من خلال العنوان أعلاه، لا أعني البدء بمشروع كتابة رواية لأول مرة، بقدر ما أرمي إلى فكرة مفادها؛ أن أي مشروع لكتابة روائية جديدة، يعني أن تكتب نصا مختلفا في تجربة الكتابة عندك. وهذا بطبيعة الحال توجبه الفكرة أو المعنى. فمنذ علاقتي بالكتابة ونهوض الحس الإنساني إزاء الظواهر، ابتدأت معي هواجس التفكير بثنائية الحياة والموت، واتخذت لها مجرى في مساري الإبداعي، ففي منتصف ليل عام 1964 نهضت من نومي وتناولت القلم والقرطاس وكتبت خاطرة، ختمتها بالعبارة التالية: (الحياة غرفة موصده بابها الموت) أتذكر إن هذا الإحساس انبثق من حس خفي بالمأساة في الحياة، ولعلي أستعيد ما حدث يوما حين كان عمري تسع سنوات، كنت وقتها أقود جدتي العمياء في شارع فرعي في مدينة الناصرية، شاهدت جمعا من الرجال مجتمعين على الرصيف الآخر من الشارع. أوقفت جدتي على الرصيف المقابل، وقصدت الجمع، حاولت أن أجد لي فسحة من بين صفوف الرجال، وإذا بي أكون وجها لوجه أمام جسد صبي في عمري يرقد على سرير من جريد النخيل مزرّق الشفتين، ناتئ عظام الصدر، مغمض العينين، تسيل على جسده دفقات الماء لتشكل لها مسارب تنحدر بليونة على صدره وأقسام وجهه وبطنه وساقيه، كان عبارة عن عمود جاف أصفر جدا. انسحبت بسرعة وقدت جدتي. وحين سألتني لم أجب، بل زممت شفتي وأغلقت فمي بقوة. ومن لحظتها لم تفارق الصورة تلك ذاكرتي وقد تجاوز عمري الآن الستين عاما بتسع سنوات.
كبرت هذه الفكرة، ورافقت معارفي، لاسيّما مشهد رقود (أنكيدو) أمام (جلجامش) وندبه ونحيبه عليه سبعة أيام بلياليها، كذلك موت الشاب القتيل إله القمح كيسوع الذي قال: خذوا الخبز فإنه جسدي والنبيذ دمي. وما ذكره الإنجيل عن موت وحياة حبة الحنطة وهي تسقط على الأرض. كذلك الإمام الشهيد الحسين الذي كان صورة عالية في التاريخ الإنساني، وما تلا ذلك من مآسي التاريخ وعسف الإنسان لأخيه الإنسان. هكذا زحفت هذه الفكرة إلى رواياتي وبأشكال متباينة معنى ومبنى. فبعد أربع روايات مطبوعة هي على التوالي «مستعمرة المياه ـ ليالي المنافي البعيدة ـ ما قيل وما.. ـ
انزياح الحجاب ما بعد الغياب» أرى أولا: أن الشكل الروائي في مجموع هذه الروايات مختلف، فلكل رواية شكلها وأسلوبها في الكتابة، وثانيا: إن ما أنجزته مثل (الداخل والخارج) وما أتواصل على إنجازه (النزيل ــ المستور والمحذور) هذه الروايات تختلف أيضا في شكلها وأسلوبها في الكتابة الروائية. ولي في هذا رأي أتواصل في تدوينه على شكل رؤى في الكتابة، يخص أعمالي الروائية وهو كتاب يجمع بين وجهات النظر والرؤى النقدية، وأعني بها المراجعة الذاتية النقدية للكتابة.
وسوف ألخص ما عملت على ما رسمته من أثر في الروايات الأربع. ففي «مستعمرة المياه» حاولت أن أحوز بنية سرد معتق ـ كما ذكر الباحث ناجح المعموري ـ لها صلة بالموروث الحكائي والروي وتعاشقهما في النص، من جهة ومن جهة أخرى استفدت من رموز المكان (أهوار الجنوب) في العراق، لكي أتوفر على أسطورتي. إذ لم أبُـق أسطورة (كوت حفيظ) ـ وهو إيشان في كبد مسطحات المياه ـ على صياغته المتداولة ضمن حقل الذاكرة الجمعية الشعبية، بل توصلت من خلاله إلى تأسيس أسطورته الجديدة والمعاصرة، التي هي أسطورتي الخاصة التي تعكس رأيي في الصراع الدائر ضمن التاريخ المعاصر. أما في «ليالي المنافي البعيدة» فقد استفدت من مدلول الرحم في صيغة ـ النفق ـ وابتدأت بالتواصل مع الأنفاق، ابتداء من نفق رحم الأم مرورا بنفق سجن الحلة، الذي حفره الشيوعيون العراقيون في فترة الستينيات لغرض الهروب من السجن واللجوء إلى الأهوار، حيث الكفاح المسلح. ثم نفق نفـّذه الأسرى في أقفاص الأسر في السجون وأقفاص الأسرى في إيران إبان حرب الثمانينيات من القرن الماضي، وصولا إلى نفق وادي حدّادة في الأردن، حيث كنت أقيم، ونفق الهجرة أي دائرة الـ(u.n) والنزوع إلى الرحم الأول، رحم الأم الذي يرمز إلى الوطن. وهي رواية فيها خليط من المشاهِد والصوّر والرموز الثقافية والسياسية كالفنانين الفوتوغرافيين جاسم الزبيدي وفؤاد شاكر، ثم (قطار الموت) في ستينيات القرن الماضي، مقابل الضياع في الصحراء. وقد استفدت من التاريخ من خلال الشيفرة، خصوصا عبور طارق بن زياد مضيق جبل طارق في اتجاه الأندلس.
أما «انزياح الحجاب ما بعد الغياب» فقد تناولت ثلاثة أمكنة مسكوت عنها في تواريخ المدن، خاصة المقدسة منها، وهي (مغتسلات أجساد الموتى وشعيرة الكتابة على الأكفان بماء الزعفران عند الشيعة ـ المدافن ـ السجون الانفرادية). ولعل خاصية مهمة تناولتها الرواية وهي أن شخوصها الثلاثة يحملون الاسم نفسه وهو (سعيد الناصري) ولهذا دلالته في الرواية.
أما في (ما قيل وما…) والواضح من النقاط الملحقة بعتبة العنوان، أن ثمة مسكوتا عنه في النص. أي أن الرواية تترك سؤالا ينتظر نصا آخر، أي أنها تنفتح على نص عبر الوثائق في سرداب القلعة. أما فحوى النص، فأنه يُركـّز على حماية المكان والدفاع عنه، ليس بالحرب، وإنما من خلال تنضيد الأسطورة الشخصية التي أنتجتها الرواية من المزج بين مجموعة رموز أسطورية متقاربة بالخصائص ومختلفة في بعض الكيفيات وهي رموز (نبات اللفّاح الكنعاني ـ نبات اليبروح ـ ونبات الأندريك) فالأول توفر عليه سِفر التكوين في العهد القديم ونشيد الإنشاد. والثاني متداول في مناطق أخرى كافريقيا وأمريكا اللاتينية، كما ذكر جيمس فريزر. أما الثالث فهو لهما معا، أي أنه الاسم العلمي لهما. الاثنان الأولان يلتقيان في ظاهرة تخصيب رحم المرأة العاقر، والأول خصّب رحم راحيل زوجة يعقوب وأم يوسف. وهما يختلفان في كيفية القطف من الأرض. والثالث مخدّر ويُحدث هلوسة لمن يأخذه فمويا. في هذا ابتكرت أسطورتي عبر ابتكار نباتي الخاص، مزيح من بعض الخواصّ، مضيفا خوّاص أخرى سميته (نبات الإزهار) ووفرته في عمق أهوار الجنوب العراقي. وغيّرت في الهدف الذي يُرمى له من خلال الحصول عليه، في البحث عمن يكسر ظاهرة العُقر الأنثوي لحماية القلعة كمكان، من شر الأشرار. وهي رواية استفادت من ظروف الحرب، لكن من خلال رؤى أسطورية، أو ما أصطلح عليه ــ الأسطرة.
أما «انزياح الحجاب ما بعد الغياب» فقد تناولت ثلاثة أمكنة مسكوت عنها في تواريخ المدن، خاصة المقدسة منها، وهي (مغتسلات أجساد الموتى وشعيرة الكتابة على الأكفان بماء الزعفران عند الشيعة ـ المدافن ـ السجون الانفرادية). ولعل خاصية مهمة تناولتها الرواية وهي أن شخوصها الثلاثة يحملون الاسم نفسه وهو (سعيد الناصري) ولهذا دلالته في الرواية. تبقى الروايتان المخطوطتان. فالأولى «الداخل والخارج» وهذا العنوان يُقصد به المحذور من الدخول والمراقـَب زمن الدخول. وهو إشارة كما يظهر في المتن إلى السلطة الحاكمة. والرواية مبنية على فعل ابتكار مدينة يسود فيه القهر والظلم والتعسف. المدينة تـُكشف حيثياتها من خلال مخطوطة عُثر عليها في باطن الأرض بعد انحسار ماء (أبو جدّاحة) وهو رمز شعبي يعتقد أهل مدينة الناصرية بأنه الفم الأسطوري الذي إذا غضب فإن جوفه تندلق منه المياه كالطوفان. الرواية مبنية أيضا على نمط توالد أكثر من رواية في الرواية الواحدة من خلال العثور على وثيقة تضمها الوثيقة الأولى. إنها محاولة لأسطرة قرية كانت قد نشأت في أطراف مدينة الناصرية تسمى قرية (فرحان) وكيف كبرت وسادت فيها الأنظمة القاهرة. إنني بهذا أنطلق من الحس والذهنية الشعبية لابتكار أسطورتي هذه.
أما رواية «العائد من غفوته» فإنها تتناول ما استجد من تغيير ما بعد الاحتلال عام 2003 وتتكون من قسمين، الأول يتناول مذكرات الطبيب في الأمراض النفسية والعقلية وهو يتابع نزيلا في المستشفى، والثاني مذكرات السجين ـ النزيل في مستشفى الرشاد، تـُعاد له الذاكرة من بعد سجنه ونزوله في المستشفى منذ عام 1961كمريض ـ سجين، حيث نطـّلع على مذكراته المؤسفة والتراجيدية عن مدينته الجنوبية، عبر قراءة الطبيب لها، إذ وصلته مدوّنة بطرد بريدي دون حضور النزيل. إنها تراجيدية الوجود الإنساني كما رأيتها.
كاتب عراقي