إسطنبول- “القدس العربي”:
ألمح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى أن بلاده بصدد الموافقة على طلب انضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي قريباً، وذلك رغم اعتراضها وإعاقتها ملف انضمام السويد عقب تصاعد الخلافات بين البلدين بسبب حوادث حرق القرآن الأخيرة، ورفض تسليم مطلوبين لأنقرة، وهي خطوة في حال حصلت، يُعتقد أن أردوغان يهدف من خلالها إلى توجيه رسائل حساسة ومدروسة على الصعيدين الداخلي والدولي.
والإثنين، قال أردوغان إن تركيا قد تتخذ قرارا إزاء عضوية فنلندا في حلف الناتو قد “يصدم السويد”، وأضاف: “إذا لزم الأمر، يمكننا إعطاء رسالة مختلفة حول فنلندا. ستصدم السويد عندما نعطي رسالة مختلفة حول فنلندا”، مشدداً على أن السويد يجب ألا تنتظر بعد الآن من أنقرة أن تتخذ أية خطوة في إطار قبول انضمامها لحلف “الناتو”، على خلفية إحراق القرآن الكريم في ستوكهولم.
في السياق ذاته، صرح وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، الإثنين ،بأن فنلندا تظهر “موقفا إيجابيا” في عملية انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وقال الوزير التركي: “منذ البداية، قلنا إن مشكلاتنا مع فنلندا قليلة. لكن كلا البلدين (فنلندا والسويد)، وعددا من دول الناتو، أعلنت (أنها تريد) عملية انضمام متزامنة لهما، لذلك تم التوقيع على المذكرة الثلاثية”، في إشارة إلى الوثيقة التي أبرمتها تركيا وفنلندا والسويد 28 يونيو الماضي، على هامش قمة “الناتو” في مدريد، من أجل إزالة العوائق أمام انضمام البلدين إلى الحلف، ونصت الوثيقة على التعاون مع أنقرة في مكافحة الإرهاب.
وتابع الوزير التركي: “منذ ذلك اليوم، أدلت فنلندا بتصريحات إيجابية، واتخذت خطوات إيجابية بشأن القيود المفروضة على توريد الأسلحة. لم تكن هناك استفزازات كما كانت في السويد”.
وفي وقت سابق أعلنت السلطات التركية، إيقاف الاجتماعات والمحادثات الثلاثية مع السويد وفنلندا، حول انضمامهما لحلف “الناتو” إلى أجل غير مسمى، وذلك بعد إقدام المتطرف راسموس بالودان، على إحراق نسخة من القرآن الكريم في 21 يناير أمام السفارة التركية بالعاصمة السويدية ستوكهولم، وهو ما ولّد ردود فعل شعبية ورسمية تركية غاضبة جداً.
ورغم تصريح وزير الخارجية الفنلندي، بيكا هافيستو، بأن هلسنكي قد تضطر إلى إعادة النظر في متابعة طلب عضويتها بالناتو، وتفكر في مسألة انضمامها إلى الحلف من دون السويد، في حال تأخر الطلب السويدي لفترة أطول، أكدت الخارجية الأمريكية أن ملف انضمام فنلندا والسويد “قضية ثلاثية” ورفضت النظر في انضمام كل بلد للحلف على حدة.
من جهته، صرح الرئيس الفنلندي ساولي نينيستو بأن حكومته اتصلت على الفور بأنقرة بعد التصريحات التي أدلى بها أردوغان، وقال نينيستو في معرض رده على سؤال من صحيفة Helsingin sanomat يوم الإثنين: “نعم (تم الاتصال) على الفور. في الواقع، لا يوجد شيء آخر يمكن قوله في الوقت الحالي، لكنني أعتقد أنه ستصدر هناك تصريحات لاحقا، ولفت أيضاً إلى أن فنلندا لم تغير موقفها المتعلق بالانضمام المشترك إلى الناتو مع السويد.
وبغض النظر عما إذا قبلت فنلندا استكمال إجراءاتها بشكل منفصل عن السويد أم لا، فإن تركيا تهدف من خلال هذه المناورة إلى توجيه رسائل متعددة في اتجاهات مختلفة ورفع الحرج والانتقادات للحكومة على الصعيدين الداخلي والدولي وخاصة فيما يتعلق بعلاقاتها مع روسيا ومكانتها في حلف شمال الأطلسي.
وبدرجة أساسية، تهدف تركيا من خلال هذه الخطوة للتأكيد على أنها ليست ضد انضمام دول جديدة إلى حلف شمال الأطلسي الذي تؤكد أنها “جزء أصيل منه” وأن قراراها بإعاقة ملف انضمام السويد يتعلق بعدم التزام الأخيرة بتعهداتها وخاصة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب وتريد التدليل على ذلك وإثبات روايتها من خلال تسهيل مسار انضمام فنلندا في أقرب وقت ممكن وهو ما سيقلل بلا شك الاتهامات لتركيا بأنها ترفض انضمام البلدين بضغوط روسية وأنها لا تعمل لصالح الناتو.
وبينما تسعى تركيا لتبديد التهم لها بخدمة روسيا وتعطيل توسع الناتو، لا تريد في ذات الوقت الدخول في صدام مع روسيا التي تتبع معها سياسة وسطية تتعلق بالحرب في أوكرانيا، حيث ترغب تركيا في الاستمرار بالحفاظ على موقفها الوسطي للعب دور الوساطة بين روسيا وأوكرانيا على غرار اتفاق الحبوب وصولاً لاتفاق يوقف إطلاق النار ويمهد للحديث عن حل سياسي للأزمة.
أما الرسالة الثالثة والأساسية في هذا السياق، فهي موجهة إلى السويد ذاتها بأن تعنتها في محاربة الإرهاب وتسليم المطلوبين إلى أنقرة هو السبب الرئيسي في تعليق ملف انضمامها وأن “تساهلها مع التنظيمات الإرهابية” سوف يكبدها خسائر استراتيجية تتعلق بالانضمام للناتو، وسط آمال تركية بأن تثمر هذه الضغوط عن تغيير أوسع للقوانين في السويد يتيح لها تسليم المطلوبين والتضييق على أنشطة التنظيمات المرتبطة بالعمال الكردستاني هناك.
أما السبب الرابع والذي لا يقل أهمية على الإطلاق عن الأسباب السابقة، فهو الانتخابات التركية وحاجة أردوغان الشديد لتأخير انضمام البلدين حتى موعد الانتخابات التي باتت متوقعة في الرابع عشر من مايو/ أيار المقبل، حيث سيستخدم أردوغان هذا الملف في حملته الانتخابية كدليل على نفوذ وقوة تركيا على الصعيد الدولي وقدرتها على تعطيل ملف هام يتعلق بالناتو انطلاقاً من “المصالح القومية التركية” وهي رواية تخدم الرئيس التركي في جذب مزيد من أصوات المحافظين الأتراك الذين يعتزون بخطاب القوة المعادي للغرب.
كل هذه الأسباب وغيرها، تدفع الرئيس التركي للمماطلة في تمرير الموافقة على انضمام البلدين للناتو، فعلى المدى القصير لا يتوقع أن يتم استكمال ملف البلدين أي إلى حين موعد الانتخابات المقبلة، وعقب الانتخابات، وفي حال لم يحصل اختراق كبير في العلاقات مع السويد سوف يصوت البرلمان التركي على انضمام فنلندا ورفض انضمام السويد لتبدأ مرحلة جديدة من المفاوضات بين البلدين سيتخللها مزيد من الضغوط الغربية على الحكومة التركية التي ستفرزها الانتخابات المقبلة.