روسيا «تُسيِّل» نفوذها في الشرق الأوسط لخدمة حربها في أوكرانيا والتحالفات على «القطعة»

رلى موفّق
حجم الخط
0

ليس واضحاً بعد الثمن الذي ستقبضه إيران لدعمها روسيا بالطائرات المسيَّرة الانتحارية التي تستخدمها في تدمير البنى التحتية الأوكرانية، كما تزويدها المُفترض بالصواريخ الباليستية. فطبيعة التعاون العسكري الروسي – الإيراني وحجمه ستكون له ارتداداته وانعكاساته على توازنات القوى في المنطقة وعلاقات موسكو بها. عملت روسيا منذ تدخلها العسكري في سوريا، لإنقاذ نظام بشار الأسد الحليف لها، على صوغ شراكات مع الدول الإقليمية المؤثّرة في الإقليم. ويمكن القول إن موسكو استطاعتْ بناء أَنساقٍ من التعاون مع كل من تركيا، وإيران، وإسرائيل، والخليج، ونجحتْ في توظيف المصالح المتناقضة والمتضاربة بين تلك القوى لمدّ نفوذها في الشرق الأوسط وتعزيز موقعها.
التقارير الآتية من الرصد الاستخباراتي الغربي تتحدَّث عن إمكان حصول إيران، في مقابل دعمها الآني لروسيا، على تقنيات عسكرية متطوّرة، وعن صفقة طائرات «سوخوي 35» ومدَّها بتكنولوجيا مساعدة في برنامجها النووي. لا تأكيد من موسكو على التقارير، ولا معلومات عن طبيعة تعاونها العسكري مع طهران. ما هو أكيد أنها جاءت بآلاف الطائرات المسيَّرة مِن طهران لسدِّ نقصٍ لديها في هذا المجال.
يقول مطّلعون إن روسيا أهملتْ صناعة المسيَّرات رغم أنها كانت مِن أوائل مُصنِّعيها. وحين اكتشفته كسلاح إستراتيجي واحتاجت إليه، عبَّـأت النقص بالمسيَّرات الإيرانية. وهي اليوم أنشأت مصنعاً خاصاً، وعادت بزخم إلى إنتاج «الدرونز» وبتقنيات متطوّرة، ما سيجعلها في غنى عن الاستعانة بطهران في مجال الطائرات المسيَّرة. وصحيح أن موسكو عزَّزتْ علاقاتها مع طهران اقتصادياً وتجارياً، وتستنسخُ طرق التفافها على العقوبات، وتزوَّدت منها بمسيَّرات، إلا أن مسألة تطوير تعاونها العسكري مع إيران لا يمكن أن يحصل بمعزل عن تفاهمات إقليمية، بحيث لا تؤدي إلى إحداث خلل في توازنات المنطقة. والمقصود هنا، تفاهمات مع تركيا، وإسرائيل، والخليج، حيث تحالفها مع المملكة العربية السعودية في «أوبك بلس».
نفوذ روسيا الرئيسي شرق أوسطياً هو في سوريا، حيث ستتمّ المقايضات. إيران ترغب بأن يردَّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «بعضاً مِن الجميل» لها على الأراضي السورية، من خلال تعديل قواعد الاشتباك مع إسرائيل، بما يُقيِّد حركة تل أبيب في ضرباتها التي تستهدف مخازن، وشحنات، وتحركات لـ«الحرس الثوري» الإيراني والميليشيات التابعة له. بوتين، الذي تُشكِّل تركيا معبراً حيوياً له في مواجهة العزلة الغربية التي يتعرَّض لها، يُريد أن يُقدِّم ما أَمكنه من دعم لنظيره رجب طيب اردوغان الذي يخوض وحزبه الحاكم (العدالة والتنمية) في 14 أيار/مايو المقبل انتخابات رئاسية وتشريعية صعبة في وجه المعارضة، التي تستخدم ملف اللاجئين السوريين في تركيا، والذين أضحوا عبئاً على اقتصادها المتهاوي، ورقة أساسية في حملتها الانتخابية.
على الضفة التركية، يُريد الرئيس الحالي، المرشح للانتخابات المقبلة، منطقة آمنة على الحدود التركية – السورية لضمان أمنه من حزب العمال الكردستاني ولإعادة اللاجئين السوريين الموجودين في تركيا إلى الداخل السوري. سبق أن توصَّل جزئياً إلى اتفاقات مع أمريكا خلال إدارة دونالد ترامب ومع روسيا حول هاتين المسألتين، لكنها لم تُـترجم على الأرض. ويحتاج اليوم إلى تحقيق ذلك قبل الانتخابات لرفع سيف اللاجئين عن عنقه. أراد إنجاز ذلك بعملية عسكرية، لكنه وُوجه بمعارضة أمريكية كما روسية – إيرانية، فإذا به يسلك درب «التطبيع» مع «النظام القاتل لشعبه». أما على الضفة الروسية، فيحتاج بوتين اليوم إلى ضمان بقاء أردوغان في سدّة الحكم كونه لا يُهادن حلفاءه في حلف «الناتو» ويُقارع واشنطن، ولا يلتزم بالعقوبات المفروضة على روسيا، بل ويوفِّر لها منفذاً تجارياً واقتصاديا وملاذاً آمناً لكبار متموّليها، وتجَّارها، فيما لا يُمكنه معرفة ما ستكون عليه سياسة الخَـلَـف الآتي من المعارضة، ومدى تماهيه مع واشنطن و«الناتو» والأوروبيين في الحرب على أوكرانيا.
أبدى الأسد موقفاً رافضاً ثم متصلّباً. تُبيِّن المعلومات المتوافرة بأن الرئيس السوري حصل من المعارضة التركية على وعود بأنها إذا وصلتْ إلى الحكم، فإنها سوف تنسحب من الشمال السوري، وستُسلِّم إدلب إلى النظام من دون مقابل على أَن يعود اللاجئون. ولكن هذا يبقى رهاناً قد لا يحصل، وستكون له تبعاته، فيما روسيا تُريد تحقيق خرق لأردوغان قبل الانتخابات. أرسل بوتين مُوفده إلى الأسد حاملاً رسالة حازمة. بحسب مطلعين، أبلغ بوتين الأسد أنه وقف إلى جانبه حين احتاج الى التدخل الروسي، واليوم هو يحتاج الى أن يقف الأسد إلى جانبه من خلال لقاء مصالحة مع أردوغان يفتح باب التطبيع. أخبره بوتين عن مصلحته بمساعدة أردوغان، والاحتمالات التي قد تترتّب عن عدم المساعدة. وقال له في الرسالة: «إذا ربح من دون مساعدتنا، سيدخل عسكرياً بعمق 30 كلم، وأنا لا أستطيع أن أُخرجه. وإذا مدَّد لنفسه سيفعل الأمر ذاته. وإذا خسرَ وربحتِ المعارضةُ، فلا أعرف ما هو مشروعها». بات لقاء القمّة أمراً ممكناً وقريباً بعد الإعلان عن مشاركة إيران فيه.
في المعطيات، أن محادثات وزير الخارجية المصري سامح شكري مع نظيره الروسي سيرغي لافروف تناولت الملف السوري. موسكو تُريد من العرب أن ينخرطوا في سوريا وعدم ترك الساحة فارغة لتملأها إيران. يقول عارفون إن الاتفاق الروسي – التركي، والذي سينجم عنه تعديل «اتفاق أضنا» أو «اتفاق أضنا 2» يتضمن انسحاب الجيش التركي من الأراضي السورية ليحل محلّه جيش النظام والقوات الروسية، وتسليم إدلب وانسحاب الميليشيات الإيرانية من حلب ومن الشمال. ويُضيفون: «إن هذا الاتفاق، إذا تمَّ وبدأت عملية التطبيع، فإن هناك مساراً طويلاً يتطلّب تفاهماتٍ أوسع، ولكن تكون لبنته قد وُضعت قبل الانتخابات لتجييرها أصواتاً لأردوغان في صناديق الاقتراع»، وإن كان الاعتقاد السائد لدى كثير من المراقبين أن ما قد يحصل سيكون خطوات مرحلية – آنية لن تصل إلى مرحلة الحلول النهائية أو التحوُّل الإستراتيجي.
فاللاعبون كُثر في الملف السوري، فإلى روسيا، وتركيا، والنظام السوري، هناك الولايات المتحدة الموجودة في شمال وشرق سوريا هي لاعب رئيسي أيضاً، وتضع يدها على الثروة النفطية، وعلى مصادر المياه، وعلى السلة الغذائية، وتقود التحالف الدولي لمحارية تنظيم «داعش»، وتدعم أكراد سوريا الذين يُشكِّلون العصب الأساسي لـقوات سوريا الديمقراطية. وإسرائيل لاعب آخر يتحكّم بالجوّ، وتتصدّى لمحاولات إيران الدؤوبة لإحداث تغيير في المعادلات على الأرض وتحويل الجنوب السوري إلى أرض مواجهة بعدما باتت كلفة فتح المواجهة من جنوب لبنان مُكلفة جداً لـ«حزب الله» الذراع الأقوى لها. وإيران لاعب يُفتّش على الدوام عن تعزيز أوراقه على المسرح السوري للضغط على أمريكا والغرب من بوابة أمن إسرائيل، التي يراها الورقة الرابحة على الدوام، وهو متمرِّس في كيفية الالتفاف على الاتفاقات والتملّص منها والانقلاب عليها. أما العرب، فهم الحلقة الأضعف في الملف السوري، لكن إعادة البناء في سوريا لا يمكن أن تحصل وتنجح من دونهم، ما يجعلهم لاعباً حتمياً في الملف.
المصالح بين اللاعبين الإقليميين والدوليين متناقضة في غالبيتها، تتوافق في ملفات وتختلف في أخرى. فمن الصعب القول إن حلفاً وثيقاً، أو جبهة، تقوم بين روسيا وتركيا وإيران، أو حتى روسيا والصين وإيران، كما يأمل «منظّرو المحور». هؤلاء يجتمعون كمتضررين من المشروع الأمريكي، ويتم التعاون بينهم على «القطعة». كذلك هو حال روسيا مع إسرائيل ومع الخليج. موسكو تعلم علم اليقين أن نتائج حربها على أوكرانيا ستُعيد رسم التوازنات الدولية، والتي ستترك انعكاساتها على التوازنات الإقليمية والمحلية وعلى الجغرافيا العالمية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية