ما سر معاناة محمد صلاح هذا الموسم؟

حجم الخط
2

لندن ـ «القدس العربي»: تضاعفت الضغوط والانتقادات اللاذعة على الملك المصري محمد صلاح، أكثر من أي وقت مضى، لابتعاده عن مستواه المعروف عنه، والنسخة البراقة التي رسمها لنفسه منذ انتقاله إلى ليفربول منتصف العام 2017، كواحد من كبار جلادي حراس المرمى في الدوري الإنكليزي الممتاز، وفي رواية أخرى، المنافس الدائم على جائزة «الحذاء الذهبي»، كأفضل هداف في الدوري الأكثر شهرة عالميا، قبل أن تتبدل أوضاعه من النقيض إلى النقيض، بالتراجع الملموس في إنتاجيته منذ بداية الموسم الجاري بوجه عام وفي الأسابيع القليلة الماضية بالأخص، والسؤال الذي يطارد عشاق الميغا ستار والنادي في أضغاث أحلامهم ويحاولون الوصول لإجابة منطقية، ماذا جرى لصلاح هذا الموسم؟ لماذا تراجع مستواه؟ ما الأسباب؟ وإلخ.

أرقام وتأرجح

من الناحية النظرية، يبدو وكأن قائد الفراعنة يبصم على موسم جيد، بتوقيعه على 17 هدفا بالإضافة إلى 7 تمريرات حاسمة من مشاركته في 31 مباراة في مختلف المسابقات، منها 7 أهداف يتقاسم بهم صدارة هدافي دوري أبطال أوروبا مع قناص باريس سان جيرمان كيليان مبابي، لكن على أرض الواقع، سيكون من الصعب المقارنة بين حصيلة أهدافه وتأثيرها على نتائج الفريق، وبين الموسم الماضي الذي ختمه بـ31 هدفا في كل البطولات، منها 23 هدفا في البريميرليغ، كانت كفيلة لتقاسم جائزة الهداف مع الكوري الجنوبي هيونغ مين سون، ولا حتى معجزاته في موسمه الأسطوري الأول، والدليل على ذلك، ندرة أهدافه المؤثرة، كهدفه الحاسم في شباك مانشستر سيتي في كلاسيكو الجولة الـ11، في 16 أكتوبر/تشرين الماضي، وثنائيته في توتنهام قبل أسبوع من توقف كأس العالم، وما تعرف بدقائق توهجه في ليلة دهس غلاسغو رينجرز الاسكتلندي، بسباعية مقابل هدف، منها هاتريك للمو بعد مشاركته كبديل في آخر ربع ساعة. باستثناء ذلك، لم يحالفه التوفيق لصناعة الفارق لفريقه في اللحظات المعقدة، لدرجة أنه ما زال يبحث عن هدفه الأول في الدوري الإنكليزي الممتاز، منذ احتفاله الأخير بهدفه السابع في البريميرليغ في شباك أستون فيلا، حين افتتح باب التسجيل لأحمر الميرسيسايد في جولة «البوكسينغ داي» أمام أستون فيلا. وفي المقابل اكتفى بهدف وحيد طوال تلك الأسابيع، وكان في شباك ولفرهامبتون في مباراة الدور الثالث لكأس الاتحاد الإنكليزي، التي انتهت بهدفين للكل.

ضحية المنحوس

واحدة من الأمور التي أعاقت صلاح على محاكاة الأيام الخوالي، بالوصول إلى بداية شهر الحب وفي سجله ما يزيد على 17 هدفا على مستوى البريميرليغ، تكمن في التأثير السلبي لوجود الوافد الجديد داروين نونييز، صاحب الأسلوب المختلف عن شريك الأمس ساديو ماني، كونه على الورق يشغل مركز المهاجم رقم 9 (صندوق)، وهذا يعني بالضرورة، أنه جاء إلى «الآنفيلد»، ليتسلم مهمة تسجيل الأهداف من النجم المصري، أو على الأقل، ليكون صاحب اللمسة الأخيرة داخل المربع الذهبي، بالكيفية التي يرهب بها إيرلنغ براوت هالاند، خصوم مانشستر سيتي محليا وقاريا، وهذا الأمر أحدث ما يمكن وصفه بالخلل في نظام الإعدادات الخاص بصلاح، وما ساهم في تفاقم الأزمة، تأخر انسجام المنحوس اللاتيني ودخوله في مشكلة نفسية، جراء الكم الهائل من الفرص السهلة التي يتفنن في إهدارها أمام الشباك، بخلاف سوء تصرفه في اللمسة قبل الأخيرة في الهجمة، كما شاهدناه في العديد من المناسبات، وهو يفسد الهجمات المؤكدة بتمريرات غير دقيقة لزميله المتواجد أمام المرمى، على عكس المكاسب التي كان يجنيها صلاح من وجود ماني في الهجوم، صحيح الأخير كان يطبق مقولة «نفسي ثم الآخرين»، لكن خفة حركته ونشاطه وتحركاته المرعبة بدون الكرة، كانت تفتح المسافات والثغرات التي يبحث عنها المو، مع هدايا من سانتا كلوز غرفة خلع الملابس، والإشارة إلى البرازيلي فيرمينو، الذي كان يتفانى لنثر سحره وإبداعه، بطريقة تجمع بين العشوائية المخيفة لمهارات كرة الشوارع وبين المعايير النموذجية للمهاجم العصري في أحدث أساليب الكرة، وحلول أخرى كان يستفيد منها صلاح، أبرزها الدعم غير المشروط من الظهير الأيمن أرنولد وبدرجة أقل أندي روبرتسون، في ما كان أشبه بالنظام الجماعي المبرمج لتطويع سرعة نجمنا وتفجير طاقته في دفاعات المنافسين، وهذه الرفاهية لم تعد متاحة في الوقت الراهن.

عالم جديد

بالإضافة إلى كل ما سبق، هناك حقيقة ينبغي الوقوف أمامها، وهي أن العالم قد تغير حول محمد صلاح، وذلك بسبب الخلل الذي أحدثه المحارب الاسكندينافي إيرلنغ براوت هالاند، في معايير المنافسة على جائزة هداف الدوري الإنكليزي الممتاز، بعدما تخطى حصيلة هداف النسخة الماضية، مع بداية النصف الثاني للحملة، في الوقت الذي تراجع فيه معدل أهداف صلاح وإحصائياته في تحويل الأهداف، بنسبة بلغت 14%، ضمن قائمة الأسوأ في البريميرليغ وأوروبا، متفوقا على زميله نونييز، ما يعكس إخفاق المدرب كلوب وعدم نجاح إستراتيجيته الجديدة في الهجوم، إما لعدم توافق الاثنين معا، وإما لسوء طالع الفريق، الذي أجبر الرجل الألماني على خيارات معينة في الهجوم طيلة الأسابيع الماضية، بسبب لعنة الإصابات التي حرمته من البرتغالي ديوغو جوتا لفترة طويلة، ومثله الكولومبي لويس دياز، الذي لم يتعاف من انتكاسته حتى الآن، لكن الشيء المؤكد، أن الأدوار الجديدة للظهيرين أرنولد وروبرتسون، بالتركيز على التوغل من العمق، لفتح الملعب إما لصلاح في الرواق الأيمن أو دياز قبل إصابته أو الجناح الآخر في اليسار، على عكس أدوارهما في السنوات الماضية، كانا يتحركان بشكل عمودي في أقصى الطرفين الأيمن والأيسر، لإفساح المجال للجلادين صلاح وماني من العمق، وهو الدور الذي انتقل إلى نونييز، وما وصفناه أعلاه «الرفاهية» التي انتزعت من صاحب الـ31 عاما.

عزلة وتخبط

من تابع ردود الأفعال بعد الهزيمة في آخر مباراتين أمام برايتون وولفرهامبتون، لاحظ أن صلاح نال نصيب الأسد من التعليقات الغاضبة، بعد مشاهدته في ثوب اللاعب المكافح، الذي يعاني من أزمة ثقة، كما وضح في عزلته في الثلث الأخير، بجانب تلك المشاهد شبه المتكررة في الآونة الأخيرة، بملامح وجه محبطة وشاحبة، وكأنه مرهقا أو فاقدا للشغف، على عكس ذاك الملك، الذي كان يبحث عنه الجميع، لتسليمه الكرة على حدود منطقة الجزاء، لينثر سحره وإبداعه في الثلث الأخير من الملعب، تارة بالتصويبات المفاجئة، على طريقة لوحته الإبداعية في مرمى فريقه الأسبق تشلسي، وتارة بانطلاقاته المفاجئة التي تصدر كل معاني الذعر الكروي للمدافعين، بالفوضى التي كان يخلقها داخل مربع العمليات، بينما في الآونة الأخيرة، بالأحرى بعد لمسات كلوب لتعديل نظامه القديم، الذي كان مبرمجا خصيصا للاستفادة من قدرات وإمكانات الهداف المصري، الا انها أصبحت هذه اللقطات الآن نادرة. وجزء من الإشكالية يقع على عاتق صاحب الشأن، كما تظهر أرقامه الفردية الخجولة، منها على سبيل المثال لا الحصر، تواجده في قائمة المهاجمين الخمسة الأقل مراوغة في البريميرليغ، في ما يفسر اتهامه من قبل البعض بالاختباء خلف المدافعين، وذلك في الوقت الذي يحتاج فيه حلوله الفردية العبقرية، ليضرب عصفورين بحجر واحد، الأول يعود لسماع أنشودة «ملك مصر» وبالتبعية يستعيد ثقته بنفسه مرة أخرى، والثاني سيرد الصاع صاعين للمشككين، بانتشال الفريق من براثن الضياع، كما فعلها في الموسم قبل الماضي، حين أبقى على حظوظ الريدز في الحصول على المركز الرابع، بفضل أهدافه الحاسمة، في ظروف مشابهة للوضع الحالي، حيث كان مشروع كلوب على حافة الانهيار، بالخروج المبكر من كل البطولات، وتهديد مباشر بالغياب عن دوري الأبطال، بعد فقدان أكثر من نصف التشكيل الأساسي بداعي إصابات طويلة الأجل، والسؤال الآن: هل سينتفض نجمنا العربي ويستعيد الحافز والشغف في الوقت المناسب؟ أم أن تخبط الفريق وتدهور المستوى جماعيا وفرديا سيبقى عائقا؟ نتمنى له كل التوفيق.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية