ويستمر الشعر عابرا للجغرافيا

اليوم تحديدا 21 مارس/آذار، هو اليوم الذي اختارته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» ليكون اليوم العالمي للشعر، حيث دأبت هذه المنظمة سنويا، ومنذ خمسة عشر عاما، على دعوة الدول الأعضاء إلى الاحتفال بهذا اليوم من خلال المشاركة الفعالة للرابطات الثقافية والمجمعات الشعرية ودور النشر والبلديات والمدارس وغيرها، بهدف دعم الشعر وإعلاء صوت الوجدان والإبقاء على تقاليد أمسيات الشعر الشفاهية ومد جسور التواصل بين الشعر والفنون الأخرى ..
ويحتفل شعراء المغرب بهذا اليوم من خلال قراءات شعرية في كل من الرباط ومراكش والخميسات وأسفي وطنجة وغيرها من المدن، ويتزامن هذا الاحتفال مع حجب جائزة الشعر في المغرب لهذه السنة وأيضا الانسحاب الجماعي لخمسة عشر شاعرا وكاتبا من اتحاد كتاب المغرب، وهي أمور لا تخدم المشهد الشعري والثقافي في شيء.. وطبعا سترتجف قلوب أصدقائنا في مصر لذكرى الشاعرة شيماء الصباغ التي سقطت برصاص العنف قبل شهرين. ولا أحد منا سينسى في مثل هذا اليوم، وباقي الأيام، الشاعرة شيماء بقصة شعرها الأسود وهي مضرجة في بركة الدماء. والشاعر غارثيا لوركا الذي تم إعدامه برصاص القهر والتحجر، وهو في الثامنة والثلاثين من عمره، والشاعر التشيلي نيرودا الذي مات في ظروف غامضة ومأساوية ..
هذا اليوم، ودوما، ستحوم حولنا أرواح كل أولئك الشعراء الذي لم يتحملوا قساوة الحياة واختاروا الموت بأقدام ثابتة وعيون حزينة، في لحظات لا أحد يتكهن فيها بماذا كانوا يفكرون.. ونذكر، تمثيلا لا حصرا، الشاعر اللبناني خليل حاوي الذي لم يتردد في إطلاق الرصاص على نفسه وهو في منفاه في أستراليا بعد أن سمع بخبر اجتياح الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان وحصاره لبيروت عام 1982، والشاعر الفرنسي أرمان بارتيه الذي انتحر بابتلاع المفتاح الحديدي للصندوق الذي يحوي كتبه. والشاعرة الأمريكية سيلفيا بلات التي انتحرت في سن الثلاثين بطريقة غريبة، حين وضعت رأسها داخل فرن الغاز، ومن الشعراء المغاربة نستحضر كريم حوماري وعبد القادر الحاوفي اللذين انتحرا بالطريقة نفسها مع اختلاف في طول الحبل المستعمل.. ومؤسف حقا أن ينتحر أكثر من مئة وخمسين شاعرا في القرن العشرين وحده، حسب أنطولوجيا الشعراء المنتحرين التي أعدتها الشاعرة جمانة حداد، في كتابها الموسوم بـ»سيجيئ الموت وستكون له عيناك». واللائحة تطول مع شعراء آخرين الذين يكفيهم أن يموتوا كي نتعرف عليهم ونكتب عنهم للمرة الأولى والآخيرة في مقالات متسرعة ..
وبعيدا عن وجع الذكرى وغمام الحزن لا نملك في مثل هذا اليوم إلا أن نفخر بأمتنا العربية التي كانت ولا تزال، أمة شاعرة على مر العصور.. نعم منذ أن كان الشاعر العربي سيد القبيلة والناطق الرسمي بأمجادها وتاريخ أفرادها، إلى أن صار الصوت الذي يتودد إليه الحكام واللسان الذي يهابه ولاة الإمارات البعيدة خلال العصر العباسي، الذي عرف أزهى فترات الشعر العربي، مع المتنبي وأبي نواس والمعري وابن الفارض وآخرين، وصولا إلى محمود درويش صوت القضية الفلسطينية بلا منازع، ونزار قباني باعتباره شاعر الحب والمرأة. ويستمر الشعر العربي المعاصر بلغته الشفافة وبريقه مخترقا الحدود والجغرافيا مع أدونيس وسعدي يوسف وأمجد ناصر وصلاح فايق تمثيلا لا حصرا ..
ومع ظهور الوسائط وتطور الميديا أصبح متاحا للجميع أن يقرأ الشعر على مدار النهار والليل، كما أن مسألة العزلة والتهميش والإقصاء التي اشتكى منها الشاعر طويلا تبددت وانمحت بالكامل مع الخدمات التي تقدمها مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة الفيسبوك الذي أصبح ملاذا رحيما لجميع شعراء العالم على اختلاف أعمارهم وتجاربهم في الكتابة الشعرية، وسوق عكاظ الجديد الذي يأتيه الشعراء بأرواحهم العالية غير آبهين بمقص الرقيب ويده الباردة ..
يستمر العالم بمعاركه التي لا تنتهي، وحساباته التي يرتبها الزمن فوق الطاولات، وتستمر المادة في تأثيث مشاهد الانهيار والبشاعة وترتيب الألم والفقدان بأصابع خفية، لكن بموازاة مع كل هذا يستمر الشعر كصناعة ثقيلة اسمها الوجدان، وكصوت ينتصر لعيون الأطفال ومساحاتهم الخضراء، وأيضا كرديف لأحلام الشباب وتأملات الشيوخ. وكموسيقى صافية بالنسبة للعجزة ومتقاعدي الوظيفة. وأكثر من هذا أنه الصوت الإنساني العابر للمحدوديات الدينية والإثنية ..
اليوم سيعلو صوت الشعر أكثر من باقي أيام الله الأخرى، فتحية وارفة وباقة ورد لجميع شعراء وشواعر العالم بمناسبة هذا اليوم العالمي .

شاعر مغربي

حسن بولهويشات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية