كيف اغتال غوارديولا حلم تلميذه آرتيتا؟

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: ضرب الأصلع الكتالوني بيب غوارديولا، بيد من حديد، ملحقا بتلميذه ومواطنه ميكيل آرتيتا، كل معاني الألم والقهر النفسي، بعد انقضاضه على صدارة الدوري الإنكليزي الممتاز، للمرة الأولى في حملة الدفاع عن اللقب للموسم الثالث على التوالي، بفضل الانتصار المظفر، الذي حققه مانشستر سيتي على حساب آرسنال بثلاثية مقابل هدف، في القمة التي جمعتهما على ملعب «الإمارات» مساء الأربعاء الماضي، ضمن مؤجلات الجولة الثانية عشرة للبريميرليغ.

توابع الفخ

لمحاولة فهم أو تفسير ما يحدث مع مدفعجية الشمال منذ بداية شهر عيد الحب، علينا أن نتذكر ما حدث في مباراة الفخ الكبير، التي استضافها ملعب «الاتحاد» أواخر الشهر الماضي لحساب الدور الرابع لكأس الاتحاد الإنكليزي، وآنذاك كانت جُل التوقعات والمراهنات تصب في مصلحة فريق المدرب آرتيتا، المنتشي باثنين من أهم انتصاراته هذا الموسم، على حساب عدو الحي توتنهام والمنافس الكلاسيكي آرسنال على التوالي، لكن في الأخير، لم يجد الفيلسوف صعوبة في ممارسة هوايته المفضلة، باستعراض طغيانه على ضحيته المفضلة في لندن، ذاك الفريق الذي لم يعرف سوى طعم الهزيمة في آخر 10 مباريات أمام المان سيتي على مستوى البريميرليغ، منهم 6 انتصارات في معقل الغانرز، من دون أن يتمكن ميكيل آرتيتا من تحقيق ولو انتصار واحد على حساب أستاذه، مكتفيا بمشاهدة السجل المروع لفريقه، بهز الشباك السماوية مرتين في تسع مباريات، أضيف لهم الهدف الثالث، الذي سجله بوكايو ساكا من علامة الجزاء في سهرة الأربعاء العاشرة، ما تسبب في إحداث هزة عنيفة في مشروع آرتيتا، أسفرت عن ذاك النزيف الحاد في النقط، بداية من الهزيمة المفاجئة أمام إيفرتون في الأسبوع الـ22، مرورا بالسقوط في فخ التعادل أمام برينتفورد بهدف لمثله في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، نهاية بالضربة القاضية أمام دابته السوداء، التي كبدته فاتورة باهظة الثمن، بالتخلي طواعية عن صدارة الدوري، بفارق الأهداف عن السيتيزينز، ومباراة أقل نتيجتها في علم الغيب، والمقررة مطلع الشهر المقبل ضد إيفرتون، ضمن مؤجلات الأسبوع السابع.

واقعية الفيلسوف

«قمة آرسنال ومانشستر سيتي أثبتت أن آرتيتا أمامه مسار طويل ليصبح مثل غوارديولا»، بهذه الكلمات، لخصت صحيفة «ميرور»، حال آرسنال ومدربه الإسباني، حتى يكون مؤهلا للسير على خطى بيب، وهذا وضح في فارق الخبرة وطريقة إدارته لقمة الأربعاء، مقارنة بدهاء وخبث مُعلمه، الذي عرف كيف يسير الأمور في الشوط الأول، وتحديدا الربع ساعة الأول، الذي نجح خلاله في امتصاص حماس الجماهير اللندنية، إلى أن سرق الأسبقية بهفوة دفاعية استغلها كيفن دي بروين على أكمل وجه. ورغم استفاقة صاحب الأرض، ووقوفه الند للند أمام الضيف في ما تبقى من الشوط، حتى تمكن من إدراك هدف التعديل قبل الذهاب إلى غرفة خلع الملابس بين الشوطين، إلا أن الأوضاع تبدلت 180 درجة في الشوط الثاني، بتفوق سماوي مرعب.
والتفوق لم يكن على مستوى الاستحواذ والسيطرة على الكرة، بتلك الثقافة المحفورة في الأذهان عن غوارديولا، بل في التهديد الحقيقي والمباشر على حامي عرين آرون رامسديل، بعد انكشاف الفوارق الفردية بين خبرة المدربين وجودة اللاعبين، وشاهدنا كيف أحكم السيتي قبضته على أم المعارك، مع ارتفاع وتيرة الضغط على جورجينيو وتشاكا وأوديغارد، وعدم قدرتهم على الخروج السلس بالكرة، كما كان الوضع في الشوط الأول المتكافئ فنيا وبدنيا، على عكس ما حدث في الشوط الثاني، من انهيار بدني للاعبي آرسنال، مقابل انفجار سماوي، بقيادة المدمر الاسكندينافي إيرلينغ براوت هالاند، الذي جسد المقولة الدارجة بين المدربين والمعلقين «صنع الفارق»، بمساهمته في الهدف الثاني، وقتل المباراة إكلينيكيا برصاصة الرحمة الثالثة، بعد إبداع وتفوق على ثنائي قلب دفاع المدفعجية ساليبا وغابرييل، ظهر في تحركاته المرعبة بين الخطوط، التي فتحت مساحات شاغرة لدي بروين وفودن بعد مشاركته بدلا من غريليش على الأطراف، مقدما محاضرة مجانيا للمهاجمين، في كيفية تطويع إمكاناته وقدراته لمصلحة المنظومة الجماعية، أو ما يُعرف بالمهاجم المحطة، التي يبني عليه المدرب كل إستراتيجيته في الثلث الأخير من الملعب، وهذا تقريبا ما جاء من أجله الشاب العشريني، كما قال بنفسه في بداية الموسم «جئت من أجل اللحظات الصعبة».

تاريخ مروع

صحيح كل المؤشرات والتوقعات كانت تصب في مصلحة آرسنال حتى وقت قصير، باعتباره البطل المفضل والمحتمل للدوري الإنكليزي الممتاز، لكن المدفعجي الأصيل، مثل الزملكاوي القديم في مصر، لا ينسى أبدا، باع ناديه وفصوله الباردة في التخلي عن الصدارة، والتدهور في الأمتار الأخيرة، بذكريات حملة 2002-2003، عندما هيمن رجال آرسين فينغر على الصدارة حتى بداية مارس / آذار، بفارق ثماني نقاط عن مانشستر يونايتد، وفي الأخير تركوا اللقب للشياطين الحمر، وتكرر الأمر في حملة 2007-2008، حين تسيد الفريق اللندني الصدارة منذ سبتمبر / أيلول وحتى مارس / آذار، وفي نهاية المطاف، ذهب اللقب إلى السير أليكس فيرغسون ورجاله. ومؤخرا تخلى الغانرز عن مقعدهم في دوري أبطال أوروبا، بعد الحفاظ على مسافة آمنة في المركز الرابع، إلى أن وقعت الواقعة في آخر 3 جولات، بالتحطم على يد توتنهام ثم نيوكاسل يونايتد، لينتهي بهم المطاف في المركز الخامس مع إطلاق صافرة نهاية الموسم، والعكس 180 درجة بالنسبة للمان سيتي، الذي يتمتع بتاريخ حافل من الاستفادة القصوى من عثرات خصومه، أشهرها خطف لقب انزلاقة ستيفن جيرارد، ومرتين مع ليفربول في حقبة يورغن كلوب بفارق نقطة واحدة، وهذا الأمر في حد ذاته، يضع غوارديولا وفريقه في وضع أفضل في السباق على اللقب.

الرفاهية والجودة

واحدة من الأمور التي تصب في مصلحة مانشستر سيتي، وتجعله في الوقت الراهن، المرشح المفضل للاحتفاظ بلقب البريميرليغ، الفارق الهائل في جودة اللاعبين في جُل المراكز، وخاصة في الدفاع والهجوم، ويظهر ذلك في التأثير الإيجابي الهائل لعودة صخرة الدفاع روبن دياز، الذي أثبت بشكل عملي، أنه يمثل 50% من قوة الدفاع السماوي، بعد تدهور أوضاع الدفاع في فترة غيابه في بداية الموسم، مقارنة بالنسخة التي يبدو عليها في وجوده، مقدما نسخة تحاكي عجائب فيرجيل فان دايك في سنوات ذروته مع ليفربول قبل انتكاسته بقطع في الرباط الصليبي، وبدون مبالغة، أشبه بالقادة الذين ساهموا في تعظيم دور قلب الدفاع في الألفية الجديدة، أمثال جون تيري في تشلسي وريو فرديناند مع اليونايتد وراموس في سنوات المجد مع ريال مدريد وإلخ. وكذا الأمر بالنسبة للفوارق الهائلة على مستوى الهجوم، في ظل وجود هالاند، مقابل معاناة آرتيتا في العثور على بديل للزجاجي غابريل جيزوس في مركز رقم (9)، فضلا عن التنوع في الأسلحة الهجومية، المتمثل في الوفرة العددية الهائلة في الثلث الأخير من الملعب، في جواهر ومواهب بحجم فخر العرب النسخة الجزائرية رياض محرز، وبرناردو سيلفا، وفل فودن، وجوليان ألفاريز، من دون أن نتحدث عن الهدايا المتوقعة من خبثاء من طينة دي بروين وإلكاي غندوغان وكالفن فيليبس من الوسط، وهي أشبه بالرفاهية التي لا يتمتع بها المدرب آرتيتا في تشكيلته، بجانب صداع الاختبارات المعقدة التي تنتظر آرسنال خارج قواعده أمام منافسين بحجم ليفربول والمنافس المباشر مانشستر سيتي ونيوكاسل يونايتد، مقارنة بـ«السيتيزينز»، الذي تخلص نهائيا من اختباراته أمام الستة الكبار خارج ملعبه، من دون أن ننسى ناقوس الخطر الأكثر وضوحا، بالانخفاض الملموس في منحنى أداء ونتائج آرسنال والعكس بالنسبة للسيتي مع بدء العد التنازلي لما تعرف بأسابيع وأشهر الحسم في دوريات أوروبا الكبرى، فهل سينجح آرتيتا في إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح؟ أم يواجه مصير يورغن كلوب ويتحسر على ضياع اللقب في الأمتار الأخيرة؟ هذا ما ستجيب عنه أقدام اللاعبين في أسابيع الحسم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية