كتابة الصحراء

الصحراء ليست فضاء جغرافياً، فحسب، إنها فكرة. فكرة عن الوجود أولاً، وعن الذات، ثانياً. وهي، بهذا المعنى، نوع من التصوّر الشخصيّ للعالم يعبّر عنه، ويبدعه، مَنْ عاش فيها، أو مَنْ اكتشف المقوّمات الكامنة في ثناياها. كتابة الصحراء، إذن، سلوك كتابي أكثر منها كتابة وصفية، أو إنشائية، أو فولكلورية، أو استيهامية.
تخييل الصحراء كتابياً، ليس هو الصحراء نفسها، حتى عندما يحاول الكاتب أن يُبدِع نفس بنيتها الذاتية. لأن الصحراء، في النهاية، مكان يبدو شبه ثابت آنيّاً، مع أنه متحرّك باستمرار، ولا يكفّ عن تغيير ماهيته. أما الكتابة فهي معرفة وأحاسيس. إنها ارتكاسات عظمى تقترب، أحياناً، من الانفجار. وإذا كانت مادة الكتابة لُغَوية، فإن مادة الصحراء هي الضوء والفضاء. مِن أين، إذن، لمن يكتب عن الصحراء إمكانية اللحاق بكتلة الضوء العابر، وحركة الرمل اللامتناهية؟ نصّ يملك مثل هذه الخصوصية الفيزيائية والحيوية معاً، وحده، جدير بأن يدعى نصّاً صحراوياً. الكتابة عن الصحراء ليست جديدة. هناك مؤلّفات كثيرة حولها. ما سيكون جديداً في الكتابة عنها، هو الوعْي الجديد الذي يتحلّى به مَنْ يكتبها. وَعْي ينقلنا من عين الكاتب إلى ضميره، لأن الصحراء هي أمه التي أرضعَتْه، فهو جزء منها. ومنذ أن يعي أهمية وجودها بالنسبة له، لا يعود يريد أن يجعلها موضوعاً للسمسرة، أو للإشهار، أو لتحفيز الاهتمام بها.. وتعبيره عنها كتابياً ليس أكثر من ردّ نبيل للجميل. السرد الصحراوي له قوانينه الخاصة، وثوابته التي لا يمكن تجاهلها، ولا البناء عليها إلاّ لمن عاش فعلاً فيها، وأدرك ماذا تعني «الصحراء» للوجود، ذلك لا يمنع أن يكتب مَنْ يشاء عن الصحراء، لكن هذه الإمكانية المفتوحة لا تعني الإبداع، دائماً، إذ سريعاً، ما ستفضح الوقائع المنْحولة، وطريقة التعبير المتسَوّلة في كتابة مثل هذه، خَلَل المهزلة الكتابية عن «صحراء» مرئية بلا روح، ولا ماهية.. صحراء موصوفة أكثر منها معروفة.
ثلاث عتبات تتطلّبها كتابة الصحراء: التمثُّل/ المعرفة العملية/ والتجربة المادية، أو العيش الفعليّ فيها. ولكل عَتَبة منها أساطيرها، وأخلاقها، وسردها المتميّز، وبالخصوص، أحاسيسها التي لا يمكن اختلاقها. «سرد الصحراء» ليس لعبة إبداعية، وإنما هو جوهر وجود الكائن الذي نشأ فيها. و«خطاب الصحراء» غير قابل للاستلاب ثقافياً، ولا كتابياً أيضاً، لأنه، في جوهره، مصدر أساسي للثقافة والحرية والإبداع . في الكتابة عن الصحراء لا تهمّنا الدِقّة في المكان والزمان فهما مرئيان ومُعاشان بشكل مباشر، ولا نبحث فيها عن حقيقة خفية، أيضاً، فكل شيء فيها مكشوف. الصحراء لا تخفي شيئاً عن أهلها. طبيعتها اللاثابتة، تنفي كل معْطى ثابت، حتى لو كان «الحقيقة» نفسها. وعناصرها التي لا تكف عن التغيّر والتحوّر والانتثار، تتميّز بعدم الركون إلى الأمان التقليدي الذي نصادفه في سكونية العالم الآخر، اللاصحراوي. «ما وراء الصحراء» هو ما نريد التعبير عنه في الكتابة الإبداعية عنها، وليس مجرد وصفها الستاتيكي المحدود.. نحن نبحث في كتابتها عن سِرّ الوجود الخاص بها، وعن كيفية تصنيعها للموجودات التي تعيش في فضائها الغني والمليء بالكثير مما نجهله، وإنْ بدا «فارغاً» لأعين العابرين. في الكتابة عنها نحن لا نبتغي الطمأنينة، أو الراحة، أو الأمان، أو الوصول إلى يقين ما، وإنما نبحث عن «روح الكون الأولى» المبثوثة في رمالها، التي تتجسّد، من بعد، في الكائنات التي تعيش فيها: روح الحرية والتمرد والعزلة واللا امتثال. الصحراء، إذن، ليست وعاء للحياة، حسب، وإنما هي دافع أساسي من دوافع إبداع الوجود، وإغنائه بدلالاتها اللانهائية.
*نص المشاركة في «الملتقى الروائي السابع » في أغادير بين 15/18 ديسمبر/كانون الأول 2022، الذي تنظمه «رابطة أدباء الجنوب» ويشرف عليه الروائي عبد العزيز الراشدي.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية