العرض المسرحي الراقص «شهرزاد/موناليزا»: محاولة التذكير بعصور النهضة

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: يحاول وليد عوني من خلال عروضه المتواترة مناقشة عدة قضايا مرتبطة بالحالة المصرية والعربية، على رأسها قضايا النهضة والتحديث، وعرض مقابلة بين ما كان وما هو كائن. كذلك نجد الإصرار على العلاقة ما بين الشرق والغرب، وأن مصر بوجه خاص قد قطعت شوطاً كبيراً تجاه الحداثة عن طريق أولادها، لكن هناك ردّة جعلت من هذه الصحوة التي تجّلت مظاهرها في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الفائت، ومن أصحابها وكأنهم مخلوقات أسطورية نسمع عنهم في الحكايات فقط. ولا يربط عوني فكرة التحديث هذه بالغرب فقط، لكنه دوماً يبحث عن أصول الحضارة المصرية التي سبقت غيرها، ولا أدل من ذلك من عروض مثل.. (أخناتون) و(محمود مختار) إضافة إلى (قاسم أمين) وكذا عروض ناقشت دور المرأة وحريتها، كما في (تحية حليم) و(دموع حديد) ـ عن المعمارية العراقية زها حديد ـ وفي الأخير عرض (شهرزاد/موناليزا) حيث جعل من موسيقى ريمسكي كورساكوف (1844 ــ 1908) الشهيرة (سيمفونية شهرزاد) 1888 أساساً حركياً وإيقاعياً للعرض الراقص، إضافة إلى بعض حكايات/لوحات من حكايات شهرزاد نفسها في ألف ليلة وليلة.

البحث عن عصور النهضة

يبحث وليد عوني عن عصر حاولت فيه المرأة أن تفرض وجودها، ويعقد مقارنة بين شهرزاد التي خلدتها المخيلة، من خلال حكاياتها في ألف ليلة وليلة، ولوحة موناليزا التي أصبحت دلالة على عصر النهضة. فرغم الصورة المعهودة للحريم والجواري، أوجدت شهرزاد نفسها من خلال حكاياتها، وكذلك هذه المرأة التي خُلدت صورتها من خلال دافنشي، أي أثر تركته المرأة على كل من الرجلين (شهريار ودافنشي) وقد أصبح كل منهما أسيراً لها، بعكس السائد والمألوف في تلك العصور البعيدة.

لكن ماذا عن العصر الحديث؟

هنا تأتي اللوحة الأولى من العرض، حيث مجموعة من الرجال، ومن زيّهم، حيث البذلات والطرابيش نحاول تلمّس طبيعة الزمن، يجلسون حول مناضد أشبه بجلسات المقاهي، وفي عمق المسرح تقف امرأة في الشرفة، أشبه بنساء حسن الإمام في أفلامه المستوحاة من أعمال نجيب محفوظ (الثلاثية الشهيرة) هنا تبدو المرأة محتجبة، وبينما يُصدم هؤلاء من وجود امرأة في زي عصري بينهم ـ فكرة تجاور الأزمنة من خلال الملابس والموسيقى التي تنادي بها ما بعد الحداثة ـ يقوم الأفندية بالإحاطة بالمرأة في شكلها الحديث، ومحاولة محاصرة جسدها في زيّها العصري، بأن تمسك بها الكثير من الأيدي، محاولة أن تحني رأسها لأسفل، لكنها تفر في النهاية.
وعن طريق التواصل ما بين الماضي والحاضر، مع ملاحظة تماثيل على جانبي المسرح لسيدات أثّرن في الحياة، كأم كلثوم على سبيل المثال، التي بدورها جعلت الكثيرين أسرى صوتها. ليصبح جسدها الساكن والصمت بدوره يحمل دلالة وتمثيلاً لشهرزاد أخرى في عصر آخر. هذا التواصل أيضاً نلحظة في العلاقة بين شهريار وشهرزاد، وبين دافنشي وموناليزا، أو بمعنى أدق الرجل والمرأة في العصر الحديث، حيث شهريار وشهرزاد في العمق وموناليزا ودافنشي في المقدمة، ثم التأكيد على أن الحالة الأولى هي الأصل، وما هما وتواتر وجودهما إلا صورة أخرى آتية من ذلك العصر/عصر ألف ليلة، كما في مشهد الأجنحة وإدخال رجل وامرأة العصر الحديث داخل تجربة الليالي وأصحابها.

التعبير الجسدي

وبما أن جسد الممثل لا بد من أن يحمل دلالة، وأن يتمثل حالة يجب إيصالها إلى المُتلقي، نجد الاختلاف في طريقة الرقصات وبالتالي الموسيقى المرتبطة بها، فهناك فارق بين رقصات شهريار وشهرزاد، والاستسلام لموسيقى كورساكوف الهادئة والحالمة، والإيقاع الصاخب للرجل والمرأة في العصر الحديث، وهنا يتضح الفارق في التعبيرات الجسدية بين العصرين.
كذلك يأتي تنفيذ بعض اللوحات من خلال فن التصوير الحركي، ومن هنا جاء تكوين المشهد في عمق المسرح، من خلال أجساد الراقصين لتنفيذ لوحات تتشابه ولوحات المنمنمات الفارسية، دلالة على منشأ الليالي كما هو شائع (بلاد فارس). من ناحية أخرى نجد زخم الفضاء المسرحي، دلالة على زخم الليالي وحكاياتها المتداخلة، كما في استحضار بعض الحكايات، كالسندباد البحري وعلاء الدين ومصباحه السحري، إضافة إلى لفتة إلى التراث اليوناني في قصة أوديسيوس (عوليس) وقوسه الشهير. هذا الزخم لتصوير المعارك وغيره جعل من أجساد الممثلين وكأنهم في حرب دائمة لا تهدأ، وبين الحين والآخر تكون المرأة هي الشاهدة على كل ما يحدث، سواء بوجودها في شكلها الحديث، أو شهرزاد في عمق المسرح، التي تتصارع بدورها للاحتفاظ بشهريار، حيث كان صراعها الأساسي هنا مع (مسرور) حامل السيف، الذي جسّد دور الشرير طوال الأحداث مع اختلافها. هذا الزخم يختلف تماماً عن عرض (محمود مختار) على سبيل المثال، حيث كان صراعه فكرياً وروحياً في الأساس، حيث المساحات والفراغات بين الراقصين والديكور، هناك مساحات للتأمل ومعالجة الأحجار، حيث كانت الكتل الصمّاء تشغل الحيز الأكبر من المسرح، إضافة إلى تجسيد الراقصين لتماثيل مختار ـ لاحظ أنه يتحدث عن فن ساكن/فن النحت ـ ومن هنا نجد التشكيل الحركي للراقصين وعلاقته بعناصر العرض المسرحي من إضاءة وموسيقى.

الأسلوب ما بعد الحداثي

ينتهج وليد عوني في معظم عروضه أسلوباً ما بعد حداثياً، من حيث تفتيت الزمن وتداخله، والموسيقى المختلفة، وكذلك الاستعانة بتقنيات السينما، من شاشة في العمق تستعرض بعض الأحداث، أو النقلات بين المشاهد أو اللوحات الراقصة. ونجد ذلك في رقصات المجموعة الصوفية ـ الأفندية في بداية العرض ـ وفكرة الجسد الشرقي وتواصله مع الكون. هنا نجد الرقص الصوفي المنتمي في الأساس إلى الأتراك، بخلاف المقطوعات الغنائية العربية القديمة وكذلك الفارسية ـ موطن ألف ليلة وليلة ـ مع الأساس الموسيقي للعرض المتمثل في موسيقى كورساكوف. كذلك يعتمد العرض التقنية السينمائية، كالفصل بين اللوحات الاستعراضية من خلال (الإظلام) وهو تقنية معهودة في الفيلم السينمائي، وتعبّر في السياق الفيلمي عن الانتقال إلى فترة زمنية أطول نسبياً من الزمن المعتاد، بخلاف الانتقال الحاد أو (القطع( في لغة السينما. يأتي الإظلام للفصل بين الحكايات أو الحالات المُنتقاة من ليالي ألف ليلة وليلة.

لماذا موناليزا؟!

رغم حالة الإبهار الأولى عند مشاهدة العرض، من تكوينات وديكور وملابس وموسيقى، إلا أنه بعد ذلك ومن خلال مُشاهدة أخرى، نجد بعض التشوّش في الأفكار والحكايات التي استحضرها وليد عوني لتعبّر عن رؤيته. فما الفائدة الدرامية لوجود موناليزا في الأساس، وهذه اللوحة التي قطعت المسرح في بطء من اليمين إلى اليسار؟ لماذا لم يقتصر العرض على حالة شهرزاد ومقارنتها بامرأة زمننا الحاضر، كحال المقارنات الدائمة التي يعقدها وليد عوني في عروضه، أو حتى دون عقد مقارنات وخلافه. السؤال الدائم في أي حكاية درامية ناجحة، هل حذف جزء سيخل بالموضوع أم لا؟ فما بالك بجزء مُقحم، لم يؤد غرضه في العرض، بل زاده اضطراباً وتشويشاً!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية