طيبة العلي فتاة عراقية في مقتبل العمر حالها حال الكثير من العربيات تقوم بنشر قصص من حياتها على وسائل التواصل الاجتماعي وتعد صانعة محتوى يستقطب الشريحة الشابة. تشارك من مكان أقامتها في إسطنبول التركية مع خطيبها السوري محمد الشامي تفاصيل حياتهما كثنائي عاشق.
في الأول من شباط/ فبراير ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بمقتل ضحية جديدة بالعراق تحت مسمى غسل العار وتطهير الشرف اسمها طيبة العلي. هذا النوع من القتل يعد سيناريو متكررا في العراق ولا يوجد رادع قانوني كاف لإيقاف قتل الفتيات أو محاسبة الجاني الذي غالبا ما يكون أحد أقرباء الضحية من الدرجة الأولى. والد الضحية قتلها إثر خلاف حول أسلوب الحياة المنفتح الذي تعيشه طيبة في تركيا لكن تم وصم القضية كغسل عار تحت المادة القانونية 409 التي تستخدم كذريعة لجرائم القتل للحصول على حكم مخفف.
المادة 409 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 التي تختص بما يتعلق بالقتل تحت مسمى جرائم الشرف وتنص على التالي: «يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن الثلاث سنوات من فاجأ زوجته أو أحد محارمه في حالة تلبسها بالزنا أو وجودها في فراش واحد مع شريكها فقتلها في الحال أو قتل أحدهما أو اعتدى عليهما اعتداء أفضى إلى الموت أو إلى عاهة جسيمة ولا يجوز استعمال حق الدفاع الشرعي ضد من يستفيد من هذا العذر ولا تطبق ضده أحكام الظرف المشددة».
تواصلنا مع المحامي المستشار علي لطيف الجريصي لأخذ رأيه القانوني بالمادة المذكورة ودورها في تفشي جرائم غسل العار. أشار المحامي أن هذا النوع من الجرائم غالبا ما يكون كستار وذريعة يتم استخدامها في حال خلافات عائلية أو مطالبة نساء من شريحة مجتمعية معينة بحقهم وقال «كثير من النساء يقعون ضحايا ما يسمى جرائم الشرف التي يقوم فيها ذكور من أفراد الأسرة بقتل قريبات لهم بذريعة رد شرف الأسرة، وعادة ينجو مرتكبو هذه الأعمال من العقاب. حيث تعاني النساء من تسلط ذكوري في ظل عادات وتقاليد عشائرية».
أضاف المحامي ان هذه الجرائم تحصل بشكل متكرر في عموم مناطق العراق ولا توجد حماية قانونية لضحايا العنف المنزلي أو في حالات التحرش الجنسي من قبل الأب أو الأخ أو ما يعرف بزنا المحارم. أما في حال هروب الفتيات من عوائلهم فتكون النتيجة كارثية كما حدث مع طيبة العلي. «عندما يهربون من المنزل تقوم القيامة ولا يوجد قانون صارم يحمي الفتيات وكانت الخاتمة بالبلوكر العراقية طيبة العلي التي تعرضت للتحرش الجنسي من شقيقها وختمها والدها بقتلها» يقول الجريصي.
أما في ما يخص المادة 409 من قانون العقوبات العراقي فوضح الجريصي عن تعارض نص المادة مع قوانين دستورية تمنع العنف المنزلي، وعبر عن الحاجة الماسة لتغييرها قائلا «برأيي كمدافع عن حقوق المرأة أرى ان يتم تعديل هذه المادة بعقوبة مشددة ويعمل القضاء بنص المادة 406 من قانون العقوبات لكون المادة 409 تخالف وتتعارض مع المادة 29 فقرة 4 من الدستور العراقي والتي منعت كل أشكال العنف ضد الأسرة والمجتمع كذلك تتناقض مع المادة 7 من قانون العهد الدولي للحقوق المدنية. نحتاج أن نقوم بثورة حتى تلغى مادة غسل العار 409 لأنها أصبحت عارا على القانون العراقي».
جرائم الشرف
وقالت المتحدثة باسم منظمة «آيسن» لحقوق الإنسان والتنمية المستدامة أنسام سلمان، إن المنظمة طلبت من القضاء أن تتم محاكمة والد الضحية كجريمة قتل متعمد مع سبق الإصرار والترصد وأنزال القصاص العادل ليكون عبرة لغيره وإنهاء وجود جرائم الشرف.
وأضافت سلمان أن من المعيب مهاجمة طيبة من قبل المجتمع وتوجيه أصابع الاتهام للضحية التي اضطرت للهرب من اعتداءات أفراد أسرتها.
وقفة الاحتجاج في بغداد في 5 شباط/فبراير ليست كافية والأعداد كانت قليلة. وأضافت أنسام سلمان ان الجهود يجب أن تكثف واستمرار الضغط على الحكومة لإقرار قانون الحماية من العنف الأسري والاستفادة من وجود نواب مستقلين داخل قبة البرلمان. وأضافت «في عام 2020 أحيلت مسودة قانون العنف إلى رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية وصدر تعديل، بعدها تم تناسي المسودة» وذكرت أن المنظمة تم إبلاغها ان من المستحيل أن يقر هكذا نوع من القوانين.
تضارب الروايات
نسبت جريمة مقتل طيبة العلي خنقا من قبل أبيها لجرائم غسل العار وضجت وسائل الاتصال الاجتماعي بعدة روايات أدت إلى النهاية المؤسفة التي أودت بحياة الشابة طيبة من محافظة الديوانية.
ونشر المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية على صفحته بتويتر في الأول من شباط/ فبراير بيانا لتوضيح ما حدث وقال إن طيبة العلي ناشدت قبل الحادثة التدخل لحمايتها وبالفعل تم الاستماع لها والتدخل من أجل التوصل إلى حلول للمشكلة التي حصلت بينها وبين أسرتها. لاحقا وردت معلومات من خلال إحدى صديقاتها بقيام طيبة بالتوجه إلى محافظة الديوانية، وعلى إثر ذلك توجهت الشرطة المجتمعية في محافظة الديوانية برئاسة مدير الشعبة إلى منزل هذه الأسرة وجرى اللقاء بينهم والوصول إلى حلول مناسبة ترضي الجميع لحل الخلاف العائلي بشكل نهائي، وفي اليوم التالي وصل خبر مقتلها على يد والدها كما جاء في اعترافاته الأولية حيث قام بتسليم نفسه بعد تنفيذ الجريمة. سربت تسجيلات صوتية في الثاني من شباط/فبراير ما بين طيبة وذويها وجدالات بينهم ومواجهة طيبة أبيها بتحرش أخيها الجنسي الذي دفعها للهروب وترك العراق.
وفي الرابع من شباط/فبراير نشرت إحدى الصفحات الإلكترونية العراقية المعروفة «ابو الأصفر» على انستغرام أن سبب مقتل طيبة لا صلة له بغسل العار وحسب الصفحة فإن الأب ذكر في أفادته انه قام بقتل ابنته بعد ساعات من الصلح حين وجدها تلتقط صورا بملابس النوم في غرفة نومها في منزل العائلة بمحافظة الديوانية، وبعد جدال لفظي قام الأب بخنق ابنته حتى الموت في أولى ساعات الصباح في يوم 31 كانون الثاني/يناير.
وفي الخامس من شباط/فبراير نشر خطيب طيبة العلي وهو سوري الجنسية محمد الشامي عقد زواجه من طيبة بتاريخ السادس من حزيران/يونيو 2022 والذي تم في إسطنبول ردا على من شكك بشرف الضحية وذكر أن هذا إثبات يكذب كل الأقاويل التي مسته وطيبة العلي وطالب بالقصاص العادل لكل من فرقه عن زوجته.
علي البياتي مؤسس مجموعة «مدافعون» لحقوق الإنسان والمتحدث السابق لمفوضية حقوق الإنسان العراقية أشار أن جريمة قتل طيبة العلي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة من بين آلاف النساء والفتيات اللاتي يواجهن هذا المصير. وان استطاعت طيبة ان تناشد جهات حكومية لمساعدتها فغيرها تتعرض للعنف أو حتى تقتل بصمت.
وأضاف البياتي أن ما يجعل الموضوع أصعب هو غياب المؤسسات والقوانين التي تلجأ إليها المرأة لو واجهت الظلم من البيت أو المجتمع، حيث ان هذه المؤسسات يحكمها العقل الذكوري.
وبين أن الحلول التي يجب وضعها للحد من العنف والإجرام بحق النساء أو الفتيات هي أيجاد سكن وبدائل عيش كريمة ومحمية لكل من تتعرض إلى تعنيف أسري وإطلاق مشاريع تدريب وتطوير هدفها الحفاظ على استقلالية المرأة ماليا واجتماعيا ونفسيا في المدينة والريف، وإنشاء منصات إلكترونية لاستلام شكاوى مناشدات من المعنفات من قبل الجهات المدنية والاستجابة لهن حسب ظروف وخطورة الموضوع ويجب أن يكون هناك تنسيق عالي المستوى في الموضوع بين الجهات الأمنية والمدنية والقضائية.
ليست هناك إحصائيات دقيقة بالعراق توثق أعداد ضحايا غسل العار وجرائم الشرف، ولكن حسب تقرير المقرر الخاص لمجلس حقوق الإنسان الصادر في حزيران/يونيو 2018 فإن التقديرات تشير إلى وقوع مئات من الفتيات والنساء ضحايا لجرائم الشرف كل عام. في الواقع يجري الإبلاغ عن معظم هذه الجرائم على أنها جرائم انتحار.