جنوب تركيا وشمال سوريا ـ «القدس العربي»: «إذا كنت تملك مليون دولار، لا تستطيع أن تشتري شيئاً في أنطاكيا. لا ماء ولا كهرباء لا إنترنت لا وقود… المدينة أصبحت مدينة أشباح».
هكذا تحدث المسرحي السوري همام حوت لـ «القدس العربي» بعدما مر بالمدينة، قادماً من إسطنبول في صحبة رجل الأعمال السوري محمد نور الأتاسي، وبمرافقة قافلة تبرعات سيّرها أصحاب المطاعم السورية في إسطنبول، في اتجاه الجنوب التركي المدمر، بفعل زلزال السادس من شباط/ فبراير الجاري، الذي ما تزال آثاره ونتائجه تتكشف على صورة كارثة إنسانية كبيرة تفوق أضرارها كل التوقعات، بعدما أعلنت المصادر التركية الرسمية تجاوز عدد قتلى الزلزال الواحد وعشرين ألفاً، والمصابون الثمانين ألفاً.
«لم يبق لا بيت ولا شيء لنا»
الطريق إلى أنطاكيا ومدن الجنوب التركي الأكثر تضررًا من الزلزال، شاقة وصعبة للغاية، ليس بسبب الازدحام في حركة اللاجئين والنازحين من تلك المدن التي دمرها الزلزال وتدفق قوافل المساعدات والشاحنات الكبيرة وحسب، بل أيضاً بسبب تضرر الطرقات وتشقق وانخساف بعض أجزائها، كما تظهر الصور الملتقطة.
«إلى أين سأعود… لم يبق بيت ولم يبق لنا شيء. نحمد الله أننا خرجنا سالمين» كلمات للشاعر والناشر السوري محمد طه عثمان، صاحب دار (موزاييك) الذي هجر مع عائلته مدينة أنطاكيا التي كان يقيم فيها منذ سنوات، عازمًا على الاستقرار في مدينة أخرى، وموضحاً أن 90٪ من البنية التحتية في أنطاكيا بات مدمراً، وأن البناء الذي لم يقع على الأرض ويتهدم، لم يعد صالحا للسكن.
ويقول محمد طه عثمان الذي وصل إلى مدينة قونية وسط تركيا، والتي تبعد 450 كيلومتراً عن أنطاكيا، في تصريح لـ «القدس العربي»:
«قبل خروجي من أنطاكيا جاءتنا بعض المساعدات الغذائية والألبسة، فقد كنا نقضي أوقاتنا في العراء. ثم جاءت بعض الخيام التي تم توزيعها على المتضررين. في رحلة خروجي لم يكن هناك سوى طريق واحد صالح للمسير هو طريق أضنة، وكان مزدحماً جداً، بسبب بدء ورود قوافل المساعدات. الوضع إلى الآن سيئ. وأنا أتواصل مع بعض الأصدقاء في أنطاكيا وفي كرك خان، وبالأمس حدثت هزة كبيرة بلغت شدتها 5 درجات على مقياس ريختر، والعديد من البنية المتصدعة وقعت. إلى الآن الوضع خطير للغاية ولا يوجد أمان».
الصحافي حسين العمر، الذي قصد أنطاكيا ليدفن خاله وأسرته الذين قضوا جميعاً في الزلزال، يقول لنا: «دفنت أفراد أسرة خالي في مدى ثلاثة أيام متتالية، كل يوم أدفن في مقبرة مختلفة، لأن المقبرة التي قبلها تكون قد امتلأت، صار دفن أسرة واحدة في مقبرة واحدة ترفاً، وهو مرتبط بعمليات انتشال الجثث، فكل يوم قد تظهر لك جثة جديدة من أهلك أو أقربائك».
ويوضح العمر أن الازدحام الذي تشهده أنطاكيا اليوم هو على عملية انتشال الجثث أو دفنها. أمام المدينة فلم تعد صالحة للعيش، على الأقل على مدى ثلاثة شهور مقبلة في أقل تقدير، تحتاجها عملية إعادة البنى التحتية المدمرة إلى الخدمة.
وتقدر مصادر مطلعة تواصلت معها «القدس العربي» أن عدد الجثث المنتشلة حتى الآن، لا يتجاوز 25٪ فقط من العدد الكلي، نظرًا لاتساع رقعة الدمار، وصعوبة الحفر في ركام المباني الطابقية المدمرة، وما تحتجزه الأسقف الإسمنتية المنطبقة فوق بعضها بعضاً من ضحايا ومصابين، أو جثث تنتظر من ينتشلها، ويسلمها إلى أصحابها.
الجوعى ينهبون المساعدات
وتشهد مدينة أنطاكيا افتتاح مقابر جديدة بسبب امتلاء المقابر الأساسية بالجثث، ويجري افتتاح المقابر الجديدة في أراض زراعية وأحيانا جبلية، لتغطي المناطق المختلفة التي يتم انتشال الجثث منها.
أول شاحنة مساعدات وصلت أنطاكيا كانت لـ«فريق ملهم التطوعي» وقد هجم عليها الناس بالسكاكين والعصي وأوقفوها في منتصف الطريق، وأخذوا كل المواد الغذائية فيها قبل أن يتم تحضيرها أو طبخها لهم… ففي اليوم الأول كان هناك خوف لدى متضرري الزلزال من أن يقعوا تحت طائلة الجوع إلى جانب البرد والتشرد، وكان هناك معضلات عدة تعاني منها المدينة في ظل عدم توفر مياه للشرب، وعدم توفر الخبز، وعدم توفر الوقود».
وفي ظل انقطاع التيار الكهربائي، قام بعض المتضررين من الزلازل بسرقة المولدات الكهربائية من سلال المتاجر الغذائية التركية الشهيرة (البيم، آ. يوز. بير، شوك) لكنهم لم يتمكنوا من استعمالها بسبب ندرة أو انعدام الوقود اللازم لتشغيلها.
حملة أصحاب المطاعم في إسطنبول
بالعودة إلى حملة أصحاب المطاعم السورية في إسطنبول، يوضح الفنان همام حوت لـ«القدس العربي» أن: «أصحاب هذه المطاعم نفسها، جهزوا مطبخاً ميدانياً ضخماً مع الحلل وجرات الغاز، وشاحنتي مواد غذائية كبيرة جداً تضم الأرز واللحوم.

بدأنا بالتحميل في الساعة الثانية عشرة ليل اليوم الثاني للزلزال، وقد استغرق الطريق معنا 28 ساعة مروراً بطرقات انخفضت فيها درجات الحرارة بشكل كبير، وكان بعضها قد قطع بسبب تساقط الثلوج حتى وصلنا إلى مشارف أضنة، (المسافة بين أضنة وإسطنبول 927 كيلو مترًا، وتقطع عادة بعشر ساعات في السيارة) وعلى مشارف المدينة بدأنا نرى ازدحام الشاحنات الكبيرة والسيارات والقوافل، ورغم أن الطريق بين أضنة وأنطاكيا لا يستغرق أكثر من ساعتين في أسوأ الأحوال، فقد استغرق معنا أكثر من ست ساعات بسبب عبورنا طرقاً التفافية وجبلية. وقد دخلنا أنطاكيا ليلاً».
ويصف حوت أنطاكيا لحظة الدخول إليها بأنها: «مدينة أشباح. المدينة عبارة عن كتل نار مشتعلة في الشوارع، حيث يستخدم من بقي في المدينة الصفائح المعدنية المملوءة بالحطب للتدفئة. لا أحد يجرؤ أن ينام في بيته خوفاً من هزات ارتدادية أو زلزال آخر، الناس موزعون في الشوارع والساحات والحدائق وتحت الأشجار وبين السيارات».
السوريون المنكوبون يغيثون بعضهم بعضاً والتكافل بينهم يلفت الأنظار
وحول آلية عمل المطبخ الميداني السوري، يضيف الفنان :
«تعرفنا على الناس الساعة الخامسة صباحاً. ثم باشرنا إفراغ الشاحنات ونصب المطبخ، وبدأت الناس تتوافد علينا، وبدأت المساعدات الأخرى تتوافد كذلك. طبعاً لم نفرق بين سوري أو تركي… فمنكوبو الزلازل بالنسبة لنا لا هوية لهم سوى أنهم بشر في حاجة للمساعدة العاجلة فقط. وقد عمل مطبخنا بسرعة قياسية على أداء المهمة التي جاء من أجلها… وبعد أربعة أيام على وقوع الزلزال، أصبح هناك فائض في المساعدات الغذائية، وأخذت المساعدات تتوجه إلى مناطق أخرى قريبة من أنطاكيا، ثم صارت الأولوية للإيواء في ظل توفر الطعام، وقد وجهنا باصات تحمل إخواننا السوريين إلى مدن أخرى، كأضنة وقيصري وأنقرة وإسطنبول، لكن للأسف فوجئنا في مدينة (مرسين) أنه تمت إعادة باصات السوريين بعد أن قالوا لنا بأن أهالي المدينة خرجوا في مظاهرة يعبرون فيها عن رفضهم استقبال لاجئين سوريين منكوبين، فأعادوهم إلى أنطاكيا، مدينة الموت التي لا أتوقع أن فيها بناءً واحداً قابلاً للسكن مرة أخرى».
رحلة شاقة إلى الشمال السوري
وتابعت قافلة المساعدات إلى الأراضي السورية في صحبة الفنان همام حوت ورجل الأعمال نور الأتاسي رحلتها في اتجاه الحدود السورية، ودخلت ليل أمس الأول إلى الأراضي السورية بصعوبة بالغة، وعن ذلك يقول نور الأتاسي في تصريح خاص لـ«القدس العربي»:
«عانينا جداً من صعوبة الدخول، الجانب التركي يغلق الحدود من جانبه، والحصول على الموافقات كان صعبًا للغاية. الدمار الذي شاهدناه هنا أقل من الدمار الهائل في الجنوب التركي بكثير، لكن الفقر المدقع بالنسبة لملايين لناس التي هجرها الأسد، كان واضحاً. الناس تبحث الآن عن خيام جديدة بأي طريقة كي تأوي فيها. البيوت الجديدة التي بنيت في هذه المنطقة في السنوات الأخيرة مبنية هنا بطريقة بدائية دون دراسة لمقاومة الزلازل، فمعظمها وقعت فوق رؤوس أصحابها».
وعن رحلته في الشمال السوري ومشاهداته حول المناطق المتضررة في ريفي حلب وإدلب يقول همام حوت:
« لم نستطع الدخول إلى الأراضي السورية إلا بعد محاولات حثيثة، حيث حصلنا على موافقة الدخول أمس الأول في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر. وصلنا ليلاً إلى الأراضي السورية. ودخلنا مدينة إعزاز فيها مبان مهدمة، ولكن الأبنية المتصدعة أكثر. انطلقنا إلى ريف عفرين وريف إعزاز، لكن الدمار الكبير في مدينة جنديرس التابعة لمنطقة عفرين في ريف حلب، كان هائلا جدا. وفي مدينة حارم في ريف إدلب هناك مشروع سكني جديد دمر بالكامل، وهناك دمار في سلقين وفي أرمناز، وفي مدخل ترمانين في ريف إدلب، أما مدينة إدلب نفسها فالدمار فيها بسيط. ولكن في جنديرس اكتشفنا أول مخيم خاص لمنكوبي الزلزال أنشئ هنا».
آليات الإنقاذ… وتكافل لافت
«كل الفرق والمؤسسات التطوعية وعلى رأسها بالطبع مؤسسة الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) التي شهد الناس عملها الدؤوب والمهني والمشرف، تعمل في الشمال السوري… وكذلك «فريق ملهم التطوعي» ولكن فوجئنا بأن المنقذ للسوريين المنكوبين من الزلازل، هم السوريون المنكوبون المهجرون أنفسهم، فمن كان لديه ربطتا خبز تبرع بواحدة منهما، ومن كان في جيبه عشرون ليرة تبرع بعشرة، وهذا بشهادة الأهالي ومنكوبي الزلازل أنفسهم».
مظاهر التكافل الاجتماعي لفتت أيضاً رجل الأعمال السوري نور الأتاسي التي قارنها بحال الجنوب التركي، فقال لنا:
«ما رأيته في سوريا ولم أره في تركيا، هو التكافل الاجتماعي بين الناس، بين بعضهم بعضاً، فهؤلاء الموسومون بالفقر كانوا يساعدون بعضهم بعضاً، و«يشيلون بعضهم بعضاً”. أعمال الإنقاذ في الشمال السوري كانت أسرع مما هي في تركيا، وربما انتهت قبل 24 ساعة، لأننا لاحظنا أن الناس كانت تعمل مع بعضها بعضًا بسرعة، الناس شاركت فرق الإنقاذ وتطوع الجميع كي يساعدوا عناصر «الخوذ البيضاء» وسواها. الشباب في الشمال السوري لديهم آليات بسيطة وقليلة وهم محاصرون ولم تدخلهم آليات جديدة، رغم ذلك استطاعوا أن ينهوا المهمة بأقصر فترة ممكنة. كان تكافل السوريين في الخارج أو الداخل مؤثراً للغاية.
أنا عندما انطلقت من إسطنبول كنت قد رصدت مبلغاً جيداً، ولكني لم أصل إلى هنا إلا ومعي أربعة أضعاف المبلغ الذي كنت أحمله، فكثير من الناس اتصلوا بي وحولوا تبرعات بسيطة، لكنهم لا يستطيعون أن يتبرعوا بأكثر منها. جاءتني اتصالات من سوريين في دمشق وفي حمص وساهموا وقالو لي: « نحنا على قد حالنا لكن بدنا نساهم متل ما هالناس ساهمت» الناس ما تزال تحب بعضها، وبرأيي إذا لم نشتغل ولم نشعر بالناس فلن يساعدنا أحد».