كالعادة جاء انطوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي للمنطقة بعدما انفجر فيها العنف، في محاولة للتهدئة، لكن الأمور قد خرجت عن السيطرة. وزار بلينكن المنطقة لثلاثة أيام عرج فيها على مصر قبل وصوله إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، لا شيء يدعو للتفاؤل بدور أمريكي حيوي، فقد تخلت الإدارات الأمريكية منذ وقت عن دور العراب الشريف بالعملية السلمية.
هناك حكومة إسرائيلية متطرفة لا تتوقف عن إطلاق التهديدات، ومستوطنون مسعورون باتوا يستهدفون بيوت الفلسطينيين وحياتهم اليومية، وجيش يواصل مجازره ضد سكان جنين ونابلس، ولم يبدأ العام إلا وقتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 35 فلسطينيا.
جاء بلينكن ومعه بعض الرسائل الباهتة حول ضرورة حماية الديمقراطية الإسرائيلية والامتناع عن أي تصرف يجعل حل الدولتين «أمرا بعيد المدى» لكن إدارة بايدن التي يمثلها لم تفعل الكثير لتحقيق هدف حل الدولتين ووقف «دوامة العنف» وكما قالت جينفر روبن في صحيفة «واشنطن بوست» (2/2/2023) فعبارة كهذه باتت مستهلكة ولا تعبر عن الواقع. وقالت إن زيارة بلينكن لإسرائيل وفلسطين مجرد تمرين في التحكم بالضرر. فالعنف والعنف المضاد يجعل من العبث الحديث عن الطرف الذي بدأ العنف.
ولم يقدم بلينكن بعدما قابل بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء محمد اشتية، ما يدعو على التفاؤل، رغم أن وزير الخارجية أكد على أن فريقه سيواصل الحوار مع الطرفين. ولكن أي حوار عندما يقول نتنياهو في حوار مع شبكة «سي أن أن» إن إعادة السلام أو العملية السلمية ليست مهمة وعلينا ألا «نعلق» بالقضية، وبدلا من ذلك تحدث عن موضوعه المفضل «اتفاقيات إبراهام» والتي حسنت علاقات إسرائيل مع دول عربية. وما أطلق عليه «تجاوز الفلسطينيين» بلغة الشارع، يصل إلى التخلي عن محاولات تهدئة وضع ملتهب.
وتدعي إدارة بايدن أنها لا تريد المواجهة مع نتيناهو، فهي تعتقد أنها لو واجهته كما فعل باراك أوباما، فسيزداد عنادا وعدوانية، أو هكذا تعتقد، بل وأكد بلينكن تعاطفه مع عائلات ضحايا الهجوم في القدس والتزام الولايات المتحدة المطلق بأمن إسرائيل.
وبالمقابل حمل بلينكن للفلسطينيين، رسائل أمنية وضرورة إعادة السلطة السيطرة على جنين، وأورد موقع «اكسيوس» (1/2/2023) أنه أخبر عباس بضرورة قبول خطة أمنية أمريكية لاستعادة السيطرة على جنين، بما في ذلك تدريب قوات فلسطينية خاصة، وأشار التقرير إلى أن عباس أخبر بلينكن أن الخطة المقترحة التي أعدها المنسق الأمني الأمريكي الجنرال مايكل فنزل تطالب السلطة بالكثير ولكنها لا تطلب من إسرائيل وقف توغلاتها داخل المدن الفلسطينية والتي تقود إلى مقتل فلسطينيين. وقالت السلطة إنها لا تستطيع العمل في النهار بعد توغل إسرائيل في الليل. وطالب بلينكن عباس بإعادة التنسيق الأمني الذي أوقف بعد مجزرة جنين. وتعترف الخطة التي أيدها الإسرائيليون بفقدان السلطة السيطرة على جنين مع أن سلطتها أقوى في نابلس. وذكر الموقع أن كلا من مصر والأردن طلبا من عباس تحسين الوضع الأمني.
مهزلة حل الدولتين
والمشكلة أن بلينكن جاء إلى المنطقة وهو يتحدث عن لازمة أمريكية يعرف أنها لا تحمل معنى وهي حل الدولتين، فالطرفان الإسرائيلي والفلسطيني يرى أن حديث المسؤول الأمريكي عن هذا في وقت العنف والتصعيد، هي لفتة ضعيفة بل ومهزلة. وأظهرت استطلاعات الرأي أن ثلث الفلسطينيين والإسرائيليين يؤمنون بحل الدولتين، ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» (31/1/2/2023) عن فلسطيني في بيت حنينا في القدس، قوله إن حل الدولتين مثل الأغنية تغنيها أمريكا عندما تريد تهدئة الفلسطينيين وباتت مثل التنويمة التي تغنى للأطفال.
ورغم دعوته لحل الدولتين لم يدع بلينكن للعودة للمفاوضات والتي كان آخرها في 2014 عندما فشل وزير الخارجية جون كيري في محاولته. بل ولم يلمح نتنياهو في المؤتمر الصحافي مع بلينكن إلى العملية السلمية لكنه تحدث عن التوصل لإطار عملي للتعاون مع الفلسطينيين قبل أن يعود لموضوعه المفضل، إيران.
ومن هنا تظل الزيارة جزءا من جولات أمريكية يردد فيها المسؤولون مجموعة من الموضوعات والشعارات بدون مقترحات جوهرية. ولاحظت ناشطة إسرائيلية ازدواجا في المعايير من الضيف الأمريكي الذي عبر عن تعاطفه مع الإسرائيليين وقال إن أمريكا معكم وستدافع عن أمنكم ولم يذكر لا جنين ولا الفلسطينيين العشرة الذين قتلهم الجيش يوم 26/1/2023 وهو «ما جعلني أريد التقيؤ».
لا وقت لفلسطين
وتظل أمريكا منشغلة بالملفات الكبرى وهي مواجهة الصين والحرب في أوكرانيا وتحييد روسيا، فالمنطقة لم تكن أصلا على رأس أولويات إدارة بايدن، فلم يتحرك الرئيس مثلا لإلغاء الكثير من القرارات التي اتخذها سلفه دونالد ترامب، وخاصة نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.
وحاولت إدارة بايدن إدارة ملف العلاقة مع إسرائيل من خلال تحالف مضاد لنتنياهو، إلا أن هذا التحالف انهار وفتح المجال لعودة نتنياهو مرة أخرى على رأس أكثر الحكومات تطرفا في تاريخ إسرائيل. ويرى الفلسطينيون أن إدارة بايدن ليست وسيطا حسن النية أو عرابا صادقا للعملية السلمية، فزيارة بلينكن روتينية. وحتى قبل وصوله لم يعولوا على أن يغير قدومه من واقع الحال، وأن بايدن وفريقه ليس لديهم الوقت أو المزاج للاستثمار في أطول النزاعات في العالم.
ومن هنا فالزيارة كما تقول «الغارديان» (31/1/2023) هي محاولة لاحتواء الوضع والتأكد من أن الموضوع الفلسطيني- الإسرائيلي لا يطغى على هدفه الأكبر وهو هزيمة روسيا في أوكرانيا.
وكما يرى داوود كتاب في صحيفة «واشنطن بوست» (2/2/2023) فإن سياسة عدم التدخل من إدارة بايدن أعطت الإسرائيليين الضوء الأخضر لمواصلة عمل ما يريدون في الأراضي المحتلة. ويحتاج أولئك الذين يدعون أنهم يؤمنون بحل الدولتين – بمن فيهم الأمريكيون والأوروبيون – إلى الاعتراف بالنصف الفلسطيني من هذه الفكرة.
ويرى كتاب أن الغارة الإسرائيلية كانت تصعيدا عنيفا من قبل الجيش الإسرائيلي. وكانت العملية الأكثر دموية للجيش في الضفة الغربية منذ 18 عاما على الأقل. وأضاف أن حجم العنف الذي نتج عن ذلك، يعكس حقيقة بسيطة هي أن الفلسطينيين لا يرون مستقبلا لأنفسهم. الاحتلال الإسرائيلي مستمر بلا هوادة. وعلق أن القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية منقسمة بشدة وقد أضعفت بشكل منهجي بسبب الأعمال الإسرائيلية. وعلى ما يبدو فما لا يدركه الإسرائيليون وغيرهم هو أن اليأس المطلق شجع الفلسطينيين على محاربة المحتلين الإسرائيليين. فالفلسطينيون يستيقظون كل يوم تقريبا على جريمة قتل إسرائيلية جديدة لفلسطيني آخر، أو هدم منزل فلسطيني مبني على أرض فلسطينية. وبالنسبة للفلسطينيين، فإن سنوات من إهمال عملية السلام تعني أن جيلا بأكمله قد نشأ دون أمل في أن الأمور ستتغير. وأدى غياب العملية السياسية التي تفاقمت بسبب إلغاء رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في عام 2021 للانتخابات العامة المخطط لها في الضفة الغربية، ورفض القادة الإسرائيليين للقاء نظرائهم الفلسطينيين إلى تآكل الوضع الهش أصلا وأجبر العديد من الشباب المسلحين ليأخذوا زمام الأمور بأيديهم. فجأة، ظهرت مجموعات مسلحة جديدة – كثير منها غاضب من القيادة الفلسطينية – وتحاول شن هجمات ضد الإسرائيليين. لقد تحدت مجموعات تحمل أسماء مثل عرين الأسود أو لواء جنين الحكمة التقليدية وبدأت في تنفيذ أعمال مقاومة مسلحة غير فعالة.
انتفاضة ثالثة
كلما اشتعل الوضع يسارع المعلقون للحديث عن احتمال انتفاضة ثالثة. وفي الماضي استبعد هذا الخيار نظرا للثمن الذي دفعه الفلسطينيون في الانتفاضة الثانية التي انتهت عام 2005 إلا أن عناصر التصعيد الحالية موجودة، فهناك حكومة متطرفين في إسرائيل يتسابق قادتها بإطلاق التصريحات النارية، إلى جانب حكومة فلسطينية ضعيفة فقدت السيطرة على الوضع وسط ظهور جيل من الناشطين الذين فقدوا الثقة بالقيادة الفلسطينية والتنظيمات الأخرى. وأشارت صحيفة «صاندي تايمز» (29/1/2023) إلى أن التصعيد جار منذ العام الماضي بوتيرة مختلفة، بشكل يجعل العام الماضي من أكثر الأعوام دموية بالنسبة للفلسطينيين، حيث قتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 150 فلسطينيا، وفي غارات شبه يومية على المدن الفلسطينية، وخاصة جنين ونابلس. وفي الوقت الذي كانت الانتفاضة الأولى والثانية أوسع جغرافيا واستخدم الفلسطينيون في الأولى الحجارة والمولوتوف والثانية قاتلت فيها الفصائل المسلحة، إلا أن التصعيد الحالي مضى عليه أكثر من تسعة أشهر، ولا توجد هناك إشارة عن خفض التصعيد، وليس لدى نتنياهو أي حل سوى إرسال القوات الإسرائيلية ما يعني مزيدا من القتلى. ويقول نقاد الجهود الإسرائيلية الحالية، بمن فيهم مسؤولون في المؤسسة الأمنية إن على إسرائيل إعادة النظر بطريقة فك ارتباط قواتها العسكرية من عملياتها شبه اليومية في الضفة الغربية. ونقلت «وول ستريت جورنال»(29/1/2023) عن مايكل ميليشتين، المسؤول الأمني السابق قوله: «طالما ظلت إسرائيل تقاوم إستراتيجية فلن تكون هناك نهاية للعبة، ولا يوجد موعد لوقفها أو أن حادثا معينا سينهي العملية». وتزعم إسرائيل أن عملياتها في الضفة الغربية هي من أجل تهدئة الوضع قبل بدء شهر رمضان نهاية الشهر المقبل. وأنها نجحت في تحييد المسلحين من «عرين الأسود» في نابلس وجنين. إلا أن الخيار العسكري ليس حلا، فالفلسطينيون يعيشون حالة من الإحباط، ولم تحدث العمليات الأخيرة من فراغ كما قالت صحيفة «أوبزيرفر» (29/1/2023) فما أطلقت عليه إسرائيل «عملية كسر الأمواج» تعتبر أكبر عملية خارج وقت الحرب.
ومن الصعب التكهن فيما سيحدث لاحقا إلا أن دراسة مسحية فلسطينية- إسرائيلية نشرت حديثا وجدت أن نسبة 61 في المئة من الفلسطينيين و 65 في المئة من اليهود الإسرائيليين قالوا فيها إن انتفاضة ثالثة باتت تلوح بالأفق. وتمت الدراسة المسحية في كانون الأول/ديسمبر ووجدت أن الدعم لعملية السلام في أدنى مستوياته. وهناك زيادة لدعم الكفاح المسلح بين الفلسطينيين، إلى جانب عدد كبير من اليهود يطالبون الجيش بعملية عسكرية كبيرة لتحطيم القدرات العسكرية للمسلحين. إلا أن صحيفة «الغارديان»(31/1/2023) في افتتاحية لها قالت إن الفشل السياسي المحلي يدعو الآخرين للتدخل وأن دعوات التهدئة الخجولة من الولايات المتحدة لا تكفي. وقالت: «لم يعد السؤال إن كانت هناك انتفاضة ثالثة أم لا ولكن ما الذي يمكن عمله لتجنبها. ومع تصاعد العنف، فإن أزمة القيادة المحلية تظهر السبب الداعي لتدخل الآخرين». وكشفت زيارة بلينكن عن السبب الذي يدعو لعدم توقع أحد شيئا من الولايات المتحدة. وأضافت الصحيفة أن هناك من تحدث عن انتفاضة ثالثة جارية في الواقع.
وتقول الصحيفة إن تطورين مثيرين للقلق حصلا، أولهما هو انتشار السلاح غير المشروع في الضفة الغربية. أما الثاني، فهو الوضع السياسي، فهناك حكومة متطرفة في إسرائيل ووزير الأمن العام فيها هو إيتمار بن غفير، المدان السابق بالعنصرية، ولا يمكنك توقع مخرب لكي يطفئ النار. وتعهد بأن يسهل حصول الإسرائيليين على السلاح. وركزت الحكومة نظرها على الإطار القضائي بحيث تخفف القيود على الاستيطان وتسهل العقوبات الجماعية- غير القانونية حسب القانون الدولي، وربما بحماسة أكثر من السابق. وبدلا من الضرب على يد إسرائيل، تشجب الولايات المتحدة وبريطانيا الفلسطينيين لأنهم يريدون ملاحقتها أمام المنظمات الدولية. واقتربت الدول العربية غير الديمقراطية أكثر من إسرائيل. وتصاعد العنف هو إشارة تشير إلى الطريق الخطأ بدون محاولة أي أحد لإبعاد الأمور عن الهاوية. وفي ظل نظام تسامح ولا يزال يتسامح مع قهر الفلسطينيين، ويبرئ المستوطنين من جرائمهم، ويقف الجنود كمتفرجين على القمع، يتساءل الواحد عن معنى تظاهر الإسرائيليين خوفا على الديمقراطية، بل والكم الكبير من التقارير التي عبرت عن قلقها من نتنياهو وكونه خطرا على إسرائيل، فهو ليس وجها جديدا، وهو من رعى هذه التيارات ثم جلبها إلى السلطة. وجذور التسامح مع الاحتلال بدأت منذ اليوم الأول، عام 1976 وعندما أقامت إسرائيل نظامين واحد عسكري في الأراضي المحتلة يحرم الفلسطينيين من كامل حقوقهم وسمحت للمستوطنين بأخذ القانون بأيديهم. ومع استمرار الوضع تنتظر المنطقة زيارة أخرى لمسؤول أمريكي ليذكرها بحل الدولتين.