لندن ـ «القدس العربي»: تنفس المدير الفني لريال مدريد كارلو أنشيلوتي، الصعداء بعودة الفريق إلى نغمة الانتصارات والعروض المقنعة للمرة الأولى منذ عودة اللاعبين من نهائيات كأس العالم 2022 في قطر، وذلك بعد افتراس خفافيش فالنسيا بثنائية نظيفة كانت قابلة للضعفين، في سهرة الخميس التي جمعتهما على ملعب «سانتياغو بيرنابيو»، ضمن مؤجلات الجولة السادسة عشرة للدوري الإسباني، ليبقي النادي الملكي على آماله في ملاحقة الغريم الأزلي برشلونة على صدارة الدوري الإسباني، بتقلص الفارق بينهما الى خمس نقاط، لكن هذا لم يقلل من مخاوف المشجع البسيط، الذي يخشى من مغبة العودة إلى المربع صفر، وبالتبعية يجعلنا نطرح السؤال الأكثر انتشارا في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في الأسابيع والأيام القليلة الماضية، لماذا تراجع أداء ونتائج الميرينغي هذا الموسم مقارنة بالنسخة الواقعية التي كان عليها في موسم ميستر كارليتو الأول في الولاية الثانية؟
أين الخلل؟
كما أشرنا أعلاه، أبلى رجال أنشيلوتي بلاء حسنا في مباراة نهاية الأسبوع، حيث كانت أشبه بالصحوة الجماعية للاعبين، وخصوصا رجال موسم الرابعة عشرة، وفي مقدمتهم الجناح البرازيلي فينيسيوس جونيور وثنائي الوسط الألماني توني كروس والكرواتي لوكا مودريتش، لكن بإلقاء نظرة سريعة على الأداء الجماعي والفردي في جُل المباريات قبل صدام الخفافيش، سنلاحظ الخلل الكبير والتباين الواضح في أسلوب اللعب وشخصية الفريق، مقارنة بالصورة التي انطبعت في الأذهان عن هذه المجموعة الموسم الماضي، كفريق يتسلح بخط وسط بجودة أعلى بسنين ضوئية عن باقي الخصوم المحليين والقاريين، حيث كان لوكا مودريتش، في أفضل حالاته في عام تتويجه بجائزة أفضل لاعب في العالم عام 2018، ومثله توني كروس وطيب الذكر البرازيلي كاسيميرو، خاصة بعد ارتفاع مستوى المنافسة في وجود الصغير الفرنسي إدواردو كامافينغا، لكن بعد المونديال تبدلت الأوضاع من النقيض إلى النقيض، وذلك لعدة أسباب، منها وقوع المخضرمين والكبار في السن في فخ «التعب والإجهاد»، ذاك السبب الذي أجبر المدرب على إجلاس لوكا وتوني على مقاعد البدلاء في معركة بلباو، وهي المباراة التي كشفت مدى جودة الوسط بدون الثلاثي الأساسي كروس ومودريتش والفرنسي الجديد تشواميني. صحيح أن كامافينغا، خرج من قلعة «سان ماميس»، بجائزة رجل المباراة التي انتهت بثنائية بنزيمة وكروس، لكن بشهادة المؤيد قبل الحاقد، بدا وسط الريال فقيرا وعلى مسافة بعيدة من الجودة والأناقة المعروفة عن الوسط الأبيض منذ سنوات.
كاسيميرو والنقص العددي
أثبتت المباريات والتجارب، أن الريال يعاني الأمرين بدون مسمار الوسط كاسيميرو، فصحيح أن الفرنسي تشواميني، يؤدي بشكل جيد، لكنه ما زال بحاجة الى مزيد من الوقت، لمحاكاة خبرة البرازيلي، وتأثيره الكبير داخل الملعب، بتلك الصورة التي يبهر بها عشاق مانشستر يونايتد، والعكس بالنسبة لجماهير الملكي، التي تعض أصابع الندم على التفريط فيه. وما زاد الطين بلة بالنسبة لأنشيلوتي، ابتعاد صاحب المركز رقم 6 (تشواميني)، بداعي الانتكاسة التي غيبته عن الملاعب في الأسابيع الماضية، تزامنا مع تفشي لعنة الإصابات في غرفة خلع الملابس، التي طالت مودريتش، وكروس، والظهيرين داني كاربخال، ولوكاس فاسكيز، وقلب الدفاع إيدير ميليتاو. ولأن المصائب لا تأتي فرادى، تجددت إصابة ميليتاو أثناء مشاركته أمام فالنسيا، والكارثة الأكبر، بتعرض القائد والهداف كريم بنزيمة لانتكاسة جديدة، وعلى إثرها قد يعود إلى نقطة الصفر، استكمالا لموسمه المعقد، الذي استهله بسلسلة غير مسبوقة من الإصابات، على إثرها غاب عن أغلب المباريات في فترة ما قبل كأس العالم، وهذا في حد ذاته، حرم الفريق من أكثر من 50% من قوته الضاربة في الخط الأمامي، والأمر لا يتعلق بفقدان جهوده في الثلث الأخير من الملعب، بل للتأثير السلبي لغيابه على تركيز اللاعبين داخل المستطيل الأخضر، باعتباره القائد والملهم، وقبل أي شيء رجل المواعيد الكبرى، كيف لا والحديث عن أفضل لاعب في العالم، والعلامة الفارقة في تتويج الفريق بلقبي الليغا وكأس دوري أبطال أوروبا الرابعة عشرة.
المداورة وتصحيح الأخطاء
مع تراجع المخزون البدني لتوني كروس، كما وضح في معاناته في القيام بأدواره الدفاعية في فترة غياب تشواميني، بجانب حالة التذبذب التي يمر بها مودريتش، بحكم ضغط المباريات وعدم حصوله على راحة تتناسب مع عمره بعد كأس العالم، لم يعد أمام الميستر كارليتو، سوى خيار المداورة، بالاستفادة من توهج سيبايوس، بعد انفجاره في ليلة ريمونتادا فياريال في كأس ملك إسبانيا، مع حل لوغاريذم الاستفادة من تشواميني وكامافينغا معا في خط الوسط، خاصة عندما يعدل الرسم التكتيكي لـ4-2-3-1، بدلا من أسلوبه المفضل 4-3-3، وذلك بسبب الحلقة المفقودة بين الثنائي الفرنسي، والتي تكمن في تألق كل منهما في مركز رقم 6، كما توهج كلاهما برفقة مودريتش أو كروس، بأخذ مهام لاعب الوسط المحوري، وترك الأدوار الهجومية لمعاونه على الدائرة، سواء في وجود اثنين في الوسط أو ثلاثة. ولا ننسى أن المدرب، سيكون بحاجة لمراجعة حساباته في بعض قراراته الفنية، التي تأتي بنتائج سلبية على تكتيكه داخل الملعب، أبرزها إعادة قلب الوسط النابض فيدريكو فالفيردي إلى مركزه الطبيعي، كلاعب وسط متعدد المهمات، وليس كجناح أيمن مهاجم، ذاك المركز الذي تسبب في إحباطه، بعد انطفاء بدايته الصاروخية، التي أسفرت عن تسجيل 12 هدفا في 23 مباراة، قبل أن يتدهور مستواه في مركزه الجديد، ونفس الهفوة الفنية التي يرتكبها الخبير الإيطالي، بتشتيت الألماني أنطونيو روديغر، بالاعتماد عليه في كل مراكز الدفاع، تارة ظهير أيسر، وتارة أخرى مدافع أيمن، ونادرا ما يعول عليه في مركزه الطبيعي، كقلب دفاع برفقة آلابا أو ميليتاو، هذا ولم نتحدث عن أزمة ضعف الجودة في مركزي الظهير الأيمن والأيسر، وثغرات أخرى تحتاج الى تدخلات عاجلة من قبل المدرب، أو بالأحرى بحاجة ماسة الى تغيير النظام، وذلك بالتفكير خارج الصندوق بما يتناسب مع إمكانات وقدرات اللاعبين، لتعود الأمور كما كانت عليه في الأشهر الـ18 الماضية.
هيبة ريال مدريد
قبل أي شيء، يحتاج أنشيلوتي ورجاله، الى استعادة الروح القتالية وعقلية الفوز، أو ما تُعرف إعلاميا وجماهيريا بـ«شخصية وهيبة ريال مدريد»، وهذا لن يتحقق إلا بثورة أو انتفاضة جماعية، بعودة القائد بنزيمة إلى نفس الحالة التي كان عليها في مثل هذه الأيام العام الماضي، وذلك بعد تعافيه من إصابته الأخيرة، ونفس الأمر ينطبق على فينيسيوس وردريغو وباقي اللاعبين الذين تباين مستواهم هذا الموسم مقارنة بالموسم الماضي، والحديث عن كاربخال وكروس وآخرين بحاجة الى التخلص من صداع تهاوي المستوى من مباراة الى أخرى ومن فترة الى أخرى، وإلا ستكون العواقب وخيمة في الأسابيع القليلة القادمة، التي ستكون فارقة في مستقبل المدرب مع النادي، لأهمية وصعوبة الاختبارات المحلية والقارية المنتظرة، والتي سيستهلها بمقارعة ليفربول في منتصف هذا الشهر في ذهاب دور الـ16 لدوري أبطال أوروبا، في مواجهة ثأرية بامتياز بالنسبة لعشاق الريدز، للرد على الهزيمة مرتين في النهائي عامي 2018 و2022، تمهيدا للاصطدام بعدو المدينة أتلتيكو مدريد في الجولة الثالثة والعشرين من الدوري الإسباني، ثم بتجدد الكلاسيكو مرة أخرى في ذهاب نصف نهائي كأس الملك، وذلك في نفس الأسبوع، والسؤال الآن: هل ينجو أنشيلوتي من العاصفة ويحقق الهدف المنشود، برد الصاع صاعين للبلو غرانا، بعد الخسارة بالثلاثة في نهائي الكأس السوبر الإسبانية في العاصمة السعودية الرياض الشهر الماضي، ويواصل المضي قدما في المنافسة على لقبي الليغا وذات الأذنين الخامسة عشرة؟ هذا ما سيجيب عنه أنشيلوتي وفريقه بعد الحصول على دفعة معنوية لا تقدر بثمن، بالفوز على فالنسيا مساء الخميس الماضي، قبل مباراة اليوم أمام مايوركا، التي سيطير بعدها إلى المغرب، بحثا عن جرعة من الثقة والتفاؤل من خلال المشاركة والفوز بكأس العالم للأندية.