بعد قليل على الهجوم الإسرائيلي الأخير على مدينة أريحا، أقصى شرق الضفة الغربية، الذي أسفر عن استشهاد خمسة شبان فلسطينيين وإصابة آخرين، غرد الناشط والمتحدث الإسرائيلي، آفي ماير، وقال «اليكم هذه المعلومة البسيطة التي تستحق المشاركة، وهي بالتأكيد ستزعج حماس: القوة الإسرائيلية التي أجهزت على مسلحي حماس كانت تتألف في غالبها من مجندات (إناث) من كتيبة أسود الوادي التابعة للجيش الإسرائيلي».
اللافت في منشور ماير، الذي يصل عدد متابعي حسابه على تويتر إلى نحو 140 ألفا، معظمهم كما يبدو في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تخرج في إحدى جامعاتها وعمل فترة مع لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأمريكي، أنه نشر مع التغريدة أيضا صورة لمجندتين تديران ظهرهما، بينما أعاد في أكثر من تغريدة أخرى نشر صور المقاومين الفلسطينيين الذين استشهدوا في الهجوم، بوجوه واضحة مبتسمة في معظمها.
وعلى ما يبدو أن الناشط الإسرائيلي، الذي يعتبر أحد أكثر المؤثرين «اليهود» على تويتر، كان يغمز من قناة المس بكبرياء المقاومين الفلسطينيين وتصويرهم وهم شبان في مقتبل العمر، على أنهم مستهترون غير مبالين لا بحياتهم ولا بحياة الآخرين، مقابل صورة المجندات في اللباس العسكري النظامي، الرصينات الحريصات على عدم الكشف عن هويتهن، التزاما بالمعايير المهنية للجيش.
وعشية الهجوم، حاصرت إسرائيل أريحا على مدار ثمانية أيام، وأحالت حركة الفلسطينيين منها وإليها، وهي بوابة الضفة الغربية الوحيدة إلى العالم الخارجي، معاناة حقيقية، واستهدفت الشبان بشكل خاص وأخضعتهم على الحواجز العسكرية التي نصبتها لإجراءات و«عقوبات انتقامية مذلة» وفق ما أفاد به شهود، وأكدته تقارير منظمات إنسانية.
وخلال أيام الحصار عاث الجيش الإسرائيلي في مدينة أريحا ومحيطها، وخرب ممتلكات عامة (طرق) وأخرى خاصة مزرعة دواجن، وفق ما أفاد شهود.
منسوب انتقامي آخذ بالارتفاع
ربما كانت هذه الإجراءات شبيهة بتلك التي يمارسها ومارسها جيش الاحتلال الإسرائيلي على مدار عقود من سيطرته على الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن منسوبها الانتقامي آخذ بالارتفاع، لا سيما مع ظهور المزيد من المقاومين الفلسطينيين الشبان في مختلف مناطق الضفة الغربية، وصولا إلى أريحا التي طالما حازت على لقب المدينة الأكثر هدوءا في فلسطين.
وشهدت مدينتا جنين ونابلس، على مدار العام الماضي مواجهات عنيفة بين المقاومين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي، استخدم خلالها الجيش قوات مدمرة لاسيما في آخر هجوم على مخيم جنين، ذهب ضحيته 9 فلسطينيين.
وقد كان عزم إسرائيل أقوى بكثير في هجوم أريحا من قدرات المقاومين الفلسطينيين الذين تسلحوا ببنادق رشاشة، وارتدوا زي حماس، لكنهم تحصنوا في كوخ خشبي صغير لا يكاد يذكر أمام قوة نيران الكتيبة الإسرائيلية المدججة المدعومة بمختلف المعدات والتجهيزات الخاصة بجيش كبير.
وقال مراسلون صحافيون واكبوا الهجوم الذي وقع في مخيم عقبة جبر لللاجئين، عند مدخل أريحا الجنوبي، في حديث لـ«القدس العربي» إنهم استغربوا كثيرا من حجم القوة الضاربة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي ضد المقاومين الفلسطينيين.
وقال أحدهم: «بدا لي الأمر وكأنه دبر وخطط ليظهر بهذه الصورة الرادعة الفظيعة، لا أستطيع أن أفكر في أي تفسير آخر على الإطلاق». وأضاف «كان الأمر انتهى قبل أن يبدأ. لم يستغرق الهجوم الكاسح أكثر من 15 دقيقة وكان الدم يحيط بالمكان، ولم تقع إصابة واحدة في صفوف الإسرائيليين المهاجمين».
وفي أغلب الهجمات، يحتجز الجيش الإسرائيلي جثامين المقاومين الفلسطينيين، وعادة ما يقوم بدفنهم في مقبرة غير معلن عنها، باتت تعرف باسم مقبرة الأرقام، حيث تحتجز مئات من الجثامين أبقتهم على مدار عقود من عمر الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، في إجراء عقابي متواصل، لاسيما لعائلات وذوي المختطفة جثامينهم.
اعتقالات يومية وهدم منازل
ربما كان للهجوم الذي نفذه شاب فلسطيني في مستوطنة النبي يعقوب في القدس الشرقية الشهر الماضي وقتل فيه ثمانية إسرائيليين، والهجوم الذي تلاه في بلدة سلوان قرب القدس، ونفذه فتى في الثالثة عشرة، وقعه الكبير على تحرك إسرائيل الأخير في أريحا الوادعة.
لكن وتيرة الهجوم الإسرائيلي في تسارع مستمر، وتشمل اعتقالات يومية وهدم منازل، واعتقال أقارب مقاومين وفرض إجراءات انتقامية بحقهم، وتضييق الخناق على أهالي الضفة الغربية، لاسيما الشبان منهم والذين يمثلون أغلبية السكان.
ويقول أحمد عيسى، وهو خبير أمني وضابط متقاعد في جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني في حديث لـ «القدس العربي»: «واضح تماما أن إسرائيل تستخدم طريقة الانتقام والردع مع هذا الجيل الجديد من الفلسطينيين الذين يحملون مقاربة سياسية تختلف عن أسلافهم».
وأضاف: «ظل الفلسطينيون على مدار أجيال يتنازلون عن مطالبهم تحت وطأة الضغوط وميزان القوى الذي يميل لصالح إسرائيل، ولكن هذا الجيل الجديد لا يأبه لذلك ولا يعترف به. وتدرك إسرائيل الأمر، لكنها تتصرف كمستشرق وتضع الحلول الخطأ، تعتقد سدى أنها ستخضعهم».
ولعل الأرقام تؤكد ما يذهب إليه عيسى، إذ تفيد الإحصاءات الرسمية أن أكثر من أربعين فلسطينيا قتلوا برصاص إسرائيل منذ بداية العام 2023 الحالي، 35 منهم قتلوا في شهر كانون الثاني/يناير الماضي، ولا يكاد يمر يوم لا تسجل فيه اشتباكات بين الشبان والجنود أو المستوطنين الإسرائيليين في أنحاء الضفة الغربية المختلفة.
وتعتبر المواجهات المتواصلة منذ بداية العام الماضي 2022 وحتى اليوم، الأعنف منذ اندلاع ما عرف بالانتفاضة الثانية أو انتفاضة الأقصى عام 2000 والتي استمرت قرابة أربعة أعوام وأعادت خلالها القوات الإسرائيلية احتلال مدن الضفة الغربية التي كانت آلت إلى السيادة الفلسطينية حسب اتفاق أوسلو.
وعمليا توقفت مفاوضات التسوية السياسية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي منذ عام 2014 ولا يبدو ان ثمة مؤشرات لتحركها مجددا، لاسيما مع تولي حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو واليمين الفاشي الحكم في إسرائيل.
ومؤخرا أعلن الجانب الفلسطيني وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، بسبب هجمات الأخيرة المتكررة على المدن الفلسطينية. ويجري وسطاء من أمريكا ومصر والأردن محادثات لتحقيق تهدئة تسمح بوقف الهجمات وموجة العنف التي تضرب المنطقة.
لكن لا مؤشر على تحقيق اختراق في المدى المنظور، حيث تمعن إسرائيل في تشديد عقوباتها ضد الفلسطينيين والتضييق عليهم اقتصاديا ومواصلة خصم مئات ملايين الدولارات من حساب الضرائب التي تجبيها نيابة حسب اتفاق أوسلو.
وفي القدس الشرقية حيث التوتر على أشده، قتل إسرائيليان الجمعة في عملية «دهس» قالت إسرائيل ان مهاجما فلسطينيا نفذها. وازداد التوتر مع تولي حكومة اليمين المتطرف الحكم في إسرائيل، وهي حكومة تعلن رفضها لمنح الفلسطينيين دولة مستقلة وتدعو إلى ضم الضفة الغربية.