مصر في ذكرى يناير: انهيار الجنيه مستمر وتوقعات بتفاقم الأزمة الاقتصادية

بلال عطية
حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: سجَّل الاقتصاد المصري تدهوراً حاداً خلال السنوات الأخيرة، لكن الوضع الأسوأ تم تسجيله في أواخر العام 2022 عندما سجل الجنيه المصري انهياراً أمام العملات الأجنبية وتجاوز سعر صرف الدولار الأمريكي مستوى الـ32 جنيهاً، فيما يلقي الكثير من المحللين والخبراء باللوم على تدخل الجيش في الاقتصاد واستحواذه على جزء كبير من النشاط الاقتصادي والتجاري في البلاد.
ويتزامن التدهور الاقتصادي في مصر مع ذكرى مرور 12 عاماً على ثورة يناير التي اندفع المصريون للمشاركة فيها من أجل تحسين أوضاعهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وطالبوا فيها بإصلاحات شاملة بالبلاد، وهي الثورة التي أدت للإطاحة بالرئيس الراحل محمد حسني مبارك من منصبه.
ويحاول النظام في مصر والموالون له التسويق بأن الأزمة الاقتصادية الحالية مردها الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار الفائدة على العملات الرئيسية بما فيها الدولار الأمريكي الذي قفز أمام أغلب عملات العالم بفضل السياسة النقدية الأمريكية وارتفاع سعر الفائدة عليه، فيما يُلقي المعارضون باللائمة على النظام وعلى هيمنة العسكر على كل الأنشطة الاقتصادية، ويستدلون على ذلك بأن التدهور الاقتصادي كان قد بدأ في أعقاب الانقلاب العسكري الذي نفذه الرئيس عبد الفتاح السيسي بدعم من الجيش في صيف العام 2013 وهو الانقلاب الذي أدى إلى الإطاحة بحكم الرئيس المنتخب محمد مرسي، والذي كان أول رئيس مدني للبلاد منذ عقود، وظل في الحكم عاماً واحداً فقط قبل أن يعود الجيش إلى السيطرة على رئاسة البلاد.
وتوقع الخبير الاقتصادي العالمي ستيف هانكي أن يواصل الاقتصاد المصري الانهيار خلال الفترة المقبلة، راسماً صورة بالغة البؤس لمسار الأوضاع الاقتصادية في مصر خلال الفترة المقبلة.
وقال هانكي في مقابلة موسعة أجرتها معه قناة «مكملين» المصرية الفضائية، وتابعتها «القدس العربي» إن مصر يتوقع أن تصل إلى حافة الإفلاس قريباً كما حدث في لبنان، كما توقع أن تواجه مصر مصير سريلانكا.
ورأى الخبير العالمي أن «العاصمة الإدارية ما هي إلا مشروع دعائي عديم القيمة، كما أن صندوق النقد الدولي لا يملك القوة لإجبار السيسي على إخراج الجيش من الاقتصاد».
وهانكي هو أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة جونز هوبكنز الأمريكية، وعضو مجلس المستشارين الاقتصاديين في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق ريغان، وهو أحد أهم خبراء العالم في موضوع التضخم المفرط، ومشارك في هيئة تحرير الصيرفة المركزية في لندن وله مؤشر خاص باسمه حول تقييم نسب التضخم في العالم. وعمل أيضا مستشارا لخمسة رؤساء دول أخرى، وهو مؤسس فريق عمل لمعالجة أزمة لبنان في معهد «جونز هوبكنز» ومدير مشروع العملات المضطربة في معهد كاتو في واشنطن.
واتهم هانكي الرئيس المصري بالكذب وقلل من ادعاءات السيسي بأن «الحرب الروسية في أوكرانيا هي المسؤولة عن التردي الاقتصادي في مصر».

ارتفاع الأسعار

وشهدت مصر خلال السنوات والشهور الأخيرة ارتفاعاً حاداً في أسعار السلع والمواد الأساسية، حيث قال تقرير نشرته شبكة «دويتشه فيله» الألمانية، إن «أسعار المواد الغذائية تضاعفت، وانحطت الرواتب إلى نصف قيمتها، وبدأت البنوك تفرض قيوداً على المسحوبات، وبات المصريون يواجهون نفس مشاكل اللبنانيين، إلا أن العواقب ستكون في مصر أكثر دماراً مما في لبنان».
وفقدت العملة المصرية حوالي ثلث قيمتها منذ أواخر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أي خلال ثلاثة شهور فقط، ووصل التضخم الآن إلى ما يزيد على العشرين في المئة. ويرجح بعض الاقتصاديين أنه ربما كان أسوأ من ذلك، ويضعون المعدل غير الرسمي – والذي يشمل اقتصاد مصر غير الرسمي الضخم – عند 101 في المئة.
وأضافت الشبكة الألمانية في تقريرها: «هذا السقوط المالي الحر الذي يشعر به عامة الناس في مصر اليوم يبدو شديد الشبه بالأزمة الاقتصادية الكارثية التي يعاني منها المواطنون في لبنان المجاور منذ عام 2019».
ويقول التقرير إن «مشاكل مصر الاقتصادية الحالية نتجت عن عدد من القضايا الداخلية، بما في ذلك القلاقل السياسية، والفساد، وسوء إدارة الحكومة، والتي اجتمعت مؤخراً مع أزمات خارجية مثل جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا ومخاطر الركود العالمي المحتمل».
إلى ذلك، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، تقريرا عن تدهور الأوضاع الاقتصادية في مصر، وفقدان شريحة كبيرة من المواطنين القدرة على شراء أساسيات غذائية، وغيرها.
وقالت الصحيفة في تقريرها إن ارتفاع معدل التضخم في مصر أدى إلى أن يغدو شراء البيض من الرفاهية، فيما أصبح شراء اللحوم شيئا بعيد المنال.
ولفت التقرير إلى أن «شريحة الفقراء في مصر باتت تتسع بشكل كبير منذ العام 2020 وسط تقلص الطبقة المتوسطة». ونقلت الصحيفة عن موظفين قولهم إنهم «يحاولون البقاء على قيد الحياة» وتوفير مستلزمات الطعام، بدون أي نفقات إضافية أخرى مع أنهم يعملون في عدة وظائف في نفس الوقت.
وكانت مصر قد تعهدت مؤخراً في اتفاقها مع صندوق النقد الدولي بتقليص دور الجيش الكبير في الاقتصاد، حيث كشفت جريدة «فايننشال تايمز» البريطانية أن مصر التزمت بتقليص دور الجيش في الاقتصاد كجزء من حزمة الإنقاذ التي قدمها صندوق النقد بقيمة ثلاثة مليارات دولار، في الوقت الذي تكافح فيه الدولة لمواجهة أزمة نقص العملة الأجنبية، وضعف الجنيه، وارتفاع معدلات التضخم.
وقال الصندوق في بيان رسمي إن الإصلاحات الهيكلية «الحاسمة» التي وافقت عليها القاهرة تشمل «تسوية الموقف بين القطاعين العام والخاص» كجزء من سياسة ملكية الدولة التي أقرها الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وأوضح أن السياسة ستغطي جميع الشركات المملوكة للدولة بما في ذلك «الشركات المملوكة للجيش» في اعتراف نادر من صندوق النقد الدولي بكيفية توسيع الجيش نفوذه في الاقتصاد المصري منذ عام 2013.
وبموجب هذه السياسة، ستحدد الحكومة القطاعات «الاستراتيجية» التي ستظل متواجدة فيها، بينما تنسحب الدولة تدريجيا من «القطاعات غير الاستراتيجية» وتوسع مشاركة القطاع الخاص فيها.
كما سيُطلب من الكيانات المملوكة للدولة تقديم حسابات مالية إلى وزارة المالية مرتين في السنة وتقديم معلومات عن أي أنشطة «شبه مالية» في محاولة لتحسين الشفافية. وقال الصندوق إن الوزارة ستضمن الوصول المفتوح إلى البيانات الخاصة بأنشطتها الاقتصادية.
وقالت «فايننشال تايمز» إن اقتصاديين ورجال أعمال مصريين اشتكوا من أن دور الجيش في الاقتصاد يزاحم القطاع الخاص ويخيف المستثمرين الأجانب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية