لندن– “القدس العربي”: تساءلت صحيفة “واشنطن بوست” عن الطريقة التي يمكن من خلالها تقديم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزمرته للعدالة الدولية. وقالت إن الدم المسفوح في أوكرانيا استدعى مطالب بالمحاسبة والعدالة، ليس فقط من الرئيس جو بايدن، الذي وصف، مصيباً، بوتين بمجرم الحرب، وقال إن القوات الروسية ارتكبت “إبادة”.
وأضافت أن قوات موسكو بالتأكيد مذنبة بارتكاب جرائم حرب، ويجب أن تحاسب. لكن السؤال الأصعب هو كيف يتم تحقيق العدالة من بوتين ووزرائه وجنرالاته والممولين له من الأوليغارش، وهم المسؤولون بشكل أساسي عن شن حرب غير قانونية ضد دولة ذات سيادة.
وقالت إن الداعمين الغربيين لأوكرانيا، والمحكمة الجنائية الدولية، جمعوا أكواماً من البيانات، ويجب استخدامها كدليل لمحاكمة القادة الروس في أوكرانيا بتهم ارتكاب جرائم حرب. إلا أنه سيكون من التفاهة حشر الجنرالات هؤلاء في قفص الاتهام وترك الجناة في الكرملين المسؤولين عن أكبر حمام دم رهيب في أوروبا منذ الحرب في يوغسلافيا قبل 30 عاماً. ومن السذاجة بمكان التفكير أن الرئيس الروسي والموظفين البارزين معه سيقفون يوماً كمتهمين أمام محكمة القانون، وفي أي وقت قريب.
وفي المقابل فسيكون الفشل بالبحث عن آلية لتحميلهم المسؤولية شخصياً ومحاسبتهم على جرائمهم في الحرب العدوانية، قلة ضمير.
وفي هذه الحالة تدعو الصحيفة إلى إنشاء محكمة خاصة بالحرب في أوكرانيا، لأن المحكمة الجنائية الدولية تفتقد الصلاحية لجلب المسؤولين الحقيقيين عن هذه الحرب أمام العدالة.
المحكمة ستكون مهمة لأنها ستلغي فرضية إفلات بوتين وحلقته الضيقة من العقاب، وكذا بيلاروسيا، التي لعبت دور منصة الانطلاق للغزو.
وترى الصحيفة أن الدبلوماسيين من الدول الرئيسية، بمن فيهم الولايات المتحدة، تقبّلوا، في الفترة الأخيرة، الفكرة، ونتيجة لمناشدة من الرئيس الأوكراني فولدومير زيلنسكي. ودعا إليها بقوة رئيس الوزراء البريطاني السابق غوردن براون، وصادقت عليها فرنسا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين.
ويتم توزيع مسودة قرار في الأمم المتحدة لدعم فكرة إنشاء محكمة جرائم حرب خاصة بأوكرانيا، ويجب على حلفائها الغربيين بذل المزيد لجعلها حقيقة.
وتضيف الصحيفة أن هناك سوابق قانونية عدة تدعم فكرة المحكمة، مثل محاكم الحرب التي حاكمت جنرالات ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية. وفي محكمة نورمبيرغ كانت التهمة الأساسية الموجهة ضد عتاة النازيين هي ارتكاب “جرائم ضد السلام”، وتعرف اليوم بجرائم ضد العدوان. وربما وسعت الاتهامات أبعد من الممارسات في حرب أوكرانيا، فهناك قوائم طويلة للجرائم الموثقة، مثل القتل والاغتصاب والتعذيب والقصف لمواقع المدنيين، والتي يمكن للمدعين العامين الضغط وربط بوتين وحاشيته بها مباشرة. وستركز على التهمة الأساسية وهي حقيقة شن الحرب في المقام الأول. وكما جاء في نتيجة محاكم نورمبيرغ: “البدء في حرب عدوانية ليس فقط هو جريمة دولية، بل هو جريمة دولية علياً وتختلف عن بقية جرائم الحرب الأخرى بأنها راكمت في داخلها إثماً كلياً”.
وواحد من الميزات لإنشاء محكمة خاصة السهولة النسبية لتوجيه تهم للقيادة الروسية لشن حرب عدوانية مقارنة مع الصعوبة والفترة الزمنية وكلفة المحاكمة في جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب، بما فيها جرائم الإبادة.
وستقدم المحكمة منبراً لتحقيق العدالة للضحايا الذين لا يملكون فرصاً لكي يروا العدل قد تحقق لهم، مثل مواطنين أجبروا ودفعوا للقتال في حرب غير عادلة، ومواطنين أجبروا على الهروب من بيوتهم وبلدهم، أبرياء قتلوا أو جرحوا كضحايا جانبيين في هجمات تعتبر جرائم حرب.
والمحكمة ستكون مهمة لأنها ستلغي فرضية إفلات بوتين وحلقته الضيقة من العقاب، وكذا بيلاروسيا، التي لعبت دور منصة الانطلاق للغزو. كما وستبذر في عقول من هم في داخل الكرملين الشك في أن العالم المتحضر قد ينسى الغضب الذي ارتكب باسمهم.
وهناك أسئلة جدية تظل قائمة حول طبيعة المحكمة وتحولها لحقيقة، مثلاً؛ هل ستكون جزءاً من الأمم المتحدة تصادق عليها الجمعية العامة وتطبق القانون الدولي، أما أنها ستكون مزيجاً بين محكمة تطبق القانون الأوكراني والأوروبي، أو أي محققين ومدعين من الخارج.
وعلى أي حال فسيكون مقر المحكمة في هولندا التي عرضت استضافتها. ويجب على الداعمين للمحكمة القرار في ما إن كانت هناك أرضية قانونية لمحاكمة بوتين وحاشيته غيابياً، وهو خيار ليس مثالياً، لكنه سيبدأ حالاً وسيمثل ضربة رمزية. وسيناقش المحامون في ما إن كان بوتين والمسؤولون الآخرون محصنين من المحاكمة بناء على القانون الدولي. ومن رؤية اليوم فمن المستبعد رؤية بوتين وزمرته أمام محكمة ذات معنى. وفي الأمثلة السابقة كانت المحاكمة بعيدة، خلال الحرب العالمية الثانية وأثناء القتال في يوغسلافيا السابقة، وقبل أن تتحول إلى حقيقة عندما تم إنشاء محاكم خاصة، لكي تقوم بالمهمة، وبدون محكمة لديها الصلاحية لمحاكمة قادة روسيا على حرب عدوانية فالعدالة بالنسبة لهم ستظل وهماً، وبمحكمة كهذه ستصبح ممكنة.