ثالث تونسي يفوز بجائزة قرطاج العالمية للشعر: وليد الفرشيشي يُبشّر بالضوء في ديوانه الجديد

حجم الخط
0

وفيّا لمناخاته وسياقاته الشعريّة و»الفلسفية»، ومتخفّفا من جائزة قرطاج العالمية للشعر التي نالها عن إحدى قصائده، ليكون ثالث الشعراء الفائزين بهذه الجائزة، بعد الشاعر الصغير أولاد أحمد والشّاعر آدم فتحي، أطلق الشّاعر وليد أحمد الفرشيشي ذخيرته المجازية الثانية بديوانه الشعري «لم أكن حيّا بما يكفي» (147 صفحة) الصّادر منذ أيّام عن منشورات كارم الشريف ـ التي أصدر معها ديوانه الأوّل «وحيدا أصعد إلى السماء» ـ أطلق ذخيرة حيّة، من دون أن يستوفيها تماما، ككلّ الدّيوجينيّين، فهو محتاج مثلهم، لكن على طريقته، إلى كلّ الوقت ليهدم العالم قبل أن يصعد وحيدا إلى السّماء، فالعالم مازال يحتاجه ليعدّل وقته.

عتبات الموت الشّاحب

بصيغة الجزم (لم) يعلن وليد أحمد الفرشيشي في عنوان مجموعته الشعرية، أنّ هناك نوعا آخر من الموت أو القتل الذي يحاصره وينغّص عليه حلم تأنيث العالم، ولا يتركه يتقفّى أثر الحروف ليمنحها معجزة المشي فوق الماء علّها تبشّر بضوء ما من ثقب الجدار الأسود، فالشّعر عنده «كلبٌ يمشي فوق الماءِ ليبشّر بالضوء». وصيغة الجزم في العنوان، لا تُموضع الشّاعر داخل الصراط المستقيم المتراصّ بالمستكينين لهذا القدر القاتل، بل أن وليد الفرشيشي يكتب عنوان ديوانه بإيقاع التّحدّي لهذا المارد القاتل، ورغم أن أغلب عناوين القصائدة المضمّنة داخل الديوان تحيل إلى معجم الموت والوحدة والعزلة والإفراد، فإنّ المتن الشعري، بصوره وإيقاعه الداخلي وبفلسفته المنتصرة للحياة، يكسر عتمة هذه العتبات، فـــ»النصُّ محنَةٌ لا يكتفي بهذا الأفقِ المحدودِ».
تتالت مفردات الموت وإحالاتها المباشرة وغير المباشرة في أغلب عناوين قصائد هذا الديوان، حيث نطالع «عابر في خيالاتهن» (العبور) و»التقينا لكي نفترق» (الفراق) و»لدي ما سيكفي لهذا الرّحيل» (الرحيل) و»على درب الغياب بكيت» (الغياب والبكاء) و»الرّجل الذي يؤجّل موته قرب شرفتها» (الموت) و»ليل الشوك والحصى» (الليل والشوك) و»لم أكن عاريا حين نزلت» (العراء والنّزول) و»أنشد لتيهك يا غريب» (التيه والغربة) و»كائن يرقص في محنته» (المحنة) و»الرّجل الذي يجوب الآن جثّته» (الجثة) و»الرّصاصة لا تخطئ أبدا من تحب» (الرّصاصة) و»في حضرة الذّكرى» (الذكرى) و»يحدث أن أذهب هكذا إلى موتي» (الذّهاب والموت).
تتكرّر مفردة الموت ثلاث مرّات فقط، في مجمل عناوين القصائد، لكنّها تحضر بكثافة من خلال المفردات المحيلة إليها، غير أن هذه الترسانة اللغوية للموت وسياقاته تأخذ في التّراجع وتتكسّر داخل القصائد ذاتها، حين يُعلي الشّاعر مباهج الحياة ويقيم حفلات راقصة فوق جثث العناوين، كأن الشّاعر يودّع سريعا «جنّة الموت» التي لم يحبّها بقدر ما أحبّ رحلة الشكّ والذّهاب إلى غصّة مشتهاة لا يطرده منها أحد، بل أن الشّاعر سيعلّم «أيّوب» فنونا جديدة من الصبر والتّجلّد أمام هذا الموت الحكومي المعمّم، يعلّمه الصّبر بمعاول الشعر والنثر: «كوردةٍ عامرةٍ بالشعرِ والنثرِ/جلسَ النّصُ في منتصَفِ محنتي/حاملاً شكي بينَ أسنانِهِ /لِيُعلِّمُ أيوبَ أبجدية الصّبرْ».
ومثل محارب أسطوري قديم يغزو وليد الفرشيشي مدينة الموت والأشباح القاتلة عندما يصرخ قائلا «اخلُوا الطّريقَ لهذا النصِّ/الكلبِ/هو أشهى من كلِّ غَوايةٍ /هوَ أقدمُ من التفاحَةِ الأولى».
بمونولوج داخلي وإيقاع موسيقي داخلي/خارجي يُدخلنا الشّاعر في القصيدة الأولى إلى مناجاة وشكوى بمثابة البيان الشعري، ليعلو الشّاعر فوق الخيانات، ولا يسمع سوى «لغَةُ هذا القلب وعيناهُ اللتان تعشقان كلّ شيء حيّ». وأمام الهدم المنظّم للعالم يستجير الشّاعر بحارسي معبد المعنى والحب، الشّعراء/الملاعين الأشقياء يُدجّجهم بأسلحة الانتصار والاحتفاء بالحياة «حتّى يكونَ للمعنى معنى»، والشّاعر إذ يتوجّه لرفاق المجاز والوجع، فهو مهموم بهموم الإنسان أينما كان إذ يكتب وليد الفرشيشي:»نحتاجُ بيتا جديدا بألف زاوية/لا يفصلنا عن أنفسنا/لا يفصلنا عن هذا العالم».

تأصيل هوية الشّاعر

مثلما يعلن دائما، وتماما مثلما يُوقّعُ نصوصه (أحمد وليد الفرشيشي/ديوجين)، يُشهر الشّاعر في هذا الديوان بطاقة هويّته الشعرية والفلسفية والفكرية، إذ يكتب: «أنا ديوجينُ الكلبيُّ/أعشقُ جهلي وأغرَقُ في حكمتي/قلبي لا يعرفُ الهدوء أبَدًا/وروحي وردة جريحَة تكفرُ بالترابِ». ويكتب واصفا ذاته أيضا: «أنا ديوجينُ الكلبيُّ/أمجّدُ الحبَّ وأهدمُ العالم/وأكرَهُ أن أدفنَ يومًا فِي أرضِ محنَتي». كما أن لوحة غلاف الدّيوان تحيل مباشرة إلى معلّم الكلبيين الفيلسوف ديوجين الكلبي، في وضعية التّأمّل في الشّمس. ولئن كانت شمس ديوجين متحرّرة من ظل الإسكندر الأكبر، فإن شمس وليد الفرشيشي ارتسمت في غلاف الديوان مسيّجة بخطوط مغلقة، سيكون للطفل المتأمّل فيها مسار طويل حتى يفك وثاقها، وهو الذي بدأها فعلا بتخفّفه من جائزة عالمية، ففي الغلاف يجلس الطفل على ميداليّة الجائزة غير آبه بها… فالشمس تأخذ كل مداه.
كما أنّ بطاقة هويّة الشّاعر أيضا لا تثبّت ما أصبح كائنا، بل هي تّشي كذلك بما يجب أن يكون، يكتب الشّاعر:» يجب أن نحبَّ الشّعْرَ أكثرَ/ونصبرَ على هذا الحصاد». ولئن يلوذ الشّاعر في قصيدة لاحقة «التقينا لكي نفترق» بتقنية الحوار الثّنائي، كتابة وصوتا، الموجّه إلى الآخر، الذي يبدو في الظاهر آخر مؤنّثا، فإنه لا يفعل سوى مواصلة كتابة تفاصيل هويّته الشعرية، حيث يكتب:»قُلْتِ: قُلْ أيَّ شَيْءٍ لِأعْرِفَ/أنَّكَ حَيٌّ مُقيمٌ بِقَلْبِي/وَأنَّكَ حَيْثُ أكونُ تَكُونُ إذَا انْتَصَرَ المَوْتُ»، ورغم أن الشاعر أهدى القصيدة «إلى كلّ الحبيبات اللواتي خيّبتُ ظنّهن في حياتي الماضية»، فإن المقطع الشعري لا يحيل إلا إلى ذات الشّاعر دون سواها، وهي تتأكّد في القصيدة نفسها عندما يكتب «قُلْتِ: مَاذَا دَهَاكَ لِتَنْسَى طَريقَتَنَا فِي العُواءِ المَسَائيِّ/حِينَ يُوَحِدَّنَا الشِّعْرُ والمَاءُ؟» فهذا المقطع لا يحيل إلى حديث ثنائي بين شاعر وحبيبته بقدر ما يحيل إلى حوار باطني يكشف لنا طقسا من طقوس الكتابة لدى الشّاعر، وهو طقس سنقترب من تفاصيله عندما نقرأ هذا المقطع: «قُلْتُ: لاَ شأنَ لِي بِوَقَائِعَ لاَ تُرْبِكُ الظِّلَّ/حينَ أنَامُ أخِيرًا عَلَى فَخِذَيْ دُودَةٍ تَمْنَحُ الوَعْيَ/فُرْصَتَهُ للتَّحَلُّلِ فِي اللاَّمَكَانِ./دَعِينِي وَشَأنِي إذًن».

السّرد في خدمة الشعر

يستجير الشّاعر أيضا في عدد من نصوص هذا الدّيوان بأدوات القصّ والسّرد ويوظّف أدوات الحكي وصيغه، لكنه لا يتركها تهيمن على المجاز ولا يقدّمه جافا مثل التقارير الإخبارية الباردة، بل هو يصنع نصّا شعريّا بتشكيلة متنوّعة من أدوات الكتابة، حيث ترتسم الخطوط والألوان لتعضد الصّيغ الفعلية والتراكيب النثرية القائمة على الوصف ويبحث في الأساطير القديمة، كأسطورة أوليس أو أرتيميس، ويجعلها في خدمة الصورة الشعرية دون سواها، ولعل قصيدة «أحبها تلك الأفعى» خير دليل على تمازج السرد بالشعر بشكل وظيفي، من دون السقوط في فخ الإجرائية البسيطة، فالقصيدة تحمل في أحشائها قصة لقاء افتراضي «كَأنْ يَلْتَقِي شَاعِرٌ مَا مُصَادَفَةً بالحَنِينِ/إلَى امْرَأةٍ أكَلَتْ عُمْرَهُ الحَجَرِيَّ»، غير أن الشّاعر، وهو يستعين في قصيدته، بشخصيات وأحداث قصصية وأفعال، فإنه ينتهي إلى شعره وإلى نشيد الشّعر بداخله، لأنّه يبحث عن:»أفْعَى تَلِيقُ بِهَذَا النَّشِيدِ».
والديوان في مجمله يتحرّك في فلك المحاورات التي يتوّجها الشّاعر دائما بالمواقف النّهائية ويعلن ضمنها الانتصار لذاته ولشعره وللطريق التي يسلكها بشعابها، وهو لا يتردّد في منح كل ما يملك للآخر، حبيبة مشتهاة أو خائنة عابرة «خُذِي مَا تُرِيدِينَ،/قَلْبِي،/غَدِي،/عَبَثي،/وَجَعِي،/حِصَّتِي فِي التُّرابِ،/نَبِيذِي المُسَافِرِ بِي بَيْنَ كَأسِي ورَأسِي/خُلاَصَة مَعْرِفَتِي بالعَذَابِ،/سَمَائِي التِّي خَذَلَتْنِي كَثِيرًا/خُذْي مَا تُريدينَ مِنِّي/وَأكْثَرَ».
يمنح الشّاعر بسخاء ما يملك للآخر/الخارجي والعابر دون تردّد لأن معادلته الدّاخلية لا تنضب، معادلة متخفّفة من حسابات الرّبح والخسارة «فَعَمَّا قَليلٍ أعُودُ كَمَا عَمَّدَتْنِي السَّمَاءُ/فَتًى لاَ يَمُوتُ عَلى بَابِ أنْثَى/ولوْ مَزَّقُوهُ إلَى ألْفِ بَيْتٍ حَزِينٍ»، والشّاعر لا يفرّط في كل ما يملك لأنه سخيّ ومعطاء، وإنما لنزوعه الدّائم وهاجسه في التّجدّد والتجديد في كتابة الشعر، وهو لذلك يكتب في قصيدة لا تفتّش عن خيالك في البعيد «يَا صَاحِبي، /للحُبِّ وَقْعٌ لاَ نَخافُ حُضورَهُ /فِي الشِّعْرِ والنَّثْرِ اللَّذَيْنِ يُرافِقانِ نُواحَنَا/لَكنَّنا نَخْشَى الوُقوعَ عَلَى مَلاَمِحَنَا القَديمَةِ»، إنّه في حرب مستمرّة مع خياله الشّعري، «أنَا فوقَ الخَيَالِ المُرِّ»، بل هو في رحلة مضنية ومشتهاة «بَحْثًا عنْ خَيَالٍ لاَ تُبَاغِتُهُ الهَشَاشَةُ».

جوهر الأشياء

إنّ الموت الذي يباغتنا في العادة لا يفاجئ الشّاعر، بل هو ينتظره مثل صوفيّ يمرّ إلى درجة جديدة من درجات التّصوّف ليقترب أكثر من معشوقه/الله. والموت عنده عبور لخلاص جديد وأفق آخر على مدار شعري جديد. يكتب وليد الفرشيشي «نَحنُ مَنْ يَخْتَارُ ذَلكَ،/فَاتِحينَ بِمَوْتِنَا بَابَ الخَلاَصِ/لِمَنْ أحَبَّ شَريعَةَ الشُّعَراءِ فِي حُبِّ الحَيَاةِ»، وربّما لذلك نجد معجم الطبيعة (البحر والنوارس والصّحارى والمطر والسنونوّات والبجعات والمياه والغيم…) حاضر بقوّة في هذا الدّيوان، وكأن الشّاعر بهذا المعجم، يستجير من المفردات الميكانيكية التي غزت شعر معاصريه بآلاتها وأزرارها الباردة. فالشّاعر «يُبْطِنُ رَغْبَةً فِي وَضْعِ نَفْسِهِ/خَارِجَ الإيقَاعِ حَتَّى لاَ يُعَانِقَهُ المَكَانُ».
كما يتكثّف ويحضر مفهوم الرّحلة/السّفر على كامل قصائد هذا الدّيوان، «أنَا والرَّحيلُ صَديقَانِ/لاَ يَمْشِيانِ إلَى غُصَّةٍ فِي انْكِسارٍ». وفي قصيدة أخرى يكتب: «لاَ أريدُ لِهذَا الرَّحيلِ صُعودًا مُذِلاًّ/إلَى وِحْشَتِي فِي السَّمَاءِ»، بل أن الشّاعر سيُقرّ بتعبه في البحث عن جوهر الأشياء عندما يقول: «أتْعَبَنِي الكَلامُ وَجَوْهَرُ الأشْياءِ/أتْعَبَنِي الرَّحيلُ وَسِرُّهُ الدَّامِي»، وهذا موقف أعلنه الشّاعر في ديوانه الأول «وحيدا أصعد إلى السّماء»، موقفه من شعراء «المونتاج» اللغوي الذين يضعون الكلمات والمفردات كيفما اتّفق ويدفعونها إلى المطابع في «دواوين» خاوية من روح الشّعر، وفي الوقت نفسه يؤكّد الشّاعر انتماءه إلى «سلالة» الكلبيّين السّاعين خلف أسلوب حياة لا تكلّف ولا بهرج فيه، حياة تستلّ حياتها من الطبيعة، فلسفة يعليها الشّاعر في هذا الديوان إلى أعلى المراتب. فلسفة حياة لا تأبه بتيّارات الشّعر كالسريالية مثلا: «لاَ تَكُنْ غِرًّا مِثَالِيًّا/فَسُرْيَالِيَّةُ الحُبِّ المُرَصَّعِ بالنُّواحِ/سَتقْتُلُ الكَلْبِيَّ فِيكَ»، ولا تعير اهتماما لتيّار الواقعية:»مَا حَاجَتِي الآنَ للواقعيَّة/ والقَلْبُ يَبحَثُ فِيكِ عَنِ الشَّمْسِ».

شاعر على باب الله

ولا يعود الشّاعر في هذا الدّيوان إلى المعجم الديني، الحاضر بقوة هو الآخر، عودة الموظف لصور الأنبياء وقصصهم، أو عودة النّابش في المعجزات اللغوية للنص المقدّس، بل هو يتسلّل داخل هذا السّياق متخفّفا من الهالة الدوغمائية، ليدقّ نقاط الاستفهام والحيرة على باب الله. كما انّه يدفع مجازاته الشعرية وحججه الفلسفية ومواقفه السياسيّة في وجه النّص المؤبّد عندما يكتب: «لمَ يَجِئْ فِي الشّريعَةِ أنَّ الحَيَاةَ/تُضِيءُ الحُفاةَ المَلاَعينَ فِي قَيْدِهمْ»، بل أن الشّاعر يستبق السّيوف التي ستُشهر في وجهه من حماة المقدّس عندما يدخل في حوار استباقي يكتب فيه بصيغة المبني للمجهول: «قِيلَ لِي/هَذِهِ لُغَةٌ صَعْبَةٌ/أيُّهَا البَدَوِيُّ الأخِيرُ/كَأنَّكَ تُخْفِي بِحَشْو الكَلامِ رَحِيلاً إلَى أوَّلِ الكَوْنِ؟/قُلْتُ: /تَمَامًا،/كَما يَأخُذُ اللهُ منْ وَهْمِنَا الوَرَقَ المُتَهَالِكِ بَيْنَ مُصَادَفَتَيْنِ/وَيَنْفُخُ فِيهِ كِتَابًا مُبِينًا». لكنّ الشّاعر يقطع الطّريق على المتربّصين برؤاه ليتماهى مع ذاته ومع ربّه وهو يعلن:»وَقُلْتَ أنَا الآنَ حَيٌّ كرَبِّي/نَقيضَانِ نَحْيَا سَوِيًّا/وَنَمْلِكُ مَا لَيْسَ مَيْتًا»، كأنّه ينبّه حرّاس الموت إلى أن الحياة قريبة منهم وبين أيديهم، بل هو كذلك عندما يقول:»هُوَ العَقْلُ يَحْتَاجُنِي/لأُعِيدَ المَعَانِي إلَى أصْلِهَا»، فهذا المقطع يقلب المعادلة تماماـ ذلك أنّ من يمتلك لغة القلب والعاطفة (الشعراء) يعود إلى العقل والعقلانية.
ويتوغّل الشّاعر بعيدا في مدارات السؤال والحيرة حتى يبلغ إنسيّته التي منها البداية والنّهاية عندما يكتب: «في البدءِ كُنْتُ مَخاضَ المَخاضِ /في البدْءِ كُنتُ يَدَ الربِّ تِلْكَ الخَفِيَّةَ /في البدْءِ كُنتُ كِتابًا/وفِي البَدْءِ كُنتُ صَلاَةً». كما لا يتردّد في الإفصاح عن تعامله الانتقائي مع النّص المقدّس، فهو لا ينتقي أو لا يحبّذ:»غيْرَ الضَّرُورِيِّ فِي الغَيْبِ…».

لعنة الشّاعر

بهذا الديوان الثّاني «لم أكن حيّا بما يكفي» يستوطن الشّاعر وليد أحمد الفرشيشي المناخ الرّافض والمتمرّد على السّكون والجمود، مقتربا أكثر من شمس «ديوجين» ومبتعدا كثيرا عن عبودية «الإسكندر الأكبر»… بعيدا عن عسكر الشّعر وعسكر الدّين وعسكر الحياة، ويستبق وليد الفرشيشي في هذا الديوان مخالب التأويل ليعلن أنّه مثل ديوجين، لا يهاب سلطة الإسكندر. ومثلما رتق معلّم الكلبيّين حياته من خيوط الشمس، يختار وليد الفرشيشي في هذا الديوان الخيار نفسه وهو يكتب وصيّته عندما يقول:»فاكْتُبْ وَصيَّتِكَ الآنَ حَتَّى يُمَجَّدَ حِمْلُكَ/فالمَوتُ ثَوْبٌ يُرَتِّقُهُ شَاعِرٌ/يَتَمزَّقُ غَيْبُ الأُلُوهَةِ بَيْنَ يَدَيْهْ»…
وصيّة يستلّها الشّاعر من خطوط مربّعات الشطرنج بسوادها وبياضها التي يتموضع فيها، متشظّيا بين الموت والحياة، فهو يكتب في القصيدة نفسها التي اصطفى عنوانها لكامل الدّيوان لم أكن حيّا بما يكفي: «لَسْتُ حَيَّا،/لَسْتُ مَيْتًا،/لاَ حُلُولَ وَلاَ فِراقْ» وفيها أيضا يؤصّل خياره الشّعري بجرأته على خرق القواعد والدخول مفردا في لعنته لأنّه «لَمْ أنتَظِرْ أحَدًا/لِأنِّي لَمْ أكنْ حَيَّا بمَا يَكْفِي لِأقنِعَنِي بَجَدْوى الامْتِثالِ»… إنّه ككل الشعراء مسكون بذاته.

كاتب من تونس

ناجي الخشناوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية