صناعة الفخار تقاوم الاندثار في جنوب لبنان

حجم الخط
0

 حاصبيا – وسيم سيف الدين: تزين المصنوعات الفخارية منازل أهالي بلدة «راشيا الفخّار»، في منطقة حاصبيا جنوبي لبنان، فتجد الأباريق والجِرار معلقة أو موضوعة على الجدران والمداخل، وحتى على الأشجار المحيطة في المنازل.
وتصنف وزارة السياحة هذه البلدة بأنها سياحية، وذلك على خلفيّة مشاغل الفخار الحرفية فيها، ومواقعها الأثرية وطبيعتها المختلفة. ويواصل أهالي البلدة العمل الجاد والحثيث للمحافظة على حرفتهم التي باتت على مشارف الاندثار، حيث يقاومون التغيير لإبقاء فخّارهم حيّا، وهو الذي طالما كان فخرا لهم على مرّ الزمن.

أربعة حرفيين

يوجد في البلدة أربعة حرفيين ما زالوا يعملون كي يحافظوا على هذا الإرث الحي في كل منزل وحائط وشجرة، من خلال الفخاريات والأواني والجِرار التي باتت أقرب للتحف منها للاستخدام المنزلي. اللبنانيون وحتى زمن قريب كانوا يستخدمون الأواني الفخارية باعتبارها الوسيلة الوحيدة لتحضير الأطعمة وتخزين الحبوب وزيت الزيتون والسوائل الساخنة والباردة. ويروي أهالي البلدة أن تراجع حرفة الفخار تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، «عندما اضطر معظم سكانها لمغادرتها جراء الاعتداءات الإسرائيلية»، وكذلك انتشار الصناعات البلاستيكية والفولاذ والألومينيوم.
ويأمل أبناء البلدة الحفاظ على ما تبقى من الحرفة وإيصالها إلى الأجيال القادمة كي تبقى «راشيا الفخار» اسما على مسمّى.
وعن تاريخ صناعة الفخار في البلدة، يقول نائب رئيس بلديتها، بيار عطالله: «لا تاريخ محدد ربما مئات السنين، ولكن الحكايات تروي أن صناعة الفخار تعود إلى أناس من خارج البلاد وجدوا أن نوع تربة راشيا صلصالي الذي يصنع منه الفخار». وأضاف عطالله: «تتوفر في راشيا التربة (الصلصال) وخاصة الطين اللزج، ومناخ دافئ مناسب لصناعة الفخار، الذي يبدأ في فصل الصيف».
وتابع: «وجود الغابات والأحراش أيضا لتوفير الحطب لأنه ضروري لشيّ الفخّار في الأفران عند حرارة تصل إلى 1000 درجة مئوية تقريبا، كي يصبح قابلا للاستعمال في الأكل والطهي والشرب والتخزين». صناعة الفخّار شهدت ازدهارا هائلا بداية القرن العشرين، ويقال إن قوافل التجار كانوا يأخذون الفخّار من راشيا إلى شمالي فلسطين، صفد وحيفا وغيرهما، والجولان السوري ومناطق لبنانية، بحسب عطالله. ولفت إلى أن «هناك عدة عوامل لعبت دورا سلبيا في تراجع صناعة الفخّار، أولها تطور صناعة البلاستيك والزجاج، وكُلفتهما المنخفضة له».
ويرى نائب رئيس بلدية راشيا الفخار أن «إقفال الحدود بين جنوبي لبنان وشمالي فلسطين المحتلة، وكذلك الحدود مع الجولان السوري المحتل، بسبب الاحتلال الإسرائيلي أثر بشكل مباشر على هذه الصناعة».
وقال إن «ما تعرضت له المنطقة من قصف واعتداءات في سبعينات القرن الماضي دفع بالكثير من أبناء البلدة إلى النزوح لباقي المناطق، والهجرة خارج البلاد». وأضاف: «أتى فيما بعد البلاستيك والزجاج وحل محلّهم، وبالتالي نفهم سبب تراجع صناعة الفخّار، بالرغم من أن الفخّار صحي». ولفت عطالله إلى أن «هناك نحو 15 رجلا يتقنون صناعة الفخار»، واستدرك: «رغم إنشاء تعاونية لصناعة الفخار لكن العوامل متضافرة ضد إعادة إحياء الحرفة التي تعتبر فنا يدرس في جامعات أمريكية وفرنسا وحتى في بيروت».

متعدد الأشكال والاستعمالات

من خلال ما يعرضه من أباريق عند مدخل منزله، أشار عطالله، إلى أن «لكلّ منها وظيفة، فالإبريق يسمّى الطبّازة ويكون أسفله مسطّحا، ويتم تعبئته بالماء ويوضع فوق موقد التدفئة، لتسخين الماء». وتابع: «الإبريق الآخر له شكل مختلف قليلا، حيث كان الفلاح أو الناطور يعلّقه عند خاصرته، وكان بديلا عن عبوات المياه الحالية».
وعن إحدى الأواني الفخارية التي كانت تستخدم لتصفية القمح بعد سلقه، يقول: «هذه الآنية كانت تلعب دورا أساسيا في النظام الغذائي، وهذه الخابية باتت اليوم تستخدم للزينة في المنازل، كان يحفظ فيها القمح وزيت الزيتون». وتابع: «رغم ذلك، في كل بيت في راشيا هناك متحف للفخاريات». «أديب الغريب»، عميد صناع الفخار في البلدة، يشير إلى أن «هناك الكثير من أبناء البلدة يضع الفخار زينة، ولم يعد كما كان للاستخدام المنزلي».
عند مدخل منزلها عدة أباريق فخّار مملوءة بمياه الشرب، وهي دعوة وترحيب غير معلنة للزائر للارتواء منها، تشرح الحرفية سعاد الزوقي، مراحل صناعة الفخار. تقول: «عندما كان الأهل يعملون في صناعة الفخار قديما، كنت أنا من يرسم هذه الألوان على الفخار، وأعيدهم إلى الوالد، الذي كان هو المعلّم».
صحيح أنه لم يحن موعد صناعة الفخار، إلا أن الحرفي نذير عبدالله، أصرّ على صناعة بعض الفخاريات، وهو يحضّر عجينة الطين التي تحتاج إلى جهد جسدي في ظل غياب الكهرباء.
وقال عبد الله: «هذه المهنة صعبة، ولكن المشكلة تعلمها خلال فترة قصيرة، ومن يود تعلمها عليه البدء منذ الصغر». عبدالله، الذي يتفنّن في تطويع الطين بين يديه وصنع أشكال مختلفة من الأواني، أعرب عن أمله في أن تدعم الجهات الوصية هذه الحرفة والحفاظ عليها «ليس في راشيا فحسب، بل في كل البلدات اللبنانية التي كانت تشتهر بصناعة الفخار». وطالب بتوعية الناس بأهمية الفخّار الصحيّة بديلا عن البلاستيك وغيره، وما فيه من أضرار على صحة الإنسان. وتعاني البلاد منذ ثلاث سنوات أزمة اقتصادية طاحنة غير مسبوقة، مع انهيار قيمة العملة المحلية وشح في الوقود والأدوية، إلى جانب تراجع حاد في القدرة الشرائية. (الأناضول)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية