الحرب على أوكرانيا: الخسائر أصابت الجميع بما فيها الأمم المتحدة

عبد الحميد صيام
حجم الخط
1

نيويورك-(الأمم المتحدة) ـ «القدس العربي»: يستعد كل من مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة لعقد جلسة خاصة لكل منهما يوم الأربعاء المقبل على مستوى الوزراء بمناسبة حلول الذكرى السنوية الأولى للحرب التي بدأها الاتحاد الروسي يوم 24 شباط/ فبراير 2022 على أوكرانيا والمستمرة حتى الآن. ومن المتوقع أن يصل إلى مقر الأمم المتحدة عدد كبير من وزراء الاتحاد الأوروبي للمشاركة في الجلستين. وستتحول الجلستان إلى محاكمة علنية لما قام به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والتأكيد له أنه لن ينتصر في هذه الحرب.

جلسة مجلس الأمن من غير المتوقع أن يصدر عنها أي مخرج بسبب الفيتو الروسي (وربما الصيني أيضا) فيما لو حاولت إحدى الدول الأعضاء طرح مشروع قرار وهو أمر مستبعد. لكن جلسة الجمعية العامة الطارئة الحادية عشرة التي تنعقد تحت آلية «متحدون من أجل السلام» والتي ترقى بمستوى قراراتها إلى درجة قريبة من قرارات مجلس الأمن تحت الفصل السادس، فستناقش لمدة يومين أو ثلاثة مشروع قرار أعدته المجموعة الأوروبية تطالب بإنهاء «العدوان الروسي» على أوكرانيا والانسحاب الشامل والفوري وغير المشروط من كافة الأراضي الأوكرانية. ويؤكد مشروع القرار على أن العدوان الروسي يعتبر انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، ويقر باستقلال وسيادة أوكرانيا ووحدتها الترابية ويطالب بإيجاد نظام للمساءلة والمحاسبة لكل الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في أوكرانيا .
مراجعة لتطورات السنة الماضية نستطيع أن نقول بشيء من الموضوعية بأن الحرب لم تحسم بعد ولم يظهر فيها منتصر أو منهزم بالضربة القاضية. نعتقد ان الأطراف المعنية جميعها تعاني من أشكال مختلفة من الخسارة دون مكاسب واضحة يستطيع أي طرف أن يدعيها، لا روسيا ولا أوكرانيا ولا أوروبا. الولايات المتحدة قد تكون المستفيد الوحيد من هذه الحرب. والأمم المتحدة دفعت وما زالت تدفع الثمن في هذه الحرب من مصداقيتها وحياديتها وفاعليتها. وسنحاول أن نستعرض سلة الخسائر التي تعرضت لها المجموعات المختلفة من هذه الحرب التي لا يبدو أن الستار سيسدل على آخر فصولها قريبا.

الاتحاد الروسي وتبدل الأهداف

اندفعت القوات الروسية يوم 24 شباط/ فبراير إلى الداخل الأوكراني في عملية عسكرية سمتها «العملية العسكرية الخاصة» بدون تحديد هدف عسكري واضح المعالم. وقد وصلت القوات الروسية العاصمة كييف في غضون أيام قلائل معتمدة على قوة الطيران والدبابات والمدفعية الثقيلة قبل أن يبدأ الجيش الأوكراني بالمقاومة الجادة بعد تلقي المساعدات من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية. وبسرعة كشفت الحرب عن عيوب عسكرية في الجيش الروسي وجاهزيته ومنظومة السلاح الذي يستخدمها. فبدأ وخاصة في المرحلة الأولى، يتعرض لخسائر باهظة ما اضطره إلى إعادة النظر في أهدافه المعلنة والتي تكللت في ضم المناطق الأربع القريبة من الحدود الروسية في منطقة دونباس. يبدو أن تقديرات بوتين لشن هذه الحرب لم تكن دقيقة، لقد عملت أمريكا ودول الناتو على إغراق روسيا في حرب استنزاف طويلة لا تستطيع تحمل نتائجها العسكرية والاقتصادية في ظل سلال العقوبات المتلاحقة غير المسبوقة والتي بلغت 11 رزمة تشمل آلاف المواد.
أجرى الرئيس الروسي استفتاء لضم المناطق الأربع في إقليم دونباس وهي: دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابارجويا، في أيلول/سبتمبر 2022. لكن عادت القوات الأوكرانية وتمكنت من تحرير إقليم نيكولايف بكامله وعدة قرى من ضفة نهر دنيبر اليسرى. وبدأت القوات الروسية تتراجع بعمق 15-20 كم من مواقعها الأساسية باتجاه شبه جزيرة القرم.
يبدو أن تقديرات بوتين لقواته العسكرية النظامية غير دقيقة كما بدا واضحا في الدعوة إلى نوع من التجنيد الجزئي من جهة والاستعانة بقدرات إيران في سلاح المسيّرات والصواريخ من جهة أخرى. كما اضطر أن يسحب بوتين جزءا من قواته في سوريا ويكلف الجنرال فاليري جيراسيموف قائد الأركان الروسية نفسه بإدارة المعركة عسكريا. وبعد سنة من القتال نستطيع أن نقول إن القوات الروسية وإن بدأت تقضم المناطق التي خسرتها شيئا فشيئا إلا أن الحسم غير ممكن في المدى القريب. أما عن الخسائر البشرية فهي عالية جدا وأقل التقديرات تشير إلى نحو 60 ألف قتيل وضعف هذا العدد من الجرحى. وقد نعتبر أن تمتين العلاقة مع الصين جاء في صالح الاتحاد الروسي سياسيا وعسكريا واقتصاديا. فالصين تخشى أن تكون الهدف القادم للناتو إذا تعرضت روسيا للهزيمة.

أوكرانيا

تم توريط أوكرانيا في هذه الحرب بدءا من عام 2014 وبعد أن استولت روسيا على شبه جزيرة القرم. بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها تسليح الجيش الأوكراني وتدريبه كي يكون جاهزا عندما يطلب الانضمام لعضوية الناتو، وهو الخط الأحمر بالنسبة لروسيا. وذكر بوتين هذا الشرط في رسالة أرسلها إلى الرئيس الأمريكي جو بايدن قبل الحرب بعدة أيام. فكان رد وزير الخارجية الأمريكي بلينكن، على أن قرار الانضمام أو عدمه مسألة سيادية ولا مجال للتفاوض حولها. وكان ذلك الرد أقرب إلى إعلان الحرب وهو ما كان متوقعا تماما من بوتين. ولكن بعد سنة أين وصلت الأمور في أوكرانيا؟
منذ الغزو الروسي تكبد الجيش الأوكراني ما لا يقل عن 100000 ضحية، إلى جانب تدمير آلاف الدبابات والعربات المدرعة الأخرى. كما تقلص الاقتصاد الأوكراني بنحو 30 في المئة، وتشرد أكثر من 30 في المئة من السكان. وتعرضت البنى التحتية للدمار، وتضرر حوالي 40 في المئة من قدرتها على توليد الكهرباء. وبسبب الدعم المتواصل من أوروبا وأمريكا واستعداد دول الناتو بما في ذلك ألمانيا، تقديم أسلحة متطورة بدأ يتحدث الرئيس الأوكراني زيلينسكي عن النصر الكامل ووضع نحو 11 شرطا للسلام معظمها إن لم يكن كلها، تعجيزية لن يرضخ لها حتى لو اضطر استخدام الأسلحة الاستراتيجية والتي ما لبث يلوح بها بين الحين والآخر.

الاتحاد الأوروبي

بالتأكيد ليس للاتحاد الأوروبي أي دور في إشعال هذه الحرب. لقد بدأت دول في الاتحاد تباعد بنفسها قليلا عن السياسة الأمريكية وخاصة ألمانيا وفرنسا. لكن حرب أوكرانيا منحت الفرصة للولايات المتحدة لتعيد جميع الدول الأوروبية إضافة إلى اليابان وأستراليا إلى حظيرة الطاعة وتجبرهم على تحمل العبء الأكبر من تكاليف الحرب، حيث بلغت مساهمات الاتحاد ما يزيد عن 67 مليار دولار. وكانوا أول من تحمل ارتفاع أسعار الطاقة ونقص الغاز، فالاستغناء عن نفط وغاز الاتحاد الروسي ليس بالأمر الهين الذي يتم التعويض عنه خلال فترة وجيزة. الاتحاد الأوروبي يشعر أنه تورط في حرب تقف على أبوابه ولا مجال للتهرب من دفع الثمن لأن انهيار أوكرانيا يعني أن دولا أخرى ستنهار أمام القوة الروسية الطاغية لذلك اضطروا، بإرادتهم أو دون إرادتهم، للاصطفاف خلف الولايات المتحدة وتحمل تكليف الحرب واستقبال ملايين اللاجئين والدفاع عن أوكرانيا في المحافل الدولية. كما اضطرت هذه الدول أن تصرف المليارات على تحديث أسلحتها وامتلاك المعداث الثقيلة والمتطورة من الولايات المتحدة. فألمانيا ستضم لقواتها الجوية35 طائرة من طراز ف- 35 (أ) بقيمة 8 مليارات الدولارات وكندا ستشتري 88 طائرة من طراز ب-35 بقيمة 8 مليار دولار وفنلندا طلبت 64 طائرة مقاتلة بقيمة 10 مليارات دولار. وهذا ينطبق على اليابان التي غيرت عقيدتها العسكرية لتحدث جيشها وأستراليا ستشتري غواصات حربية، وهكذا… فهل كانت هذه الدول بحاجة إلى صرف هذه المبالغ الهائلة على التسليح؟ ببساطة أوروبا تفقد قرارها المستقل وتعود لتأخذ الدور الهامشي والذيلي للولايات المتحدة والتي ستدفع ثمنه لعقود قادمة.

الأمم المتحدة

تم تهميش الأمم المتحدة في هذه الحرب وتأخر الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، كثيرا قبل أن يصل إلى موسكو في نهايات نيسان/أبريل ثم كييف لكنه وجد أن البون شاسع بينهما ولذلك عاد بخفي حنين. المبادرة الوحيدة التي نجحت بالتخفيف من الأزمة الغذائية العالمية هي «مبادرة حبوب البحر الأسود» التي تم التوصل لها من خلال الوساطة التركية في نهاية أيلول/سبتمبر. وتم توقيعها في اسطنبول بمشاركة وحضور الأمين العام والرئيس التركي رجب طيب اردوغان.
كنا نتوقع أن يتابع الأمين العام جهوده للعمل على وقف إطلاق النار لكنه ظل يحاول التخفيف من آثار الحرب الأوكرانية على دول العالم النامي الفقيرة والأكثر فقرا. الوساطة الحقيقية الوحيدة لوقف إطلاق النار هي التركية لكن القيادة الأمريكية أفشلتها وهي في المهد لأن من مصلحتها استمرار الحرب لإنهاك الاتحاد الروسي لدرجة أن يأتي يوم ويرفع الراية البيضاء وهذا أمر مستبعد في الوقت الحاضر.
الولايات المتحدة يبدو أنها لا تتعلم من أخطائها. فقد شنت حروبا عديدة خارج حدودها ولكنها فشلت في معظمها إن لم يكن فيها جميعا. فقد خرجت مهزومة من فيتنام وأفغانستان والعراق. صحيح أن هذه الحرب ليس فيها وجود عسكري أمريكي مباشر على الأرض لكن الهزيمة إن وقعت ستكون أول ما تكون على الولايات المتحدة التي رعت ومولت هذه الحرب.
لعل هذه الخسائر التي طالت الجميع تكون سببا في إعادة النظر في مجمل الأزمة وكيفية صياغة حل وسطي يبدأ بوقف إطلاق النار وعودة المهجرين ثم العمل على توفير بيئة سليمة لمفاوضات جادة تتنهي بتوقيع اتفاقية سلام شامل. هذا ما ننتظره في عام 2023.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية