الاردن : حــدود ‘الـنـظــــــام’

حجم الخط
0

د. جهاد البرغوثي ما يـُطالب به الشعب وما سيأتي به ‘التغيير’ في النهج والاداء هما الطرفان الرئيسيان اللذان يرسمان بدقة ووضوح حدود ‘النظام ‘ . فالانظمة اليوم لا تـُقاس بضخامة جيوشها ولا بانتشار واتساع وكفاءة دوائرها الامنية ولا بالتنوع في استراتيجية التنظير في ‘فلسفة الاصلاح؛’ ولكنها في ملتقاها الاساسي السليم، عليها ان تـُعيد ‘الشعب’ الى ‘دائرة الزمن’ بعد ان بقي خارجه في الحاضر والماضي وأنْ تؤكد على حقيقة ٍ مطلقة لا تقبل الشك باسترداد الشعب لقوته وسيادته.

ما عاد لنا كمجتمعات عربية مُشتّتة في ديارها، مقطوعة اوصالها على ارضها، دولٌ هي اشباه دول! مِزَقٌ في خارطة العالم العربي قسَّمتها الدول الاستعمارية فهذا قطيعٌ من الناس بأرض رَعي ٍ محددة وذاك قطيعٌ اخر – وإذ ْ بكيان ٍ عربي واحد قد إقتـُطِع الى اثنتين وعشرين وحدة اسموها اقطاراً وممالك وامارات، وشعوبها اشباحٌ صامتة تدعو للحاكم بطول العمر والبقاء، وتشكره على مكرماته، وتطالبه بالمزيد.

باتت في معظمها شبه مخلوقات خرافية تعيش على الاوهام والنفاق السياسي من أجل الكسب والربحية، فاستمرأت الاستسلام للتجزئة في نماذج عربية لا داعي لوصفها.

ليس بالضرورة لأبنائنا واحفادنا ان يقرأوا في جيلنا بل عليهم التواصل مع ما انقطع من طموحاتنا لتشكيل حياتهم وصُنع مستقبلهم.

هم يعبرون المستقبل عبر محورٍ له قـُطبان الخروج من الماضي والمشاركة الفعالة في شؤونهم.

فالماضي هو حاضر جيلنا رسمه لنا غيرنا فاستقبل حياة صُنِعت لنا بعد ان تحالفت قوى خارجية على قهرنا واذلالنا والحقت بنا الهزائم وانصرفنا عن الهَّم القومي الى مصاعب الحياة، فأطفأوا شعلة القومية والحرية والديمقراطية وسخروا منها، وكرسّوا القطرية والاقليمية والجهوية، فـَسَهُل لهم التصرف بمصيرنا.

فأبناؤنا واحفادنا يتطلعون الى احتمالات مشرقة لمستقبل فيه استقلال للأراده، واستئثارٌ للثروات، وتصوراتٌ مليئة بالامل نحو التقدم والازدهار واحترام الانسان.

آما آن الاوان لشعوبنا العربية من محيطها الى خليجها ان تلـُّم شملها وتـُوحِّد كلمتها وترفع من شأنها وتوزع ثرواتها.

انها المناداة ثانية بالقومية العربية في إطارها الديني المحافظ! لا اظن ان تلك المناداة قد اصبحت في طيّ النسيان او ان مرور الزمن في عهد الانحسار والقطرية والضعف والتبعية وتراكم الاحداث جعل التاريخ يَسدل عليها ستارا كثيفا اخفى كل ملامحها الجميلة.

انها المناداة بالديمقراطية التي امست نموذجا علميا بالاضافة الى كونها نظاما سياسيا. فالمشكلة السياسية في عالمنا العربي والاردن بشكل خاص هي الاساس وتتبعها التداعيات الاقتصادية والمعيشية.

فإذا وبعظمة الخالق تتوزع قدرات العقل على اجزاء الدماغ المختلفة والتي بدورها على ارض الواقع تطابق مبدأ فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في نظام ديمقراطي ثابت. فلماذا يُحرم الشعب من مبدأ المشاركة؟ جيلنا قد أخلى المسرح السياسي والاجتماعي في هذا الزمن الرديء للأبناء والاحفاد ليحملوا معهم طموحات الاباء والاجداد ومخزونهم القومي والوقوف بكبرياء وعزة امام كل قوى التشبث والعناد والاستعلاء، ويُبقون بتطلعاتهم الى المضي قـُدما.

فالغموض لا يزال يلف مضامين ‘الاصلاح’ ولا زالت هناك ‘الريبة’ في الاجراءات والتعيينات ليس اقل مدعاة للدهشة والارباك، والفقر المدقع والبطالة غير المقنعة تلف بطياتها المُهلـِكة لقطاعات كبيره من شعوبنا العربية وفي الجانب الاخر هناك منْ يترفهون وينعمون!

لا اكتب لأجيالنا القادمة عن ضياع فلسطين كل فلسطين، ولا لـِفقداننا لجنوب السودان بمساحة مصر بأرض ٍ خصبة وثروات دفينة، ولا اتظلم امامهم لتجزئة الصومال واحتلال الحبشة لصحرائها التي تربط شمال شرقي البلاد بامتداد جنوبها الغربي. ماذا اقول لاحفادنا وابنائنا عن عراق الرشيد التي عادت الى الديكتاتورية والقمع والاعتقالات بعد ان تآمرعليها الاعراب والبوشيون. وهل بقي لي كمواطن عربي ان اتحدث لهم عن سوريا المؤامرة! والشعب يُقتل كل يوم بالصواريخ و المدفعية والمتفجرات على الطرق ونوابنا يهرولون الى عاصمة بني امية يرفعون التهاني والتبريكات.

ماذا اقول في جزائر المليون شهيد وقد اختطفتها العسكريتاريا وغيّبت دورها القومي الوطني، وعلى نفس المنوال موريتانيا. ماذا اقول لابنائنا واحفادنا وهم يروننا نـُهلل ونصفق ونـُعيـِّش وجيوبنا خاوية ومثقوبة من العبث المتواصل بها عَلـَّنا نجد شيئا ما وهل بقي لدينا شيء نسد به متطلبات رفع الاسعار القادمة الغيوم السوداء أخذت تقترب.

فإذا كان العِلمُ محاولة لاستنباط النظام من الفوضى، واذا ما بحثت فيه الكثير اقول لاصحاب الشأن كلمة واحده تعبر عن معناها انها ‘الريبة ‘ وعلى النظام العربي ونحن في الاردن جزء منه ان يحسم امره ويُبدد ‘الريبة ‘ في نفوس المواطنين بعد ان اصبحت صناعة القبول والرضا مبعثرة وما عاد لها سوق، فما يسمعه المواطن لا يطابق الحقيقة وهنا تبرز ظاهرة الشك والريبة – حتى يصبح النظام اكثر مهابة واوسع نطاقا واشد التزاما بأسس التغيير ووضعها في قوانين وانظمة.

فلا استبدال للعقل بالغموض، ولا الواقع بالتنظير، ولا العمل بالشروحات.

ما عاد لدينا وقت نتلهى به، فالزمن يختلف مع اختلاف سرعة الاحداث وسخونتها، والاعلام الغربي يُسلط اضواءه علينا ببطء ريثما يسقط النظام في دمشق، وشعبنا يعيش في حالة اختناق مالي واقتصادي ومعيشي.’فالتغيير’ له فرسانه وليست هناك حاجة على الاطلاق للعودة الى الحرس القديم وكوكبة الفرسان من ابناء الاردن الاشم من حزبيين واكاديميين وخبراء ومُرَّبين والكل يؤمن ايمانا قاطعا ان البديل عن النظام هو الفوضى وانهيار الدولة بعد ان بلغت حدَّاً خطيرا من الهشاشة، وعلى الانقاض تأخذ مؤامرة الوطن البديل الى حيز التنفيذ.

فبالمشاركة وتغيير النهج طرفا المعادلة في حدود النظام سيتقـَّوى النظام بالشعب، ويتمسك الشعب بنظامه، ويسيران معا بكل ثقة وشجاعة وتحد نحو بناء الاردن الحديث.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية