بيروت -«القدس العربي»: ليس حتمياً أن تكون للمبدع سيرة خاصة تحفزه للتعبير عن قضية اجتماعية ما. لكن بحدوث التلازم بين التجربة الشخصية والتعبير الفني، تتولد نكهة مثيرة للاهتمام. أما أن تكون السيرة الذاتية مدموغة بجرح طفولة، فهذا ما يجعل التعبير يفيض بمشاعر يعصى بعضها على الخيال. المخرجة اليمنية خديجة السلامي المعروفة بوثائقياتها الإنسانية الـ25، وقعت فيلمها الروائي الأول «أنا نجود بنت العاشرة ومطلّقة». عمل شكل جزءا لصيقا من روحها وتجربتها الشخصية. فيلم عرض في أيام بيروت السينمائية، ونال تصفيقاً حاداً، وسيتواصل لاحقاً في الصالات اللبنانية كعرض تجاري. في هذا الشريط المشغول بمشاعر فائقة الرهافة كانت المخرجة على موعد مع نجود. هي الطفلة التي حصدت الاعجاب والتقدير من كافة وسائل الإعلام قبل سنوات، حين قررت الهرب من الرجل الذي تمّ تزويجها له واللجوء للقاضي طلباً للطلاق. كانت في العاشرة عندما وجد ذووها أن المال الذي قدمه العريس البالغ من العمر 30 سنة سيسد رمقهم لزمن ما، وأن طفلتهم ستنزاح عن كاهلهم كبشر له متطلبات طعام، وسترة. نجود الآن في 19 من العمر، في حين الشريط الممتد على 99 دقيقة، والذي كانت ملهمته يشق طريقه. فيه تميزت عين خديجة السلامي بالشاعرية. وتمكنت رغم الكثير من المصاعب التقنية التي واجهتها خلال التصوير في اليمن، من التقاط الصورة الجميلة عن القرية اليمنية، رغم مأساوية الموضوع الذي كانت بصدده. مخرجة حبكت نصاً سلسا مترابطا. ونسجت ايقاعاً متوازنا بين الصورة والهدف المنشود منها. وأبحر الشريط عميقا في تفاصيل تقاليد وعادات المجتمع اليمني. الفيلم الذي نال جائزة «المهر العربي» في مهرجان دبي، مرشح لترحيب عربي في حال عرضه تجاريا. فالقضية التي ولجتها خديجة السلامي ليست يمنية وحسب، بل لها امتداداتها العربية، ومسارها الإنتعاش مع ازدهار الفقر، والمآسي الناجمة عن كرة النار المتفجرة، التي تجتاح أكثر من نصف شعوبنا. للأسف من سيشاهد الفيلم، ومن سيصفق للرؤية السينمائية السديدة لخديجة السلامي، ليس ذاك القابع في غياهب الفقر والجهل. والسؤال متى وكيف ستصل الرسالة إلى المستهدفين؟ ربما نجد الجواب في هذا الحوار مع خديجة السلامي:
○ كم من «نجود» مطلقات في حاضرنا العربي الذي يغلي فقراً وتشرداً وحروباً؟
• حين ناصر الإعلام نجود وصارت قصتها متداولة في اليمن شجعت الكثير من الفتيات اللواتي تمّ تزويجهن عنوة لكسر جدار الصمت، والبحث عن الطلاق كحل لهن. كثيرات حققن الطلاق، وأخريات عاجزات. بدوري ساعدت عشر فتيات على الطلاق. هؤلاء نعرفهن، والفتيات اللواتي تلتزمن الصمت كثيرات. معضلة الزواج المبكر تنتشر في الريف، وفيه لا نعرف حجم المشكلة.
○ زواج الصغيرات في اليمن قديم العهد لماذا كانت نجود الحافز؟
• تعرضت مراراً لمسألة الزواج المبكر في أفلامي الوثائقية، وللفيلم الروائي حكايته. سيدة فرنسية مشهورة كانت بصدد شراء حقوق كتابي «دموع سبأ» لكتابة سيناريو فيلم عن اليمن. المعلومة أقلقتني، رغم معرفتي بأهمية وحرفية تلك المرأة التي كانت ستأتي بفيلم رائع دون شك. لكنها في رأيي كانت ستعجز عن إيضاح الحقيقة، لجهلها العادات والتقاليد في بلد لم تزره مطلقا. خشيت من فيلم أسير الكليشيهات التي يعتمدها الغرب عن وطننا العربي. هي النظرة الخارجية التي احاذرها. حدث بيننا تنافس حاد. هي امرأة ذات شهرة ونفوذ، وقررت تصوير الفيلم في المغرب. أخبرت ناشر الكتاب بأني سوف أصور في اليمن ومع يمنيين، وسأنقل الواقع، وان تلك المرأة ستدر عليه مالاً بعيداً عن الواقع. خيرته بين الواقع والمال؟ أردته موقفاً للتاريخ، ولم يكن في بالي أنه سينحاز للواقع. لكن هذا ما فعله. كانت لي حقوق الكتاب، أخذت منه القليل، في حين كان للواقع الحيز الأكبر.
○ أن يكون الزواج المبكر جزءاً من تاريخك الشخصي فكم انعكس على عملك الفني؟
• لا شك في ذلك الانعكاس. رغبت في نقل واقعنا وبعين تشعر بهذا الواقع. كنت في الحادية عشرة من العمر حين تمّ تزويجي، ووقع الطلاق بعد ثلاثة أسابيع، تماما كما حصل مع نجود. لهذا أرى في حكايتها حكايتي.
○ هل حصلت على طلاقك بجهود ذاتية؟
• صحيح. في طفولتي لم تكن لمنظمات حقوق الإنسان الفاعلية الحالية. حينها كان طبيعيا جدا أن تُزوج الفتاة في العاشرة أو الحادية عشرة. بعد الزواج مباشرة حاولت الانتحار. وقفت والدتي إلى جانبي، وتمّ الطلاق.
○ كيف تخلصت من الصدمة؟
• الصدمة كبيرة. والخلاص منها يعتمد على شخصية كل طفلة. فهمت سريعاً أن الخلاص سبيله التعليم. عدت إلى المدرسة صباحاً. وعملت بعد الظهر. كان ضرورياً الاعتماد على الذات بعد أن تبرأ والدي وأسرتي مني.
○ أين عشت طفولتك اذاً؟
• في صنعاء مع والدتي المنفصلة عن والدي والمتزوجة من آخر. كان حضنها دافئاً، ودعمها كبيرا.
○ لماذا في رأيك نصنع السينما عن قضايا مجتمعنا والواقع يزداد تقهقراً؟
• هي السياسات الخاطئة لبعض الدول التي لا تمت بصلة للإنسان. للأسف الإنسان العربي مهمل. في بلدي اليمن لا يلقى الإنسان أي اهتمام من الحكام. هو محاصر بالجهل، والعادات والتقاليد، بالفهم المغلوط للدين وبالتعليم التلقيني. وكل هذا يشد الإنسان للخلف. نحتاج كدول عربية لثورة فكرية وتعليمية أكثر من أي شيء آخر.
○ لماذا طال انتظار حضورك في السينما الروائية؟
• هو التمويل الذي يحول دونها. معظم أفلامي الوثائقية من إنتاجي الخاص، فلست أرضى بمنتج يحدد طريقي. هدف المنتج الكسب، وهدفي الرسالة في الموضوع الذي أختاره.
○ هل تمت مشاهدة الفيلم في اليمن؟
• كان مفترضاً أن يعرض في الشهر الحالي، وبسبب التطورات السياسية تأجل الموعد. الفيلم يجب أن يُعرض في اليمن أولاً. همي الأول التوعية في اليمن.
○ أن يُعرض فيلم نجود.. في الغرب فماذا يعني ذلك؟
• هدف العرض تحقق في رأيي حين تمّ ذلك في فرنسا وسويسرا. هذا ما توضح لي قبل قدومي إلى بيروت. في اعتقادهم أن الإنسان العربي وحش. بمشاهدتهم للفيلم تأكدوا من وجود ما يدفع هؤلاء البشر لسلوكيات مماثلة. فرنسيون وصفوا الرجال الذين يتزوجون الطفلات، بالمساكين لقلة وعيهم. لم يقولوا عنهم وحوشاً. فلست أوافق على نعت آخر بصفة دون فهم الواقع. وهذا ما وصل للغرب.
○ الغرب يمد يده حيناً لمساعدتنا إنسانياً ويشد بنا نحو القاع حين يجد له مصلحة. كم هو مسؤول عن تقهقرنا؟
• ليس لنا لوم الآخر في حالنا. نحن سبب مآسينا وعلينا الخروج من قوقعتنا. ليس لمصاعبنا حل من الآخرين. نتعلق بالغرب إما ننتظر مساعدته، أو نلقي عليه اللوم. تألمت لمشكلة «شارلي إيبدو» وتألمت أكثر لأنه وفي اليوم نفسه قضى خمسون طالباً جامعياً في اليمن بضربات من تنظيم القاعدة. وهذه الجريمة الموصوفة لم تستحق حتى ذكرها بكلمة في الإعلام الفرنسي. بل كان التركيز على أن أحد منفذي الجريمة كان في اليمن، وكأن اليمن تُصدّر الإرهاب. مهمتنا تحديد مصالحنا والاهتمام بها.
○ كامرأة دبلوماسية لسنوات طويلة في سفارة اليمن في باريس لماذا في رأيك هذا العنف الموصوف لـ»الجهاديين» المولودين في الغرب من أستراليا إلى أوروبا؟
• أظنهم ناقمون على أوضاعهم. بعضهم من أسر جيدة، وآخرون من أسر عادية أو أقل. هم فئة لا تزال تبحث عن هويتها. فلا هو حقق الاعتراف به كغربي. ولا هو مسلم أو عربي. ذاك الجيل التائه ليس له صلة لا بالإسلام ولا بالعروبة.
○ أين مسؤولية الحكومات من إدماج هؤلاء بمجتمعاتهم؟
• لا شك هي مسؤولية الحكومات في الغرب. فهذا الفرد المسمى «جهادي» من مواطنيها. بعد موجة الـ»جهاديين» إلى سوريا وغيرها من الدول العربية بدأ الغرب يطرح السؤال على نفسه. وهو يدرك تماماً أنه سيكون الهدف التالي.
○ نعود إلى الفيلم الذي غاص في التقاليد والعادات المعتمدة في اليمن. كيف لك هذا وأنت من غادرت في مطلع شبابك؟
• نعم غادرت مبكراً، لكني كنت شديدة الارتباط ببلدي وناسي. ولشدة نقمتي قلت حينها لن أعود مطلقاً. وحينها لم يكن للأثر الغربي بصماته على نفسي. لم يكن الانترنت موجوداً، وبالكاد كان التلفزيون والتليفون موجودان في بلدي. الاحساس العميق بالظلم الشخصي دفعني للقول بأني لن أعود. الحمدلله أني حصلت على منحة دراسية إلى الولايات المتحدة. في اقامتي الأوروبية قارنتها مع الولايات المتحدة، فوجدت الأخيرة تشعرنا وكأنها وطننا. هذا على صعيد الصلات الاجتماعية والإنسانية. في الولايات المتحدة يحصل الانصهار والتعارف واللقاء بين عدة أعراق وديانات، وكل منهم يشعر بأمريكيته. وكل منهم يحترم الآخر. في الولايات المتحدة شعرت بمدى احترام الآخر وفكره. ما عشته هناك دفعني للتفكر ببلدي، ومراجعة حساباتي. اليمنيون طيبون، صادقون وعفويون. مشكلتهم أنهم شعب غير متعلم وجاهل. عدت إلى وطني فتعلقي شديد به. وأنا في ذهاب وإياب بين اليمن وفرنسا.
○ أن تقدمي فيلمك الروائي الأول بالكثير من الجاذبية والسلاسة فهل هو ناتج عن تمرس طويل بالوثائقي؟
• في الواقع صرفت النظر عن العديد من المشاهد نظرا لظروف التصوير الصعبة في اليمن. رغبت في أفضل مما حققته. بحوزتي المزيد لقوله. للأسف هذا ما حدث. حافظت على المفاصل الأساسية فقط من السيناريو الذي أعددته.
○ ما هي المصاعب التي واجهتك خلال التصوير؟
• جمة. اخترت الممثلين لأشكالهم. ففي مخيلتي صورة للأب، للزوج وغيره. منهم الممثل، ومنهم من دربته. الصعوبة القصوى تمثلت في اختيار الطفلة التي عليها تجسيد نجود. بعد عذاب وجدت طفلة من أسرتي في عمر الـ10 سنوات. كان مستحيلاً أن تكون غريبة. كان عليها الغياب لشهر ونصف عن المدرسة، وأن تتواجد في مكان التصوير. والمشكلة الأكبر تكمن في صعوبة الدور.
○ ولهذا كان مشهد ما يسمى زواجا وهو اغتصاب في الواقع إيحائيا؟ وكيف تم إيصال الفكرة لهذه الطفلة؟
• أكرر كم كان صعباً أن نسمي لها الأمور. أبلغناها أن هذا الممثل سيهجم عليك ليلحق بك الأذى. دورك هو الدفاع عن نفسك بقوة. هذا ما فعلته الطفلة. دافعت عن نفسها حقيقة. بعد وقف التصوير تبين أن أظافرها غرست في زنديه، وأن الدماء سالت منهما. ولو تنبهت لهذا خلال التصوير كان مهما نقله. إعادة المشهد كانت مستحيلة. تلك الطفلة دخلت الشخصية كليا وعبرت عن صدق بالغ.
○ هل من موضوعات نسائية لا تزال تغري مخيلتك الإخراجية؟
• كثيرة. إنها موضوعات المرأة والرجل. فالرجل ضحية كما المرأة. هو ضحية نفسه والمجتمع معاً. كما أنه ضحية الأنظمة التي تهمله كما سائر المواطنين. في النهاية هذا الرجل يظلم نفسه، أسرته وشريكة حياته.
○ لماذا كتاب «دموع سبأ» بالانكليزية؟
• جاء ذلك بتشجيع من زوجي. لو سألتني عن زواجي المبكر قبل نشر الكتاب لما تكلمت. فالحادث ترك اثراً بالغاً في نفسي. بصدور الكتاب ساهم البوح في نوع من الشفاء النفسي. لم أكن قد حدّثت زوجي كثيراً عن هذه الواقعة. فهمها بالتدريج وشجعني على الكتابة. لم يقتصر الكتاب على سيرتي، بل كان صوتا يمنيا يحكي الثقافة كما الاجتماع. وكذلك التاريخ والسياسة.
زهرة مرعي