مجزرة أريحا ونفاق المسؤولين الأمميين

عبد الحميد صيام
حجم الخط
1

نيويورك-(الأمم المتحدة) »القدس العربي»: تتكرر الأسئلة وتتنوع هنا في مقر الأمم المتحدة لتواكب الانتهاكات المتعددة التي يعاني منها الشعب الفلسطيني يوميا تحت الاحتلال، وتتكرر إجابات المسؤولين الأممين وتقترب من بعضها بعضا حتى كدنا نحفظها غيبا. لكننا سنصر على إثارة هذه المسائل في لقاءاتنا اليومية. ففي رأينا أن السؤال أهم من الجواب لأنه يحمل في طياته بيان إدانة للموقف المتعثر والمتلعثم والمتردد لمسؤولي الأمم المتحدة الكبار الذين تخفت أصواتهم وتميع مفرداتهم أمام الجرائم الإسرائيلية اليومية ولكن تصبح قوية وواضحة ومباشرة إذا ما قام أحد الواقعين تحت الاحتلال بحركة يائسة وصرخ في وجه المستوطنين والمستعربين والجنود والشرطة والأمن وآليات القمع التي لا حصر لها. أما الجرائم التي ترتكبها إسرائيل بعيدا عن الأضواء والكاميرات، مثل الإهمال الطبي للأسرى، واعتقال الأطفال والجدار العازل والمداهمات الليلية والتهجير القسري والحواجز الثابتة والمتحركة والعقوبات الجماعية، فلا أحد يذكرها ولا ترد في التقارير الشهرية ولا يسأل عن غيابها من التقارير الشهرية أحد من أعضاء مجلس الأمن.

البيانات عادة تصدر إما عن الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، نفسه أو المتحدث باسمه، ستيفان دوجريك، أو عن ممثل الأمين العام في الأرض المحتلة ومنسق عملية السلام في الشرق الأوسط النرويجي، تور وينيسلاند، أحد صانعي اتفاقيات أوسلو الكارثية.
ولنبدأ بما جاء في رد المتحدث الرسمي للأمين العام، ستيفان دوجريك، على سؤال «القدس العربي» حول استشهاد خمسة فلسطينيين اغتيلوا بدم بارد على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي يوم الإثنين 6 شباط/فبراير في مخيم عقبة جبر بالقرب من أريحا، حيث قال إن الأمين العام، أنطونيو غوتيريش «يشعر بالقلق من تصاعد وتزايد العنف الذي نشهده، بما في ذلك حادثة هذا الصباح في أريحا. يجب أن تتوقف كل أعمال العنف على الفور. كما يدعو الأمين العام القادة من جميع الأطراف إلى المساعدة في تهدئة الموقف وممارسة أقصى درجات ضبط النفس».
بنفس اللغة تقريبا أصدر تور وينيسلاند بيانا حول مجزرة جنين يوم 26 كانون الثاني/يناير يقول فيه» إنه يشعر بالقلق العميق والحزن لاستمرار دورة العنف. من الضروري أن يتم تخفيف التوتر فورا ومنع سقوط المزيد من الضحايا. سأتابع التواصل مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية للتخفيف من التوتر واستعادة التهدئة وتجنب توسع النزاع».
مقابل ذلك أريد أن أستعرض بيانين لوينسيلاند عند قيام المقدسي خيري علقم ابن الـ 21 ربيعا، يوم 27 كانون الثاني/يناير والذي نفذ العملية في مستوطنة النبي يعقوب بمفرده بدون أوامر من فصيل مستهدفا المستوطنين قرب بيت حنينا في اليوم التالي لمجزرة جنين. وعملية دهس مستوطنين في مستوطنة رموت في القدس المحتلة يوم الجمعة 10 شباط/فبراير بعد أربعة أيام من مجرزة مخيم عقبة جبر نفذها أب لعدد من الأطفال اسمه حسين قراقع وعمره 30 سنة.
جاء في البيان بعد عملية النبي يعقوب أن منسق عملية السلام «يدين بشدة هذا الهجوم الإرهابي الفظيع من قبل منفذ فلسطيني خارج كنيس يهودي في القدس والذي أودى بحياة سبعة إسرائيليين على الأقل وجرح آخرين. لا يوجد هناك أي مبرر لمثل هذا العمل والذي يجب أن يدان ويرفض بكل وضوح من الجميع».
نفس اللغة تكررت في بيان وينيسلاند بعد عملية الدهس في «مستوطنة رموت في القدس الشرقية» كما جاء في البيان أي أنه يعترف بأن العملية جرت في مستوطنة وضد مستوطنين. وبدأ البيان بإدانة قتل إسرائيليين إثنين أحدهما طفل في السادسة. وتابع «مثل هذه الهجمات الفظيعة وتمجيدها تغذي دائرة العنف الدموي الذي لا نهاية لها ويجب أن تدان من الجميع».
وقد أثرنا مع الأمين العام نفسه مرارا وتكرار مسألة ازدواجية اللغة وحصر لغة الإدانة عندما يرتكب الفلسطينيون عملا مقاوما يؤدي إلى سقوط قتلى إسرائيليين بينما تقتصر اللغة على القلق والحزن عندما يقتل الفلسطينيون. ولم نتلق أبدا أي جواب.
كان عام 2022 الأكثر دموية منذ 2005 في الضفة الغربية حيث أردي أكثر من 219 فلسطينيا من بينهم 55 طفلا وأغلقت منظمات حقوق الإنسان واستهدف الصحافيون ونجمتهم الأشهر الشهيدة شيرين أبو عاقلة ومع هذا لم نسمع لا الأمين العام ولا ممثلوه يدينون بصوت عال هذه الجرائم. حتى اقتحام إيتمار بن غفير للمسجد الأقصى يوم 3 كانون الثاني/يناير لم يصدر وينيسلاند أي بيان لا من قريب ولا من بعيد. وعلل المتحدث الرسمي ذلك بوجوده خارج البلاد، وسألت «وهل إصدار بيان إدانة يتطلب أن تكون في نفس المكان؟» وعند الضغط حول هذه المسألة كرر الأمين العام نفس اللغة الخشبية قائلا في مؤتمره الصحافي بمناسبة نهاية العام: «نحن قلقون بالطبع، لأننا نؤمن أنه لا يوجد حل بديل لحل الدولتين. نحن أيضا قلقون لما يحدث مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة. ومن المهم أن يقف المجتمع الدولي بأكمله ويبلغ إسرائيل ألا بديل لحل الدولتين، وأن أي خطوات أحادية يجب ألا تؤثر على حل الدولتين». حل الدولتين الكذبة الكبرى التي استخدمت شماعة للاستيلاء على مزيد من الأرض بأقل عدد من السكان.

اللغة الدبلوماسية ليست اعتباطية

– قتل الفلسطينيين يثير القلق بينما قتل الإسرائيليين يستوجب الإدانة ويوسم بالإرهاب.
– العمليات الإسرائيلية توضع في إطار تبريري مثل «ردا على عملية ما، أو لوجود مسلحين أو متطرفين».
– قتل الفلسطينيين تعقبه المطالبة بضبط النفس والتهدئة وقتل الإسرائيليين يؤدي إلى تغذية دائرة العنف، مبررا عمليات انتقامية قادمة.
– مع اعتراف البيانات بأن بعض العمليات تجري في المستوطنات وتستهدف المستوطنين إلا أن هذا لا يعني شيئا، علما أن المستوطنات غير شرعية من منظور الأمم المتحدة والقانون الدولي، وبالتالي فكل من سكنها يكون وجوده غير شرعي. وقد التزم الأمناء العامون منذ أو ثانت لغاية نهاية الدورة الثانية لكوفي عنان (2006) بعدم إدانة قتل الجنود والمستوطنين في الأراضي المحتلة لغاية الأمين العام القلق، بان كي مون، الذي بدأ يدين استهداف المستوطنين وسار على سنته الخطيرة وغير الشرعية الأمين العام الحالي وممثلاه الأخيران في الأراضي المحتلة نيكولاي ملادينوف والحالي تور وينيسلاند.
– لا ينسى أبدا وينيسلاند إدانة تعظيم الشهداء عند الفلسطينيين والفصائل فيطالب دائما بوقف التقدير والاحترام لعمليات المقاومة كما يطالب القيادات والفصائل أن تدين هذه العمليات وتكف عن تمجيد منفذيها.
– لقد استخدم الأمين العام وممثلوه في الأرض المحتلة لغة مضللة وخطيرة تساوي بين الضحية والجلاد حيث يطالبون الأطراف المعنية في النزاع وعلى نفس المستوى بضبط النفس والعمل على التهدئة والابتعاد عن التحريض بدون تفريق بين شعب تحت الاحتلال وسلطة قائمة على الاحتلال.
هذه اللغة التي تخاطب الطرفين تفترض أن فلسطين والكيان الصهيوني متساويان في القوة والعَدد والعُدد والإمكانيات والكفاءة القتالية والتسلح والتدريب وامتلاك التقنيات الحديثة والاستخبارات وأجهزة التنصت والمراقبة والتجسس والأموال والمساعدات الخارجية والدعم المطلق من قوة عظمى لم تترك مجالا لتقوية شوكة هذا الكيان إلا وعملتها. فهل هذا صدفة؟ وهل هذا عدل؟ هذه اللغة المضللة جريمة في حد ذاتها وانحراف خطير عن حقيقة الأوضاع التي يمكن اختزالها بكل بساطة: شعب يرزح تحت الاحتلال وقوة قائمة على الاحتلال.
إن هذا النهج في التعامل المشبوه والتمويه المقصود مع ما يجري في فلسطين لا يزيد عن كونه إعطاء رخصة إضافية للقاهر الظالم المعتدي للتمادي في غيّه وظلمه وقهره وتوسيع دائرة الانتهاكات التي يمارسها من جهة، ومن جهة أخرى إنها دعوة للضحية بالاستكانة والخنوع والهدوء والتسليم بالقضاء والرضوخ لإرادة القوي. هذا أمر لا يقبل به الشعب الفلسطيني وسيواصل مقاومته الشرعية إلى أن يحقق مشروعه الوطني في أرض فلسطين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية