قصة حصان طروادة معروفة، وهي لمن لا يعرفها تتلخص بأنه قد نشبت، قديماً في عام 1250 ق.
م، أي قبل 3260 سنة حرب بين الإغريق (اليونانيين القدماء) ومدينة طروادة الواقعة على ساحل البسفور في غرب تركيا الآن. وكانت المدن المُحَاصَرَة تحتمي بأسوارها أما الجيوش المهاجمة والمُحَاصِرة فكانت تصنع أبراجاً خشبية، ثم تدفعها نحو الاسوار ليتسلقها ويخرج منها المقاتلون ليفتحوا أبواب الأسوار عنوة كي يدخلها المحاصرون، وقد اتبع الاغريق استراتيجية مغايرة وهي صناعة حصان خشبي مجوف عبَّأوه بالمقاتلين، ولإيهام الطرواديين بالخدعة انسحبوا وأبحروا وتركوا الحصان الخشبي الضخم فخرج الطرواديون واستولوا على الحصان ثم ادخلوه المدينة كغنيمة أو كرمز لانتصارهم وفي الليل خرجت القوة من الحصان وفتحت أبواب المدينة ليدخلها الجيش الاغريقي الذي عاد تحت جنح الظلام فاحتل المدينة ودمَّرها من داخلها.
أما قصة حمير طرواده فقد اخترعتها العبدلله، قياساً على قصة حصان طروادة، وتتلخص بأن المستعمر كي يحقق مبتغاه يمنح الشعوب المستعمرة (طروادة) استقلالاً وهمياً زائفاً هو بمثابة الحصان الخشبي وامعاناً في خداعها وتضليلها يسمح لها بتأليف حكومات واتخاذ رؤساء وملوك يستوردهم احياناً ويؤلف لهم جيوشاً وطنيةً وعلماً ويزودهم بكل ما يلزم من أدوات السيادة أو القمع، ثم يتظاهر بالانصراف تاركاً عملاءه من الملوك والرؤساء وراءه بحيث يلعبون دور المقاتلين المختبئين في الحصان الخشبي (الاستقلال الوهمي) وذلك لتحقيق هدفه وهو هنا استمرار هيمنته على البلد واستعبادها واستثمارها بواسطة صنائعه وأذنابه.
وهذا الحال يتجلى في البلاد العربية وقد جاز الأمر حتى على الصحافيين والمثقفين من الدرجة الثانية ولم تستح الأنظمة العربية من ادعائها السيادة والاستقلال، مع أنه استقلال وهمي كاذب أشبه بلهاية الطفل التي توهمه بأنه يرضع دون أن يكون هناك حليب إذ لم تستطع هذه الدول أن تحمي أوطانها (فلسطين والعراق) وأن تحرر أبناءها المسحونين ظلماً وعدواناً في غوانتنامو وإسرائيل وغيرها.
وكي تتضح الصورة أكثر نستعرض أحوال الدول العربية، فقد جزأها الاستعمار وصنع لها ملوكا ورؤساء وسمح لها بتكوين الجيوش وكل ما يلزم من مظاهر السيادة وإمعاناً في الخداع سماها بالدول المعتدلة، ولكننا نجد أن الاستعمار قد أسس دولة ليهود اوروبا في فلسطين كي تكون حصاناً خشبياً آخر له فيضرب بذلك عدة عصافير بحجر واحد: ينظف أوروبا أولاً من نفوذهم ويساعدهم في خلق دولة لهم ويحميها لتكون سيفاً له للحفاظ على مصالحه إن خرج العرب عن إرادته، كما نجد أنه سخَّرَ الأنظمة العربية لحماية حدود مخفره اسرائيل وهذا ينطبق على دول الجوار فنجد دولة مثل مصر قد حاصرت غزة ووقفت بجانب اسرائيل، بل إن حسني مبارك صرّح بوقاحة وبجاحة ‘أنا لا مع شارون ولا مع عرفات’، ولكننا نجد أنه في حصاره لغزة قد وقف مع اسرائيل وبنى سداً فولاذياً على حدود غزة بل ومنع الغزيين من السفر للحج والدراسة العلاج وصادر أموالهم وعذبهم وقتل بعضهم ومنهم يوسف أبو زهري لأن أخاه من حماس كما منع المصريات المتزوجات من غزاويين من زيارة أهلوهن. ولذا عندما سقط مبارك بكاه الاسرائيليون لأنه كان كما قالوا ذخراً إستراتيجياً لهم.
وليت الأمر اقتصر على ذلك فقد سارت الدول المعتدلة والممانعة في ركاب بوش في اعتدائه على العراق ومولت الدول النفطية حروب أمريكا في افغانستان ونيكارغوا والعراق وزودته بكل ما يلزم من النفط والمقاتلين والصواريخ إلى ورق الحمام الذي يمسح به الجنود الامريكيون أقفيتهم أما الجنود العرب فقد استعملوا الحصى ولم تستح الدول العربية من أن تتبول على معاهدة الدفاع العربي المشترك، وضربت بالعروبة والاسلام وبسيادتها عرض الحائط، كما نكلت بالمجاهدين أو المقاومين واعتبرتهم ارهابيين، هذا بالإضافة إلى تخفيف منابع الدعم لحماس وغيرها كما طلب بوش. وبعد فهذا قليل من كثير يمكن إيراده ولكن لا تتسع له هذه العجالة.
د. سبع محمد أبو لبده