الاعلان الدستوري المصري: شاهين والمادة 28

حجم الخط
0

د. نصار عبدالله

في المؤتمر الصحافي الذي عقده المجلس الأعلى للقوات المسلحة في أعقاب مجزرة العباسية، دافع اللواء ممدوح شاهين دفاعا شديدا (لكنه غير سديد فيما أتصور) عن المادة 28من الإعلان الدستوري باعتبارأنها قد طرحت على الإستفتاء الشعبي الذي أجري في 19 مارس 2011 ووافق عليها الشعب المصري بأغلبية كبيرة وأصبحت من ثم جزءا من الإعلان الدستوري، وعلى هذا فإنها ـ فيما يرى ـ لا يجوز الطعن بعدم دستوريتها، لأن الطعن بعدم الدستورية ـ في رأي سيادته ـ ينصب على القوانين التي تخالف أحكام الدستور أما أحكام الدستور ذاته فلا يجوز الطعن عليها بعدم الدستورية،… وكلام اللواء شاهين في هذا الخصوص يبدو للوهلة الأولى وكأنه كلام سليم منطقيا وصحيح قانونيا فنحن قد نصف قانونا معينا من القوانين العادية بأنه غير دستوري عندما يتبين لنا أن ما ينطوي عليه مخالف لإحدى مواد الدستور، فكيف يمكن لنا إذن أن نصف مادة واردة في الدستور بأنها مخالفة للدستور؟ السؤال فيما يبدو للوهلة الأولى سؤال منطقي إذن!! ، غير أن الرد عليه بسيط جدا إذ أن مواد الدستور وإن كانت جميعها أسمى مرتبة من القوانين العادية، بحيث يمتنع على الأخيرة أن تخالفها، إلا أنها ـ في مواجهة بعضها البعض ـ ليست جميعها في مرتبة واحدة نظرا لأن بعضها (وهذا هو رأي الغالبية الغالبة من الفقهاء الدستوريين) بعضها أسمى في المرتبة الدستورية من البعض الآخر و قد يحدث في بعض الحالات ـ وقد حدث هذا فعلا في الإعلان الدستوري المعمول به حاليا ـ قد يحدث أن إحدى مواد الدستور تخالف مادة أخرى من مواده أو تتناقض تماما معها، وبالتالي فلا مناص لنا في مثل هذه الحالة من أن نخلص إلى أن إحدى المادتين على الأقل هي مادة غير دستورية. وهنا فإن السؤال الذي سوف يطرح نفسه بالضرورة هو: أي المادتين المتضاربتين هي التي سوف نعتبرها هي الأصل الدستوري وأيهما هي التي سوف نعتبرها خروجا عليه؟ والجواب على ذلك هو أن المادة التي ينبغي أن نتمسك بها هي المادة الأسمى في المرتبة، والمادة الأسمى هي تلك التي ترسي أكثر من سواها مبدأ أشد عمومية وأكثر تعبيراعما هو مستقر في ضمير المجتمع على اختلاف أطيافه، ولكي نكون أكثر تحديدا فإن المادة 28 من الإعلان الدستوري تنص على أن: (تتولى لجنة قضائية عليا تسمى ‘لجنة الانتخابات الرئاسية’، الإشراف على انتخابات رئيس الجمهورية بدءاً من الإعلان عن فتح باب الترشيح وحتى إعلان نتيجة الانتخاب وتكون قرارات اللجنة نهائية ونافذة بذاتها، غير قابلة للطعن عليها بأي طريق وأمام أية جهة، كما لا يجوز التعرض لقراراتها بوقف التنفيذ أو الإلغاء، كما تفصل اللجنة في اختصاصها، ويحدد القانون الاختصاصات الأخرى للجنـة). في حين أن المادة 21 من الإعلان الدستوري ذاته تنص على أن: (التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعـــــي، وتكفل الدولة تقريب جهات القضاء من المتقاضين وسرعة الفصل في القضايا، ويحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء).. لاحظ أن هذه المــادة تحظر النص في القوانين على تحصين أى عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء، وهي تستخدم كلمة القوانين على إطلاقــــها دون تفرقة فيها بين ما ينتمي إلى القانون الأساسي (الدستور) أو ما ينتمي إلى القوانين العادية (التشريعات)، فجميع القوانين طبقا لنص هذه المادة محظور عليها أن تنص على تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء.

وهكذا نجد أن المادة 28 تخالف ما تنص عليه المادة 21، ولا مناص لنا في هذه الحالة من أن نتمسك بإحدى المادتين باعتبارها أصلا أونصا دستوريا أسمى لا يجوز مخالفته، واعتبار المادة الأخرى خروجا على هذا الأصل، والأصل الواضح هنا هو حق كل مواطن في اللجوء إلى القضاء وعدم تحصين أى قرار يمس حقوقه المشروعة بنص في القانون أيا ما كانت مرتبة هذا القانون وبالتالي فإن المادة 21هي المادة التي ينبغي أن نتعامل معها باعتبارها هي الأسمى في المرتبة الدستورية لأنها هي التي ترسي مبدأ أشد عمومية وأكثر تعبيراعما هو مستقر في ضمير المجتمع على اختلاف أطيافه، وإلا فهل يوجد بين القراء الأعزاء قارىء واحد يقبل أن يجرد من حقه في اللجوء إلى القضاء في مواجهة قرار إداري معيب أيا ما كانت الجهة التي أصدرت ذلك القرار؟. ‘ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية