الرباط – «القدس العربي»: استبشرت وفاء الزياني 40 سنة- موظفة في القطاع العام- خيرا بالمصادقة على مشروع قانون البنوك الإسلامية في المغرب وقالت لـ«القدس العربي»: «حلم امتلاك سكن حتى وقت قريب كان ضمن المستحيلات. فالتعاملات المالية القائمة على الربا جعلتني وزوجي نقبل بأن نستمر فيما تبقى من عمرنا في منزل بالإيجار بدل أن نخالف الشرع والدين. الآن يمكننا العودة للحلم، فالصيغة التي تطرحها البنوك الإسلامية مريحة لأنني سأشتري من البنك بعقد بيع صحيح وليس عبر قرض ربوي». لكن رأي وفاء يخالفه تماما منتصر إيتري مصرحا لـ «القدس العربي»: «الذي لا أفهمه أنا كمواطن عادي ما الفرق بين بنك إسلامي وغيره؟ فإذا كان الابتعاد عن البنوك التقليدية حجته الربى، فإن حجة الابتعاد عن البنوك التشاركية ستكون إرتفاع السعر على المقترض، ما الفرق إذا؟ في نظري المشكل ليس في أسلمة البنوك أو فرنستها، المشكل في كثرة الأموال المنهوبة وفي كثرة القروض التي تثقل كاهل الأسرة المغربية، نحن في حاجة إلى حكامة جيدة وإلى الضرب بيد من حديد على كل المفسدين والسماسرة الذين نهبوا المليارات من أموال الشعب وتكديسها في البنوك السويسرية، وليس إلى البنوك الإسلامية». وبتحفظ يضيف حسن الهاني: «مع احترامي لمشجعي هذا المنتوج البنكي الجديد، أجد أن الهدف من إخراجه إلى الوجود ليس إلا «أبنكة» الأموال التي توجد خارج المؤسسات البنكية الكلاسيكية ، بالنظر إلى ارتباطها بالسلف بالفائدة أو الربا بمدلولها الشرعي، وهكذا تم «اختراع» هذا الشكل الذي يجد فيه المتدينون راحة نفسية كونه يبتعد بهم عن ما نهى عنه الشرع.. ووجود مثل هذه المنتوجات في دول غربية دليل على أن الهدف من ورائها هو التجارة في الأموال، وهذه عملية لا وجود لها في الدين الذي لا يعترف من وجهة نظري بشيء اسمه «بنك» سواء كان كلاسيكيا أو تشاركيا».
هذا نموذج من الجدل الذي خلقته فكرة دخول البنوك الإسلامية التي منحتها السلطات المغربية اسم البنوك التشاركية بسبب أن المنتوجات والخدمات التي تقدمها قائمة على مبدأ التشارك بين البنك والزبون. غير أن نسبة كبيرة من المغاربة تنتظر بدء عمل هذه البنوك ممن أجلوا مشاريع امتلاك سكن أو سيارة بتقسيط مريح «للضمير الديني» كما عبر عن ذلك عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي.
وقد صادق المغرب على مشروع القانون المنظم لعمل البنوك التشاركية عبر تعديل مجمل المنظومة القانونية البنكية للمغرب بإضافة باب ثالث يضم 17 مادة قانونية وصدرت هذه النصوص في الجريدة الرسمية نهاية كانون الثاني/يناير الماضي، ثم ومع نهاية شباط/فبراير صدر ظهير ملكي يعدل في اختصاصات المجلس العلمي الأعلى بوصفه أعلى هيئة دينية رسمية في البلاد، وهو أحد الأطراف المهمة في البنوك التشاركية وكل التعاملات المالية الإسلامية، وذلك بإضافة اختصاص جديد للمجلس هو وظيفة المطابقة الشرعية للتعاملات المالية الإسلامية وليس فقط البنوك التشاركية، بما في ذلك التأمين التكافلي وصكوك الاسثتمار.
ويعتبر عبد السلام بلاجي عضو البرلمان المغربي عن فريق حزب العدالة والتنمية ورئيس الجمعية المغربية للاقتصاد الإسلامي وأحد مهندسي التجربة تشريعيا أنه بعد الانتهاء من المرحلة التشريعية والمصادقة على هيئات الائتمان والمؤسسات المعتبرة في حكمها من طرف مجلس النواب ومجلس المستشارين، والأخذ برأي ومقترحات المجلس الاقتصادي والاجتماعي عبر نقاش دام أكثر من سنتين، قد أصبح للمالية التشاركية في المغرب قاعدة قانونية متينة وهذا مكسب مهم خصوصا إذا علمنا أن معظم البنوك الإسلامية في العالم العربي اليوم تشتغل بدون قاعدة قانونية، بل بقرارات وأحيانا بتعليمات. مضيفا بأنه قبل أن يشرع العمل في هذه البنوك خلال أشهر قليلة ليس لدينا وقت ضائع، فكل الأطراف المعنية تستعد الآن وتعمل سواء المجلس العلمي الأعلى أو البنوك المعنية بالموضوع وأيضا بنك المغرب. وهناك لقاءات عديدة تجمع الأطراف الثلاثة، فيما أرسل المجلس العلمي الأعلى مجموعة من الفقهاء والعلماء والمتخصصين إلى البحرين وماليزيا كي يطلعوا على تجارب الرقابة الشرعية أو «المطابقة الشرعية» بالمصطلح المغربي باعتبار هذه الدول ذات تجارب رائدة في هذا المجال وكانت سباقة لاحتضان التجربة وإنجاحها وتتوفر على مؤسسات مختصة كمجلس المحاسبة والمراجعة المالية في البحرين وأكاديمية العلوم الشرعية ومؤسسات المحاسبة في ماليزيا. في انتظار أن ينتهي تكوين اللجنة التي ستبدأ عملها الهام مع خروج عمل البنوك التشاركية لمجال التعاملات.
اللجنة الشرعية
هكذا سماها الظهير المنظم لإختصاصات المجلس العلمي الأعلى وهي لجنة تتكون من 9 أعضاء والمنسق العام وخمسة خبراء على الأقل من تخصصات مختلفة قانونية واقتصادية وفي مجال المال والحسابات. وبحسب عبدالسلام بلاجي سيكون دورها هو إبداء الرأي بشأن مطابقة الأنشطة والعمليات التجارية والمالية والاستثمارية لأحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها. ويرى أن تعبير «المطابقة» أكثر دقة من تعبير «المراقبة» الذي اعتمد في تجارب مماثلة لدول أخرى. كما ستعطي أيضا رأيها من النشرات التي تصدرها مؤسسة بنك المغرب ومدى مطابقتها لأحكام الشريعة وتبدي رأيها في مطابقة عمليات التأمين التكافلي وفي مطابقة إصدار شهادات الصكوك، وستعمل على إعداد دليل مرجعي لعملها، ودلائل اقتصادية عند الاقتضاء وعملها سيكون مستمرا ودائم التواجد. ويضيف أن أعضائها حدد لهم الظهير القانوني شروطا وصفات صارمة ينبغي أن تتوفر فيهم «فعليهم أن يكونوا فقهاء وعلماء مشهود لهم بالمعرفة الراسخة والإلمام الواسع بأحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها ولديهم القدرة على الإفتاء وبيان حكم الشرع في القضايا المعروضة عليها». وجدير بالذكر أن اللجنة ستتخذ قراراتها بإجماع الحاضرين وليس بالأغلبية كإجراء احتياطي تجنبا للوقوع في أخطاء.
وموازاة مع هذه الاستعدادات فإن البنوك المغربية التي تقدمت بطلبات احتضان فروع للمعاملات المالية التشاركية إلى بنك المغرب، تعمل الآن على تدريب وإعداد موظفين وفق قواعد ومستلزمات العمل في المصارف التشاركية والتعاملات المالية الإسلامية الأخرى المرافقة لها.
الإنتقادات
وعن ملاحظات وانتقادات بعض المتتبعين القائلة أحيانا بأنها «تحايل» على الدين وبأن نسبة الإضافات المالية أيضا مرتفعة في البنوك التشاركية بل وقد تفوق في بعض الحالات قروض البنوك العادية، أجاب عبد السلام بلاجي «أن القول أنه لا فرق هو إنتقاد أيديولوجي مغلوط وقديم ومستمر وغير صحيح فهذه البنوك لا تقدم قروضا بل تقوم على ستة عقود هي المرابحة والإيجار والمشاركة والمضاربة والسَلَم والاستصناع وهي عقود مستمدة من الفقه الإسلامي ومبنية على المشاركة بين البنك والزبون وفي إطارها يقتسما معا الربح والخسارة، بل إن عقد المضاربة مثلا ينص على أن الخسارة يتحملها البنك لوحده وهذا ليس جديدا لأنه طرح في الآية القرآنية من سورة البقرة (ذلِكَ بِأَنَّهُم قَالُوا إِنَّمَا البَيعُ مِثلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ البَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) والإعتراض الثاني الذي يقول أن تكلفة البنوك التشاركية أغلى هو نقد صحيح وبناء لأن تجربة التمويلات البديلة عانت سابقا من الازدواج الضريبي على مستوى التسجيل والقيمة المضافة ورسوم التسجيل العقاري فحينها لم تكن هناك قواعد قانونية تنظمها، لكن الأمور تغيرت الآن بوجود النص القانوني والقاعدة الدستورية التي تنص على التكافؤ في المنافسة، والبرلمان الذي من حقه التدخل لإحداث التــكـــافؤ بين البنوك العادية والتشاركية» لهذا يضيف «علينا أن ننتظر تحرك العجلة لنحكم على التجربة».
التوقعات
ويعتبر د.البلاجي أن المغرب سيدخل مرحلة اقتصادية جديدة ستمنحه إشعاعا بنكيا في القارة الأفريقية وجنوب أوروبا حيث هناك جالية عربية ومغربية مهمة. وسيولد قطب مالي تشاركي اقتصادي سيجذب عددا كبيرا من المستثمرين اللذين كثيرا ما افتقدوا هذه البنوك في المغرب وهم دائما يتصلون بالجمعية المغربية للاقتصاد الإسلامي مستفسرين عن الأمر. وبلغة الأرقام يضيف أن منظمات دولية اقتصادية ومسؤولين بنكيين كبار في المغرب توقعوا أن تصل نسبة المعاملات إلى 20 في المئة في هذه البنوك في ظرف خمس سنوات وهو رقم مهم جدا إذا ما قورن مع التجربة المصرية أو التركية التي لم تتجاوز نسبة 4 في المئة بعد 30 سنة من العمل.
فاطمة بوغنبور