وتيرة الحوادث والمعارك ترتفع والحافز لدى الشباب الفلسطيني على محاربة الجانب الإسرائيلي يرتفع أيضاً، ولا يبدو أن شيئاً في الأفق السياسي أو الأمني يمكنه أن يغيّر هذا التوجه.
الناصرة ـ «القدس العربي»: من المتوقع أن يقوم وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بزيارة المنطقة غدا الإثنين وسبقه رئيس وكالة المخابرات «سي أي إيه» وليام برنز الذي وصل البلاد والتقى مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين تزامنا مع المذبحة الإسرائيلية في مخيم جنين صباح الخميس. وتتواصل زيارات المسؤولين الأمريكيين للبلاد للتداول في التعاون بين الولايات المتحدة وبين دولة الاحتلال في عدة قضايا على رأسها التحضير لزيارة نتنياهو الشهر المقبل للبيت الأبيض، الموضوع الإيراني والمرتبط بدور وفعاليات طهران في المنطقة وفي الحرب على الأراضي الأوكرانية علاوة على العلاقات مع الأردن الذي يتعرض لأزمة اقتصادية وسياسية داخلية، كانت واحدة من دوافع زيارة نتنياهو الخاطفة لعمان ولقاء العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني قبل أيام ولا تحظى القضية الفلسطينية باهتمام أمريكي جوهري رغم تزامن هذه الزيارات مع التصعيد الحاصل على الأرض. وسبق زيارة بيرنز زيارة لمستشار الأمن القومي الأمريكي، جيك سوليفان، لإسرائيل والسلطة الفلسطينية، الأسبوع الماضي حيث التقى نتنياهو ووزير الأمن، يوآف غالانت، ووزير الخارجية، إيلي كوهين، وكذلك مع الرئيس الإسرائيلي، يتسحاق هرتسوغ. وقبيل ارتكاب المذبحة في جنين احتج الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، أمام بيرنز على الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.
بعد ساعات من المذبحة الإسرائيلية في مخيم جنين قال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إن وجهة إسرائيل ليست للتصعيد، ولكن قوات الجيش جاهزة لأي سيناريو وبالتزامن شككت مصادر عبرية بالرواية الرسمية الزاعمة بأن العملية استهدفت تفكيك قنبلة موقوتة وقالت إنه لم تكن هناك حاجة ملحة لمثل هذه العملية. وتبعه وزير الأمن في حكومة الاحتلال يوآف غالانت الذي زعم أن إسرائيل تواصل التحرك في كل مكان وزمان ضد مَن يسعى للمساس بمواطنيها، وفي تهديده شدّد على أن قوات الأمن على أهبة الاستعداد لأي تطور في مختلف الجبهات. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر حكومية إسرائيلية غير راضية عن قيام جيش الاحتلال بقيادة غالانت باستهداف مواقع خالية في غزة داعية لاغتيال قيادات الفصائل الفلسطينية في غزة بغية ردعهم ومنعهم من العودة لإطلاق الصواريخ، ويبدو أن هذه التسريبات متعمدّة وتهدف لترهيب قيادة المقاومة من الرد على جرائم الاحتلال. وطبقا لمحللين كثر يبدو أن الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني غير معنيين كل لحساباته بتصعيد التوتر. فغزة ما زالت تلتقط أنفاسها بعد عدة حروب عليها وإسرائيل عالقة بخلافات داخلية وحكومتها انطلقت قبل أقل من شهر وترغب بالتركيز على الموضوع الإيراني.
تشكيك بالرواية الرسمية
وعقب الإعلان الفلسطيني عن وقف التنسيق الأمني بخلاف المزاعم الرائجة في إسرائيل وإعلامها نقلت صحيفة «هآرتس» عن مسؤول عسكري إسرائيلي مرموق قوله إن إسرائيل كانت قد أبلغت السلطة الفلسطينية عن عزمها اقتحام مخيم جنين، لتنفيذ اعتقالات. وكشف المسؤول المذكور أنه خلافا لما أعلن عن أن العملية كانت لإبطال «قنبلة موقوتة» أي مجموعة فلسطينية تعد للقيام الفوري بعملية، فإن العملية في قلب مخيم جنين لم تكن لهذا السبب. مدعيا أن هدف العملية كان الانتقام والقضاء على مجموعة فدائية نفذت في الماضي عمليات إطلاق نار ضد جنود الاحتلال نافيا وجود أية معلومات عن نيتها تنفيذ أي عملية فورية ضد أهداف إسرائيلية. في تحليله المطول شكك المحلل العسكري في «هآرتس» عاموس هرئيل بإعلان المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن الحديث يدور عن مجموعة مقاومين داخل مخيّم جنين تشكل «قنبلة موقوتة».
بسالة الشباب الفلسطينيين
من جهته أشاد محلل الشؤون العربية والفلسطينية في موقع «والا» آفي يسسخاروف وقال في مقاله إنه كان من المفترض أن تكون عملية محدودة جداًـ وبالفعل بدأت كذلك، منوها أن قوة من المستعربين تخفّت في شاحنة لمنتوجات الألبان، حسب تقارير فلسطينية، ووصلت إلى وسط مخيم اللاجئين في جنين، حيث كانت تختبئ خلية فدائية وتخطط لهجوم في وقت قريب. وتابع «اصطدمت قوة المستعربين بمسلحين، وتطوّر الحادث إلى عملية واسعة جداً في وضح النهار في وسط المخيم بخلاف ما كان مخططّا. في المرحلة الأولى من العملية، أصيب مسلحان وسلّم ثالث نفسه. المسلحون في المخيم يعرفون أنه في حوادث من هذا النوع يمكنهم، ببساطة، الانسحاب قليلاً والمكوث في منازلهم والسماح للقوة الإسرائيلية بالخروج. لكن العشرات منهم فضلوا مواجهة القوة الإسرائيلية، مع استعدادهم للموت، أو للإصابة بجروح. وخلال وقت قصير من العملية، أُعلن مقتل 9 فلسطينيين وامرأة لا علاقة لها بما يحدث».
ويرى سخاروف أنه على الصعيد العسكري، هذه العملية كانت ناجحة، وأدت إلى إحباط هجوم لكن العملية في جنين أثبتت ما لاحظه الجانب الإسرائيلي منذ وقت طويل، وهو أن المئات أو الآلاف من الشبان الفلسطينيين لا يخافون من الموت، أو الإصابة بجروح، خلال مواجهاتهم مع إسرائيل. وللتدليل على ذلك تابع المحلل الإسرائيلي: «كُتبت على عدد كبير من نُصب القتلى من المسلحين، وعلى جدران مخيمات اللاجئين، عبارة (احذروا الموت الطبيعي. لا تموتوا إلاّ تحت زخات الرصاص)». مذكرا بأن المقولة هذه بالأصل هي عبارة مأخوذة من الكاتب الشهيد غسان كنفاني، من الجبهة الشعبية. ويرجح المحلل الإسرائيلي أن العديد من الشبان في الضفة الغربية يجعلون هذه العبارة شعاراً لهم في الحياة، أو بالأحرى في الموت.
وقال سخاروف على غرار محللين إسرائيليين آخرين أن وتيرة الحوادث والمعارك ترتفع بصورة لم نعرفها في الأعوام الأخيرة وإن الحافز لدى الشباب الفلسطيني على محاربة الجانب الإسرائيلي يرتفع أيضاً، ولا يبدو أن شيئاً في الأفق السياسي أو الأمني يمكنه أن يغيّر هذا التوجه. كما قال إنه يمكن التقدير أن الهجوم الذي أُحبط صباح الخميس جرى تمويله من جهات خارجية، لكن الحافز المحلي موجود من دون مساعدة خارجية. لافتا إلى أن كل العناصر التي يمكن أن تدل على استمرار التصعيد موجودة وتزداد: الدين – أي الحرم القدسي قبيل شهر رمضان الذي سيبدأ بعد شهر ونصف الشهر، الوضع على الأرض – المواجهات المتواصلة والمتزايدة بين فلسطينيين ومستوطنين في شتى أنحاء الضفة الغربية، الدم- أي العدد الكبير من الإصابات. كل هذه العناصر تشكل برميلاً من البارود الذي نجلس فوقه في هذه الأيام، من دون أفق للتهدئة. وبالطبع، فإن تركيبة الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل لا تساعد على تهدئة الأجواء وإيجاد شريك حقيقي في الجانب الفلسطيني.
كتيبة جنين
وعلى غرار جهات إسرائيلية مختلفة شككت بقرار السلطة الفلسطينية بوقف التنسيق الأمني قال سخاروف إنه يمكن عدم الأخذ بجدية بهذه الخطوة، لكن من الواضح أنه سيكون لها أثمان. وتابع محذرا: «مع ذلك، يجب القول إن السلطة الفلسطينية غير موجودة في جنين، وبالتأكيد ليس في مخيم اللاجئين. ولقد توقفت عن محاولة فرض حكمها على المكان. وليس المقصود فقط مسائل أمنية لها علاقة بإسرائيل، بل المقصود أمور بسيطة، مثل حركة المرور، أو أي مظهر من مظاهر القانون والنظام. وهكذا سمحت السلطة بتحويل مخيم اللاجئين في المدينة إلى مركز للفوضى المحلية. فالشبان المحليون الذين لا ينتمون، في أغلبيتهم، إلى تنظيم معين رغم الصعود الكبير في قوة الجهاد الإسلامي في المدينة، فإن معظمهم يتحرك وفق الهوية المحلية، أي ابن المخيم وهم يتوحدون تحت تنظيم يسمي نفسه كتيبة جنين، وليس لديهم بالفعل مصدر سلطة واضح». متساوقا مع جهات إسرائيلية تخشى انفجارات قادمة خلص سخاروف للقول إنه في جميع الأحوال، يمكن التقدير أن حادثة من نوع التي وقعت في جنين لن تكون الأخيرة، ومن الصعب الرهان على استمرار الهدوء في غزة.