طهران نجحت في ترتيب البرلمان القادم فهل تنجح في ترتيب الرئاسة القادمة بسلام؟

حجم الخط
0

فاطمة همّةكرست نتائج الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية التاسعة في ايران معطيات أكدتها جميع القرائن التي سبقتها ولا سيما نتائج الجولة الأولى وهي سيطرة واسعة ‘للتيارات المحافظة على البرلمان القادم بأكثر من الثلثين إضافة إلى كتلة مهمة من المستقلين تميل ضمنيا إلى معسكر المحافظين’. وتضاءل معسكر الإصلاحيين إلى مستوى ‘وجود رمزي’ لا أكثر. وبالمقابل تمايز داخل المعسكر المحافظ ‘طيف محدود يدافع عن الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد لكنه يتشظى بين من يمحضه الولاء وهم قلة وبين من يجمع إلى ذلك الولاء للقائد آية الله علي خامنئي’. ومع الإقرار بأن المشهد النهائي لاصطفافات النواب لن يظهر سريعا حيث تتعدد اتجاهات الطيف المحافظ الأكثر حضورا في التشكيلة البرلمانية الحالية إضافة إلى ما أفرزته النتائج الحالية من كتلة كبيرة نسبيا للمستقلين تزيد عن ثمانين نائبا من أصل مئتين وتسعين وحضور متواضع جدا ‘للإصلاحيين لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة’. القراءة الأولية لخيارات النائب الإيراني في ‘الاتجاه نحو اليمين المحافظ تعكس حالة من الترقب والحذر المشوب بالخوف على المرحلة القادمة بسبب الأخطار التي تتربص بالبلاد داخليا وخارجيا’. وهي تعكس حقيقة أن ‘الإيرانيين كأمة ينسون خلافاتهم أو يتناسونها حينما يشعرون بأن تهديدات حقيقة تحدق بأمنهم القومي ويميلون نحو ما يحقق لهم درجة أعلى من الشعور بالأمان والاستقرار’. يؤيد هذه القراءة مسارعة أوساط سياسية مختلفة إلى ربط ‘تليين المواقف الأمريكية تجاه إيران فيما يتعلق بالموضوع النووي من جهة وبقية المواضيع التي تقلق طهران أو تهمها من جهة أخرى بالحضور الكثيف نسبيا للناخبين في الجولتين الأولى والثانية وخياراتهم التي تميل نحو التيارات المحافظة’. واعتبار ذلك ورقة ‘مدعومة بتأييد شعبي واسع للخيارات الإيرانية داخليا وخارجيا’. وعلى ضوء النتائج التي تكشفت عنها نتائج الانتخابات الحالية سارع النائب الأصولي العتيد أحمد توكلي إلى التلويح بهذه الورقة في المحادثات المرتقبة في بغداد بين إيران من جهة ومجموعة 5+1 من جهة أخرى في الثالث والعشرين من الشهر القادم لتعزيز موقف الفريق المفاوض لصالح تحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح الوطنية والحد من التنازلات التي قد تطلب من طهران إلى الحد الأدنى الممكن. والاجتماع القادم في بغداد إذا ما تمخض -كما تقول إرهاصات ذات مغزى- عن نتائج إيجابية لصالح حل وسط يرضي إيران من جهة بالسماح لها بتخصيب اليورانيوم في مستويات متدنية مع تقديم ضمانات صارمة بعدم انحرافه نحو أهداف أخرى ويسمح في الوقت ذاته برفع ولو جزئي للعقوبات المفروضة على طهران وكان لها تأثير واضح على اقتصادها وإن لم يسلم الاقتصاد العالمي وخصوصا أسعار النفط منها فإن ذلك سيكون فاتحة خير بالنسبة للبرلمان القادم.

وتطول قائمة المواضيع الداخلية التي تتطلب من البرلمان القادم حلولا من التضخم الاقتصادي إلى الغلاء إلى البطالة إلى العقوبات الاقتصادية الغربية إلى الموضوع النووي مربط الفرس في السياسة الإيرانية داخليا ودوليا.

ويعتقد كثير من الساسة هنا أن طهران نجحت بالفعل بترتيب البرلمان التاسع بما يتناسب مع حجم المخاطر والاستحقاقات القادمة على مختلف الأصعدة في المرحلة القادمة ولا سيما منها موضوع الانتخابات الرئاسية القادمة في العام القادم بعد ‘فتنة’ مدوية عصفت بها في الانتخابات الماضية قبل ثلاث سنوات وتخشى من تكررها مرة أخرى.

والحقيقة أن إيران مقبلة على حسم مواضيع حساسة داخليا أكثر منها خارجيا في الفترة المقبلة والتي يتوقع كثيرون بأنها ستكون ‘عصيبة’ في أكثر التقديرات تفاؤلا. في الداخل تواجه ايران صعوبات جمة: الأولى هي الرئيس محمود أحمدي نجاد نفسه حيث توشك دورته الثانية على الانقضاء في غضون عام واحد وبحكم الدستور فضلا عن الإرادات القانونية والدينية والسياسية والشعبية ليس أمامه سوى أن يغيب عن المشهد السياسي المستقبلي. غياب سيكون بقوة القانون ونتائج الانتخابات الحالية حيث واجه تياره فشلا ذريعا في إدخال كتلة ذات وزن إلى البرلمان التاسع وهو التيار المصنف أساسا من قبل التيار المحافظ الأقوى والأكثر حضورا في البرلمان القادم وفي مختلف الأجهزة الحكومية في البلاد على أنه ‘تيار منحرف’ ما يعني مسبقا أن هذا التيار ليس أمامه مستقبل مشرق على الأقل في المرحلة المقبلة. والجميع يجمع هنا على أن الانتخابات التشريعية الحالية ستحدد ملامح الانتخابات الرئاسية العام القادم لانتخاب خلف للرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد ومع غياب تياره في البرلمان فإن هذا يعني أنه لن يكون له دور مهم في اختيار ملامح الرئيس القادم لإيران على أعتاب ‘عصرها النووي الحقيقي’. وعندما أدلى أحمدي نجاد بصوته في الانتخابات التي جرت الجمعة يقال إنه رفض الإجابة على أسئلة الصحفيين وهو ما فسر لدى مراقبين على أنه يوحي بحالة من الإحباط والإحساس العميق بالجرح الذي لحق به جراء هزيمته في الانتخابات التشريعية التاسعة بجولتيها الأولى والثانية. أحمدي نجاد الذي استطاع أن يخرج نفسه من شخص مغمور لم يحسب له أحد حسابا مطلقا استطاع إدخال تياره إلى الدورات البرلمانية السابقة وإلى الانتخابات البلدية وتنصيب نفسه عمدة للعاصمة طهران ثم رئيسا للبلاد وليبدي عنادا وعزيمة وإصرارا على تطبيق كثير من البرامج الطموحة التي عجز غيره عنها كتحرير سعر الوقود ومصادر الطاقة لصالح خططه الشعبية في تقديم الدعم المادي لجميع أفراد الشعب إلى إصراره على تخصيب اليورانيوم وتطوير البرنامج النووي. أحمدي نجاد هذا يجد نفسه اليوم أمام فكي كماشة تضغط بقوة لإخراجه وتياره من المشهد السياسي. من جهة هناك النخب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي لم تعجب يوما به ومن جهة هناك التيار المحافظ الذي وإن أعجب به يوما لكنه احتار في ولايته الثانية في فهم تضاريس شخصيته والتعامل معه وها هو يتجه الآن نحو التخلص منه بأقل الخسائر. وأيا تكن اتجاهات الرياح العاتية التي تحيط بطهران وتعصف بها فإن إيران يبدو أنها قد رتبت أمورها جيدا في البرلمان القادم ومهدت الطريق نحو ترتيب الرئاسة القادمة لاجتياز المرحلة الخطرة والحرجة بأقل قدر ممكن من الخسائر وأكبر قدر ممكن من الأرباح.’ صحافية سورية مختصة بالشأن الإيراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية