رحيل شوقي بغدادي: شاعر حالم لم تسعفه وحشة الكلمات

حجم الخط
3

خاص – «القدس العربي: رحل مساء الأحد 29 يناير/ كانون الثاني الشاعر والكاتب السوري شوقي بغدادي عن عمر يناهز 94 عاما، بعد صراع مع المرض. وجاء في نعي اتحاد الكتاب العرب في سوريا: “بعد حياة حافلة بالأدب والإبداع والتفرد بجماليات النص الشعري، فجع الوسط الثقافي والأدبي برحيل الشاعر والأديب المبدع شوقي بغدادي، أحد أهم الرموز والأسماء الشعرية في سوريا والوطن العربي في العصر الحديث. ولعل من أهم ما يميز تجربة الأديب الشاعر شوقي بغدادي انحيازه لقضايا الفقراء والمظلومين من أبناء أمته، تماما كما كان منحازا إلى قضاياها المصيرية ومنها، قضية فلسطين التي كانت بمنزلة الجرح الذي ينز في معظم حروفه وكتاباته.

مسار حافل

ولد الراحل في مدينة بانياس الساحلية عام 1928، تخرج في كلية الآداب قسم اللغة العربية وعمل مدرساً طوال حياته. شارك في تأسيس رابطة الكتاب السوريين عام 1951، التي تحوّلت إلى رابطة للكتاب العرب عام 1954، وانتخب أميناً عاما لها من سنة 1954 حتى مطلع 1959. كما شارك في تأسيس اتحاد الكتاب العرب في دمشق وكان عضواً في مجلسه في معظم دوراته، إلى أن اختير بعد انتخابات عام 1995، عضواً في المكتب التنفيذي وأسند إليه منصب رئاسة تحرير «مجلة الموقف الأدبي» الشهرية.
له مجاميع شعرية وقصصية وكتب نقدية عديدة، كما اهتمّ بأدب الأطفال. وقد بدأ حياته الأدبية قاصاً مع صدور مجموعته القصصيّة الأولى “حيّنا يبصقُ دماً” 1954، ثمّ ما لبث أنْ تلمّس طريقه شاعراً، مع صدور مجموعته الشعرية الأولى “أكثر من قلب واحد” 1955، لتتوالى، بعد ذلك، إصداراته الشعرية التي كرّستْهُ واحداً من كبار الشعراء العرب المعاصرين في سوريا، مثل: “لكل حب قصة” 1962 و”أشعار لا تحب” 1968 و”بين الوسادة والعنق” 1974 و”ليلى بلا عشاق” 1979 و”رؤيا يوحنا الدمشقي” 1991 و”شيء يخص الروح” 1996 و”البحث عن دمشق”2003. صدرت أعماله الشعرية الكاملة عام 2006، لكن صدرت له بعد هذا التاريخ مجاميع تالية كان آخرها قبل عام: “قبل فوات الأوان”. وقد تُوّجَ عام 2021 بجائزة أحمد شوقي للإبداع الشعري في دورتها الثانية المقدمة من النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، وجاء في حيثيات تتويجه بهذه الجائزة: “شاعرٌ له صوته الفريد والخاصّ… يبحث نصّهُ عن قيم الحرية والعدالة”.

ذكريات وشهادات

ـ يبقى لي من صديقي الشاعر شوقي بغدادي، الذي رحل البارحة: دماثته، وصدق مودته، ولغته الرشيقة التي ميزت شعره. (جودت فخر الدين)
ـ ألقى الأديب والشاعر شوقي بغدادي بظله على الأدب السوري في القرن الماضي وبدايات هذا القرن، وكان واحدا من أكثر الأدباء تأثيرا في الحياة الأدبية العامة في سوريا، شعريا وأدبيا وسياسيا، مواقفه لم تتغير في جميع العهود، كان تقدميا من دون إفراط ولا تفريط. رعى الأدباء الجدد وكانت له بصمته الواضحة على التيارات الأدبية. لم يكن شاعرا فقط، كتب القصة القصيرة والمسرحية، وكانت له نظرات في النقد، والتنظير الشعري. كما كتب المقالة الأسبوعية في الجرائد السورية، وكان فيها ناقدا للكثير من المظاهر السياسية والأدبية والاجتماعية. قدم شوقي بغدادي المثال الناصع للأديب السوري، كان آخر الأدباء الكبار الذين حملوا على عاتقهم أعباء لم يتهاونوا عنها يوما، أو يتنازلوا عنها، أو يساوموا عليها. (فواز حداد)
ـ ترجّل شاعر سوريا الكبير شوقي بغدادي بعد قرابة مئة عامٍ قضاها في الأدب والشعر والانفتاح على كل الكتابات والمدارس والآراء والأفكار ببساطة وحيوية وسعة لم تتأت لأحد. عاش ومات شاعراً أنيقاً ومحبّاً ومعطاء، عاش لطيفاً لدرجة مرعبة. وإنما اللطف موهبة مثلها مثل الإبداع والله. (هاني نديم)
ـ تعرفت على الأستاذ شوقي بغدادي في أواسط ثمانينيات القرن العشرين حين كنت طالباً جامعياً مواظباً على متابعة الأمسيات والأنشطة الثقافية في دمشق. وتوثقت علاقتي به في التسعينيات في ملتقى اللاتيرنا، الذي كان ينعقد صباح كل اثنين، وفي هذا الملتقى العفوي كان الأستاذ شوقي نجم النجوم، والمتحدث الأبرز بما يمتلك من سعة معارف ومقدرة على الارتجال، من دون استطراد ولا تشتت، وتجربة سياسية وأدبية طويلة وممتدة. في أحد الأيام دخل هو والأستاذ عدنان قرجولي معاً وجلسا، وكانت هناك انتخابات مجلس شعب واللافتات تملأ شوارع دمشق. وبعد أن شرب كأس ماء قال لعدنان قرجولي: سقى الله يا عدنان أيام الديمقراطية. قالها من أعمق أعماق قلبه، فرد عليه الأستاذ عدنان قرجولي ممازحاً: بس نحنا كنا ضد الديمقراطية. انتهى الحوار هنا بعد ضحك الجميع.. وكان الأستاذ قرجولي يلمح لقصة بينهما حين كانا عضوين في الحزب الشيوعي السوري، وملخصها ان الأمين العام خالد بكداش طلب من عدنان قرجولي أن يتوقف عن كتابة الشعر لأن شاعر الحزب هو شوقي بغدادي، وقد امتثل الأستاذ عدنان لأمر الأمين العام وانقطع عن كتابة الشعر من الخمسينيات إلى التسعينيات حيث أصدر مجموعة بعنوان “الرجل الذي فقد النهر”. وقد راجع الأستاذ شوقي تلك المرحلة من حياته وكان ينتقدها بكل شجاعة وصراحة، فهو رجل ذو عقل راجح حكيم. رحمه الله” (تيسير خلف)
ـ رحيل الشاعر شوقي بغدادي اليوم هو رحيل لشاعر جميل من جيل الشعراء الآباء، الشعراء المُدججين بالحب لقوميتهم وعروبتهم وإنسانيتهم… عرفناه مبكرا من صفحات الأسبوع الأدبي، أسبوعية الثقافة التي يصدرها اتحاد الكتاب العرب، من خلالها يتابع بشغفٍ كتاباتنا الشابة آنذاك في الثمانينيات، فكان دليلاً وهادياً لكل الشعراء من أبناء جيلنا. (سليم النفار)
ـ لم يكن شوقي بغدادي شاعرا وقاصا وروائيا كما هو في حياته، بل معلما وقارئا رعى في ثقافتنا بروح الأب المحب أجيالا من الشعراء والقصاصين والروائيين السوريين. (ممدوح عزام)
ـ كان شوقي بغدادي محبا ومنصفا ولا يتحرج من التعبير عن رأيه في شاعر أو كاتب شاب، ليس له سند أو شلة، فضلا عن حضوره الفاعل في سجل نقاشات الأدب السوري واتجاهاته التي كانت ضحية إيمانه بالأيديولوجيا اليسارية الضيقة في البداية، قبل ان يغتني هذا الحضور ويغدو ثمرة ذائقته النقدية الناضجة، ناهيك عن كتاباته القصصية والصحافية التي تنبئ عن كاتب حر نبيل لم ينافق ولم يرتزق على حساب قناعاته، لكن ما من أحد يحفظ لشوقي بغدادي الكثير من الشعر في ذاكرته ووجدانه حتى وإن آمن بأحقية تصنيفه كشاعر. (محمد منصور)
ـ وسط تواصل الكارثة السورية وتصاعد معاناة السوريين غاب الاستاذ شوقي بغدادي الشاعر والقاص والمثقف الذي عاش في قلب الثقافة السورية والعربية نحو سبعة عقود، وكان مشاركاً وشاهداً في كثير من محطاتها، وترك بصمة لا تمحى في الحياة الثقافية ونتاجها الإبداعي وفي الحياة العامة وتطوراتها أيضاً. ومثلما كتب شعراً وقصصاً ومقالات تناولت حياة الناس، فقد انشغل أيضاً بالهم العام وتردي الأحوال السورية، فكتب فيها وخاض نقاشات حولها، وشارك في فعاليات عامة كثيرة. وهدف مساهماته في كل ما سبق الوصول إلى مجتمع وطني ديمقراطي يوفر حياة أفضل للسوريين ومكانة تليق ببلدهم. برحيل شوقي بغدادي ومثله رحيل خيري الذهبي وميشيل كيلو وحسان عباس، وكثيرين غابوا في السنوات الاخيرة، خسرت سوريا رموزاً وأشخاصاً تحتاجهم من أجل خلاصها وتجاوز ما صرنا اليه من كوارث. سلام لأرواح الراحلين الباقين في قلوب السوريين وذاكرتهم. (فايز سارة)

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية