدة، المعروفة من قِبَلي والتي يلفها في الوقت نفسه، بالنسبة إليّ، ضبابٌ شفيف يمنحها طابعا حُلُمِيا وأسطوريا بعضَ الشيء، فيما هي، في الوقت نفسه، واقِعية جِدا في ذهني: أعني «الدخانة» التي كُنا نهب إليها حين يحل الصيف، لقضاء نحو شهر من العطلة الصيفية في ربوعها. وبين بيوت تلك القرية ومسالكها، في عالمها العجائبي بالضرورة إذْ هي، في تصوري وقتها، خيالية وأسطورية وواقعية، كان يمكنُني أنْ أرى المتنبي، مثلا، ماضيا أمامي نحو حانوت «ولد المكي» ليشتري سجائر وبضع شموع، مُرَددا في دخيلته: «صلاةُ اللهِ خالقِنا حنوطٌ /على الوَجْهِ المُكَفنِ بالجَمالِ» ولا يَهم، إن اتضح لي، بعدها، أن من حسِبْتُهُ المتنبي كان، في الواقع، هو حميدة «مُولْ الكارو» أي صاحب العربة التي تجرها أحصنة والتي ينقل فيها زبائنه القرويين في فجر كل أحد إلى السوق الأسبوعي، فالأساسي هو أن المتنبي كان هنالك، حيثُ رأيتُه، بشكلٍ واضح ولا يُمكن إنكارُه! وباعتبار أن ثمة علاقات قرابة، قريبة أو بعيدة، كانتْ تَصِلُ أهل القرية ببعضهم، امتد ذلك الحِس بالقرابة، لديّ، إلى شعرائنا القدامى أنفسهم، في علاقة عاطفية قوامها الود والفضول والتقدير الكبير، مع إحساسٍ قوي بأن عالمي مختلف عن عالمهم، هكذا توثق ارتباطي العاطفي، في البداية، بالشعر العربي القديم، لكنني لم أشْعُرْ قَط برغبة حقيقية في أن أكتب على طريقة من بدوا لي في مقام الأجداد. وفي بدايات الشباب، اكتشفْتُ بعضا من شُعراء الدادائية والسيريالية الفرنسيين. وعلاقتي بهؤلاء الشعراء لم تكن، بالنسبة إليّ، من الصنف العائلي – العاطفي، بقدر ما كانتْ علاقة شخص في بدايات اكتشافه للحياة بمعناها الواسع بآخرين يشعر بأنهم ينتمون إلى عالم المدينة، مثله، وأنهم متمردون على ما يبدو لهم معرقلا لسيرورة استكشاف الجمال الشعري والفني بصفة عامة، وأنهم، تحديدا، من أنصار الخيال الخلاق والعيش الخلاق.
كنتُ شغوفا بالعربية من جهة، وبأسلوب التعبير الشعري الذي كان يدعو إليه الشعراء الغربيون المذكورون، من جهة ثانية. كان الأمر مرتبطا لديّ، أيضا، بتعاطُفي المبكر نسبيا مع الفكر المتمرد واليساري. ثم اكتشفتُ شعراءَ عربا من زماننا، لم يكن ذلك التغلغل في ما وراء سطح الواقع، وذلك البحث عن قصيدة ذات سمات شخصية لا تنبع من قوالب عامة بالغريب عنهم ولا عن ممارستهم للكتابة، فكأني اكتشفْتُ عائلة جديدة، عَصْرية ومدينية ومتضامنة على الصعيد الجمالي، فنشأتْ لديّ الرغبة في الانضمام إليها، عن طريق الكتابة الشعرية. وصفوة القول إني رغبتُ وقتها أن أخوض مغامرة كتابة الشعر.
للشعر عندي عمران: عمر بيولوجي وعمر كوني؛ فالأول مرتبط بمراتع الطفولة وتقلباتها ومحاضنها وهو موسوم بأزمنتها المترابطة والمتتالية من عمر الطفلة التي كنتها.
أمينة المريني: امتلاء في أوقات الفراغ
للشعر عندي عمران: عمر بيولوجي وعمر كوني؛ فالأول مرتبط بمراتع الطفولة وتقلباتها ومحاضنها وهو موسوم بأزمنتها المترابطة والمتتالية من عمر الطفلة التي كنتها. فمذ كنت وجدتني أحب الشعر وأنشده بشكل راقٍ حبب لمعلمي أن يصغوا إليه بصوتي في كل حصة من حصص الدروس. أما والدتي فكانت منشدة جيدة للشعر تحفظ الكثير من أشعار علال الفاسي ومحمد الحلوي، وتتذوقها. ولذلك كانت تأخذني بالحفظ وتمثل المعاني. أذكر أنني في تلك المرحلة كنت أفهم بالسليقة الأشعار، وكنت أُفتن بالنصوص التي كان المربي أحمد بوكماخ قد أدرجها في سلسلة (اقرأ) منذ القسم التحضيري.
هذه الفتنة المبهمة أخذت بتلابيبي، وأنا أتحسسها في أرواء النصوص وتناغم مقاطعها وتفعيلاتها. هكذا أخذتني أيادٍ مخلصة لأسير إلى جنة الشعر وناره، ولَرُبما لولا هذا الحب الفطري لما أنقدت إلى الشعر بسهولة، كما هو حال كثير من الذين دجنتهم التكنولوجيا، فما شعروا يوما بالانبهار إلا لما هو مادي. وأعتقد أنه لو شاء لي الخالق أن أتأخر إلى الآن لما تفتق في الروح هذا الحب الأزلي للشعر بحكم أن الشاعر يولد شاعرا، لكن عوامل البيئة تتضافر في تنشئته الشعرية: الأم، المربون، المحيط الصغير الذي ينعم فيه المرء بسلامة القلب وصفاء الروح وبراءة العواطف.
سينمو هذا الحب ويترعرع في كنف الأسرة والمدرسة، إلى أن أصل إلى الدراسة الثانوية. هناك سأقرأ صلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة، وسأحفظ نصوصا كثيرة لمحمد الحلوي والمتنبي، فأحس في نفسي كل مرة بأنني سأقول كلاما، وأحس بأن الكلام يصطخب في حلقي ويجيش به صدري، لكن لا أقدر عليه فتصيبني نوباتٌ من الحزن. وأجرب أن أكتبه مرة، وأسلم ما كتبته لأستاذي فيأخذه بالتوجيه ويدعوني إلى أن أحاول مراتٍ. وأذكر أنه مرة قال لي جملة لم أنْسَها إلى الآن: «أنت ما زلت تبحثين عن نفسك». لم أفهم العبارة حينها، لكنني اعتقدت أنه نصحني بترك الشعر، فانتابني ألم عارم وعدت لأقرأ دواوين الشعراء، وأنا أُحدث نفسي بأنني أردت أن أقول هذا، لكنني عاجزة عنه، وكنت كلما لقيت الأستاذ حاذرتُ أن يراني. أنا الآن أتحدث عن سن الخامسة عشرة لم أتوقف حينها عن تدوين خواطري التي كانت في الحقيقة نصوصا نثرية تحفل بالألم والضياع. كنت أعلم أنني لا أكتب شعرا، غير أني احتفظت بهذه النصوص للذكرى كونها شاهدة على مرحلة من الحياة. فهمتُ في الأخير نصيحة الأستاذ. بعد البكلوريا سيدرسني العروض عالم عروضي كبير وهو المرحوم محمد الدناي، فانبهرت بطريقته في تقريبه منا نحن الطلبة، فقد دعانا إلى تلمس الأوزان بالسماع والتقطيع الصوتي. وهكذا انصرفتُ في أوقات الفراغ إلى تجريب ما بدأناه مع الأستاذ، ليشمل مختلف البحور الشعرية. فإذا بي أحس كأنني عثرت على كنز من الألحان والمقامات الصوتية، وأدرك ظواهر الزحاف والعلة، دون أن أعرف أسماءها، لأكتب أول نص عمودي على الكامل في هذا الوقت. لم أعد أكتب نثرا، وإنما بدأت أكتب البيت والبيتين، وأنا أحتكم إلى الأذن فقط. وهكذا عبدت الطريق أمامي لأجمع بعضا من قصائدي الأولى في ديواني الأول «ورود من زناتة» الذي اعتبره في تقديري تماريني الشعرية الأولى.
ثريا مجدولين: حق الخلوة
علاقتي بالشعر تمتد إلى مرحلة الطفولة، حيث كانت مكتبة والدي، رحمه الله، مليئة بالدواوين الشعرية والروايات وكتب الأدب. وكنت أقرأ كثيرا في تلك المرحلة، لكنني أعتقد أن الحياة بتجاربها المتنوعة هي التي دفعتني إلى الكتابة. كتبت أولى المحاولات الشعرية في سن الرابعة عشرة. في تلك المرحلة من العمر التي بدأت فيها أسئلة الوجود تملأ ذهني، وكثيرا ما عجزت عن إيجاد أجوبة شافية عنها، فكانت الكتابة جزءا من الحل أو على الأقل كانت محاولة لصناعة لحظات من الرضا والاطمئنان أمام عدم الرضا عن العالم… لذلك جاءت الكتابات الأولى مليئة بالرفض والتحدي والرغبة في التغيير.. كنت أسرع إلى الورق كلما شعرت بالرغبة في الانعتاق.. كأنما الكتابةَ حضن رحيم.. كأني أستنجد بها لأنقذ نفسي من الانكسار، ثم أعجبني الأمر، وتعودت عليه.. هكذا كانت الكتابة في البدء هواية جميلة ولطيفة أعبر بها عن وجهة نظري في الحياة، وأمارس عبرها حق الخلوة إلى الذات والإنصات إلى صداي.
كنت أمارس الكتابة سرا في ما يشبه العشق حين اكتشفت لذتها، وتوهمت أنها تستطيع فتح أبواب الصمت الذي تزرعه حدة الواقع حولي وفي داخلي.. ولم أكن أفكر في النشر.. لم أضع أمام ناظري أبدا قارئا محتملا.. إلى أن دخلت الجامعة.. ففي السنة الأولى من الجامعة، وأنا في السابعة عشرة من عمري، نشرت أولى قصائدي بدفع من بعض أصدقائي في جريدة «المحرر» قبل حظرها.. لكن الغريب أن الأمر لم يكن ممتعا، لقد أحسست بالقلق كلما هممت بنشر القصائد اللاحقة. والأمر نفسه تكرر حين طُلِبَ مني أن أنشر ديواني الأول في بداية التسعينيات، أي بعد عقد كامل من الكتابة والنشر في الجرائد، ثم تكرر التردد نفسه مع باقي الدواوين الخمسة!
كتبت في كل الأشكال الشعرية تقريبا، بدءا من القصيدة العمودية التي مثلت البداياتِ الأولى التي لم تنشر، إلى القصيدة الزجلية تأثرا بالمرحلة الغيوانية، ثم قصيدة التفعيلة، إلى أن استقر القلب أخيرا على قصيدة النثر، التي كتبتها عن قصد وإصرار، ثم صارت الكتابة بعد ذلك رفيقة العمر، وسرنا معا في محاولة لصناعة الحلم، وفتح مزيد من النوافذ في العالم. كان زمن الكتابة بالنسبة إليّ مسبوقا بزمن شاسع من القراءة، قراءة عميقة ومتأنية للشعر قديمه وحديثه، من الشعر الجاهلي إلى المتنبي، ومن أبي تمام والمعري إلى السياب، ومن جبران إلى محمود درويش ومن نزار قباني إلى أدونيس، ومن محمد بنطلحة وعبد الله راجع إلى أحمد المجاطي ومحمد الميموني، ومن لوركا وبوشكين وبودلير ونيرودا ورامبو وإيلوار، إلى غوته وريتسوس وروني شار، وآخرين.. ولم تكن هناك حدود تاريخية ولا جغرافية، في ما أقرأ من الشعر.
نور الدين الزويتني: وكان ما كان!
لا أظن أن شاعرا يعرف بالضبط كيف جاء إلى الشعر أو الكتابة. الأمر شديد الغموض ولو بدا واضحا للبعض أحيانا. إنه أشبه بالسؤال: كيف أحببت امرأة ما؟ ولو حاولت الجواب لوجدت نفسك تحكي حكاية ستحكيها بشكل مختلف، أو تحكي غيرها في ظرف آخر. هناك عدة مداخل ستختار منها واحدا في كل مرة. وذلك ما سأقوم به. كان عمري ست عشرة سنة (حوالي سنة 1976) وكنت كثير الولع بالشعر وأخبار الشعراء حتى إنني كنت أنسخ بخط يدي أشعارا كثيرة من دواوين الشعراء في مكتبة البطحاء في فاس، لأنه لم يكن مسموحا لنا إخراج الكتب من تلك المكتبة الصغيرة والجميلة، التي أظن أنها هُدمت وحل محلها فندقٌ مُصنف. وأيضا لأن الاستنساخ الآلي لم يكن معروفا في ذلك الزمن، وكان من بين ما نسخته بخط يدي آنذاك في ذلك المكان – وبعشق كبير- المعلقات العشر.
بخصوص الكتابة أتذكر أن أول قصيدة كتبتها كانت إلى فتاة جميلة، وكانت زميلتي في الفصل. وكانت قصيدة عمودية بقافية، لكن دون وزن لأنني لم أكن أعرف أن للشعر أوزانا وقتها، أذكر أنني استعذبت كتابة الشعر بتلك الطريقة واستسهلته قبل أن يُنبهني صديق أكبر سنا أن للشعر أوزانا، وأرشدني إلى كتاب «ميزان الذهب في صناعة شعر العرب» الذي انكببتُ على قراءته بهمة عظيمة، ثم بعد محاولات عدة وجدتني لم أعد أجد صعوبة في النسج على بحر الرمل والخفيف. كانت كل قصيدة أكتبها بمثابة ولادة جديدة لي لا أتعب من إعادة قراءتها وإنشادها على أصدقائي. توالت القصائد والقراءات والصداقات والاكتشافات، فكان أن تعرفتُ، ولم أبلغ الثامنة عشرة بعد، على قصيدة الشعر الحر والشعراء العرب الرواد، ومشيت على مضض مع التيار الجديد قبل أن استعذب تلك الطريقة الجديدة في الكتابة أيضا، وكان ما كان.
كاتب مغربي