الناصرة ـ «القدس العربي»: يبدو الفلسطينيون أحيانا وكأن قوتهم في ضعفهم، فرغم انقسام فصائلهم وانحسار دورها وترهلها، ورغم النفاق الدولي والتطبيع العربي فإنهم يوجهّون ضربات موجعة للاحتلال الإسرائيلي الذي يجد نفسه بدون حيلة في مواجهة عمليات فلسطينية ينفذّها أفراد لا ينتمون لمنظمات المقاومة. آخر هذه العمليات جاءت مجددا في القدس لب الصراع المستمر منذ قرن ونيف، عملية استخدم فيها منفذها مركبته ودهس عددا من الإسرائيليين داخل مستوطنة «راموت» في القدس المحتلة فقتل وأصاب ثمانية منهم. جاء ذلك بعد يومين على عملية قتل الاحتلال خمسة شباب فلسطينيين وإصابة آخرين منهم داخل عقبة جبر شمال مدينة أريحا في الضفة الغريبة المحتلة منذ 1967. بدت عملية «راموت» في تزامنها كثأر لمهاجمة مخيم عقبة جبر مثلما أن عملية «نافية يعقوب» جاءت ردا على المذبحة الإسرائيلية داخل مخيم جنين. وهناك عدد كبير من الجهات في إسرائيل تحذّر من انفجار أمني جديد في الأراضي الفلسطينية المحتلة متوافقة مع تحذيرات رئيس المخابرات الأمريكية الذي قال في الأسبوع الماضي إن ما يراه في الوضع الراهن يشبه لحد كبير المشاهد والأجواء السائدة في البلاد عشية الانتفاضة الثانية عام 2000. وتحذر أوساط إسرائيلية مختلفة أيضا من ذلك وتنبه إلى أن الانتفاضة الثالثة ستكون مغايرة وأكثر دموية وخطورة وهناك من ينعتها بـ «انتفاضة الاستنزاف» على خلفية قيام أفراد بتنفيذ عمليات بدون أي انتماء لتنظيم وبشكل مفاجئ ما يثقل على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ويفشل مساعيها في الضربات الاستباقية الوقائية وإحباط العمليات الفلسطينية قبل أن تقع. ويبدو أن هذا التصعيد في العام الأخير هو نتاج عدة عوامل منها فقدان الأفق السياسي لدى مئات آلاف الشباب الفلسطينيين ممن يجدون أنفسهم محاصرين وبلا أمل ومقيدين وتحت رحمة جنود الاحتلال من حاجز إلى حاجز. وما يزيد من وطأة التوتر ويدفع نحو المقاومة خاصة الفردية هو محاولات إسرائيل بصرف النظر عن حكوماتها حسم الصراع بدلا من إدارته وسط استغلال للصمت الدولي والتطبيع العربي والحالة الفلسطينية المهلهلة.
انتهاك حرمة الأقصى
يضاف لذلك الاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة على الحرم القدسي الشريف ومحاولة تقاسمه بفرض حقائق على الأرض على غرار ما فعله الاحتلال في الحرم الإبراهيمي في الخليل. وبالنسبة للفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر فإن الأقصى هو آخر القلاع ولب الصراع وخط الدفاع الأخير بصفته قاسما مشتركا جامعا لكل الشعب الفلسطيني داخل الوطن على طرفي الخط الأخضر وفي الشتات، وبصفته معلما دينيا تاريخيا أثريا حضاريا مهما وهذا ما يفسر انتفاضتهم فيما يعرف بـ «هبة الكرامة» في أيار/مايو 2021.
إسرائيل التي توهمت بإمكانية حسم الصراع وفق شروطها وإملاء ما تريده وترك الفتات للفلسطينيين ملأت الأرض الفلسطينية في السنوات الأخيرة تهويدا واستيطانيا ما زاد الاحتكاك والصراع على الموارد مع الفلسطينيين الذين باتوا يشعرون بالحصار يخنقهم يوميا وهذا ما يفسر تفاقم التوتر والصدامات. فالضغط يولد الانفجار في كل مكان وزمان فما بالك في الحالة الفلسطينية التي يستشعر فيها الفلسطينيون أنهم مستهدفون، ظهورهم للحائط يسرق وطنهم من تحت أقدامهم كلما تشرق الشمس ويصطدمون بالاستعلائية الإسرائيلية والفوقية العرقية اليهودية كلما غاب نهار آخر؟ من جهة إسرائيل وضمن استراتيجية حسم الصراع بالحديد والنار والآن من قبل حكومة متطرفة وعنصرية وغيبية، تعمل قوات الاحتلال بطريقة «جزّ العشب» وهي تعمي قطع رأس كل من يحتج ويحاول التمرد أو المقاومة بدون رحمة وبالضغط السريع على الزناد وهذا ما يفسر الهجمات المتتالية على نابلس وعلى مخيم جنين والآن على مخيم عقبة جبر وغيره.
طنجرة الضغط
من يطلع على ما يدور داخل طنجرة الضغط يعلم أن الانفجار كالهزة المدمرة بات وشيكا والسؤال متى، فالأجواء مشبعة بالبنزين خاصة في ظل الاعتداءات المتكررة على عروبة القدس وتنتظر عود ثقاب يشعل حريقا كبيرا. ويحذر مراقبون إسرائيليون من ذلك ويخشون أن النار الكبرى ستشتعل في آذار/مارس شهر الأرض وشهر الصيام رمضان هذا العام. ويعلم المطلعون على حلبة الصراع أن ما يجري الآن هو مجرد «برومو» و «مناظر» لفيلم رعب حقيقي يتصرف فيه الفلسطينيون كمن يدافع عن آخر الحصون وعن ماء الوجه والكرامة في معركة قد تكون أو لا تكون بعدها نتيجة العوامل المذكورة وربما تكون «هبة الكرامة» التي اجتاحت فلسطين من نهرها إلى بحرها في أيار/مايو 2021 مجرد مثال وصورة مصغرة لصورة الصراع الذي يشهد عملية بلقنة أي استنساخ الصراعات الدموية التاريخية في البلقان التي سيختلط فيها الحابل بالنابل بين الإسرائيليين وبين الفلسطينيين حتى داخل أراضي 48 وتحديدا في مدن الساحل التاريخية يافا واللد والرملة وحيفا وعكا وغيرها.
مخيم عقبة جبر وكتيبة أريحا
وجاءت مهاجمة الاحتلال لمخيم عقبة جبر الواقع في قلب منطقة الأغوار الهادئة عادة ضمن هذه التفاعلات، حيث قالت وسائل إعلام إسرائيلية إن قوات الاحتلال الإسرائيلي فشلت في اعتقال منفذي الهجوم على مستوطنة ألموغ في الأغوار، وذلك خلال اجتياح الاحتلال لمخيم عقبة جبر في المرة الأولى وقبل ارتكاب مذبحة فيه. ثم ما لبثت قوات الاحتلال أن ضربت حصارا على مدينة أريحا لنحو عشرة أيام شمل ذلك اقتحاما لأحيائها ومخيماتها لا سيما مخيم عقبة جبر.
ولم يكن اقتحام مخيم عقبة جبر عاديا، إذ جاء بعد أسبوع من الحصار لأريحا، واستخدم فيه جيش الاحتلال خمسة من أذرعه العسكرية المخابراتية، وأطلق القذائف الصاروخية والرصاص الحي الذي أصاب به 13 فلسطينيا واعتقل آخرين. وخلال الاقتحام تصدى مقاومون لجنود الاحتلال واشتبكوا معهم لساعات أظهرت عملا مفاجئا بأبعاده زمانا ومكانا وطريقة لم تشهدها المدينة المعروفة بهدوئها النسبي، وبعدها عن الاحتكاك المباشر مع الاحتلال، ما عكس حدثا نوعيا تبنته «كتيبة مخيم عقبة جبر» أو «كتيبة أريحا» كما أطلق عليها، وصارت فيه حديث الساعة. وسبق فعل الكتيبة قولها والإفصاح عنها علنا، بعدما تبنى عناصرها الذين ينحدرون من فصائل المقاومة الفلسطينية المختلفة تصديهم لعشرات الجنود الذين اقتحموا مخيم عقبة جبر، وأكدوا خوضهم اشتباكات مسلحة معهم. ومن المخيم ذاته تتخذ «كتيبة أريحا» – وفق ما رُشح إعلاميا- مقرا لها، ومنه انطلق عملها، حيث ظهر أفراد منها بهيئتهم العسكرية وبسلاحهم الخفيف وهم يجوبون شوارع المخيم بُعيد انسحاب جيش الاحتلال منه، بينما عمَّ دوي رصاصهم أرجاء المكان.
وهو ما أكدته صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، حيث قالت إن «عشرات المسلحين كانوا ينتظرون قوات الجيش في أريحا» مضيفة «حتى في أهدأ مدينة بالضفة الغربية، فإن المسلحين لهم سيطرة وقت الأحداث الأمنية».
وأكثر من غيرها من فصائل المقاومة برزت كتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» وتحت اسم «كتيبة مخيم عقبة جبر» خلال التصدي للاقتحام، وسبق ذلك تبنيها ضمنيا في بيان مصور ألقاه أحد أفرادها، لعملية إطلاق النار صوب مطعم المستوطنين في مستوطنة «ألموغ».
وقتها جاء في البيان أنه أمام انتهاكات الاحتلال فإنهم «في كتائب عز الدين القسام، كتيبة عشاق الشهادة، نعلن بدء الحرب على الاحتلال الصهيوني بكل قوة وبكل الوسائل». وأمام الواقع الجديد في مدينة أريحا ذات البعد الأمني والجغرافي والسياحي المهم، تنوعت آراء مطلعين وخبراء سياسيين وأمنيين حول هذا الظهور للكتيبة وأمده وفعله على الأرض وامتدادها أسوة بغيرها من كتائب المقاومة بالضفة، لكنهم أجمعوا أنها جاءت كردَّ فعل طبيعي على جرائم الاحتلال المتصاعدة خاصة أن الشباب فقدوا الثقة بفكرة التسوية وبالقيادات التقليدية.
قوة الشباب
وفي هذا المضمار يقول الخبير الأمني اللواء واصف عريقات لـ«الجزيرة» إن كتيبة أريحا امتداد لنظيراتها بمختلف مدن الضفة الغربية، وقوامها الشباب الفلسطينيون المسلحون بعزيمتهم وإرادتهم والذين راهن الاحتلال على نسيانهم لقضيتهم، فتبين أنهم أكثر عمقا وتصديا له.
ورغم «تفاوت» الإمكانيات بين نابلس وجنين وأريحا برأي عريقات، فإن «المقاومين من حيث الإرادة والشجاعة ومعركة العقول والقدرة على التخطيط هي واحدة». وعلَّل عريقات ظهور الكتيبة بمكانها (أريحا) الذي يوصف بأنه ذا ثقل أمني للاحتلال الذي يحاصر المدينة بمستوطناته ومعسكراته، بأن المحفز الأكبر لمقاومة الاحتلال هو ممارساته وجرائمه، وحيث تستمر هذه تتصاعد المقاومة.
مقارنة مع نابلس وجنين
ووصف عريقات أن ما يجري هو نموذج لمقاومة «الجيش المجهول» الذي يرعب إسرائيل، وقال إن قوة هذه الكتيبة ظهرت بأثرها على الأرض رغم ظهورها السريع، وإفشالها لعملية الاحتلال التي شاركت بها وحدات خاصة من الجيش ومختلف الأجهزة الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية. وإضافة للسرية وما أبدته الكتيبة من مقاومة بأول صولاتها رغم حداثتها وظهورها المفاجئ زمانا ومكانا والذي شكَّل «صفعة للاحتلال ولمنظومته الأمنية» فإن خالد براهمة الناشط السياسي وابن أريحا توقع أن يطول عمرها وتتصاعد مقاومتها كنتيجة طبيعية لاعتداءات الاحتلال وهمجية مستوطنيه. وبين هذا وذاك لا يرى بلال الشوبكي أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل جنوبي الضفة الغربية أن كتيبة أريحا – ومثلها كثير- تنظيم واسع وعميق، وإنما تآلف مجموعة من العناصر المؤيدة للمقاومة، وبالتالي لا يُتعامل معها كتشكيلات متمكنة ولديها هيكلية واضحة. وكتيبة أريحا -وفقا للشوبكي- تشبه ما جرى بجنين ونابلس مع خبرة أقل، ومن الطبيعي أن تتأثر بالأحداث العامة كحال المدن الفلسطينية، ولكن لا يُنظر لها «كاستثناء» من بين مدن الضفة الغربية التي يتفاوت فيها الهدوء هي الأخرى.
ويقول الشوبكي «هذا لا يعود لتكوين مختلف للفلسطينيين في أريحا بقدر ما يعود إلى ظروف أريحا الجغرافية وظروفها الأمنية المختلفة عن مناطق أخرى تشهد مواجهة أشد».
وطبقا لمعطيات وكالة غوث اللاجئين فإن مخيم عقبة جبر قد تأسس عام 1948 على مسافة ثلاثة كيلومترات إلى الجنوب الغربي من أريحا. وقبل حرب 1967 كان عدد اللاجئين المسجلين يبلغ 30.000 الأمر الذي جعل المخيم هو الأكبر في الضفة الغربية. وكان السكان الأصليون للمخيم ينحدرون من قرابة 300 قرية شمال حيفا بالإضافة إلى مناطق غزة والخليل. ومثله مثل باقي المخيمات في الضفة الغربية، فقد بني المخيم فوق قطعة من الأرض قامت الأونروا باستئجارها من الحكومة الأردنية. وقد فر العديد من اللاجئين إلى الأردن خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967. وأصبح المخيم واقعا تحت سيطرة السلطة الفلسطينية بعد توقيع اتفاقية القاهرة عام 1994. وما تبقى من اللاجئين في المخيم ينحدرون من 22 قرية بما فيها دير الدنام، عجور، المسمية، العباسية، بيت جبرين، تل الصافي، بيت دجن، يازو، كفر عنا. كما انتقل بعض الأشخاص من غير اللاجئين للعيش في أراضي المخيم وقام البعض منهم وبشكل غير قانوني ببناء المنازل هناك. ويعمل السكان اليوم بشكل رئيسي في الزراعة في وادي الأردن، أو في المستوطنات الإسرائيلية المجاورة. وفي الوقت الذي تعد فيه كافة المنازل مرتبطة بالبنية التحتية للكهرباء والمياه العامة، إلا أن الأمن المائي يعد مشكلة رئيسية في هذه المنطقة الصحراوية حيث يواجه السكان نقصا شديدا في المياه خلال الصيف مما يترتب عليه صعوبات جمة. والأونروا تستطيع توفير القليل من الماء للمخيم من خلال ضخه من الينابيع المجاورة، وذلك على الرغم من أن شركة المياه الإسرائيلية ميكيروت هي المزود الرئيسي للمياه في المخيم. وخلال أوقات المطر الشديد فإن المياه تغمر منازل السكان.
وتبلغ نسبة البطالة في المخيم 28 في المئة، وهي تتأثر نتيجة عدم إمكانية الوصول إلى سوق العمالة الإسرائيلي.