الإنتخابات الإسرائيلية: فوز نتنياهو يعزز من احتمالات المواجهة مع المجتمع الدولي

حجم الخط
0

في عام 2004 خرجت صحيفة «دايلي ميرور» البريطانية التي اتخذت موقفا معارضا لغزو العراق بعنوان رئيسي معلقة فيه على فوز الرئيس الأمريكي جورج بوش «هل كان الـ 59.054.089 أغبياء؟» فقد استغربت الصحيفة انتخاب الأمريكيين بوش ونائبه ديك تشيني لولاية ثانية رغم الحرب الكارثية في العراق ومعتقل غوانتانامو وفضيحة أبو غريب. وكان العنوان يعكس موقف العالم الخارجي الذي فسر انتخاب الأمريكيين لبوش مرة أخرى على أنه مصادقة وتفويض جديد له.
وفي 18 آذار/مارس انتخب الإسرائيليون بنيامين نتنياهو لولاية رابعة، وبهذا منحوه تفويضا جديدا وجعلوه ملكا غير متوج، وهو ما لم يحظ به أحد في السابق وحتى ديفيد بن غوريون. وبين الحالة الأمريكية والإسرائيلية تشابه، فدوافع الأمريكيين ربما ارتبطت بعدم إقتناعهم بمنافس بوش في الإنتخابات جون كيري ولعدم اقتناعهم بالنظام الضريبي الذي اقترحه الديمقراطيون أو موقفهم من حيازة السلاح أو لأن بعضهم أراد تسجيل موقف داعم لغزو العراق. وفي الحالة الإسرائيلية تشابه، فزعيم المعسكر الصهيوني إسحق هيرتزوغ رغم تركيزه على الموضوعات الإجتماعية إلا أن شخصيته لم تقنع الناخب الإسرائيلي ولأن نتنياهو نجح في استغلال خوفهم وإرعابهم من أن البديل عنه سيكون الجحيم. وكانت نتائج قرار الأمريكيين واضحة فقد شوهت صورة أمريكا وتراجعت سمعتها في العالم رغم محاولات إدارة بوش تصحيح المسار وانتبهت متأخرة للقضية الفلسطينية وقدمت خطة طريق. أما في الحالة الإسرائيلية فرغم «نجاح» نتنياهو الشخصي وفوزه رغما عن التوقعات إلا أنه جاء كما يرى جدعون رخمان في صحيفة «فايننشال تايمز» بثمن باهظ، فقد أصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي «وجه إسرائيل في العالم» وبالتأكيد سيعاني موقف إسرائيل لعدة أسباب منها كشفه عن موقفه الحقيقي من التسوية السلمية مع الفلسطينيين وخطابه أمام الكونغرس الذي ألقاه في عز الحملة الإنتخابية وشجب فيه محاولات إدارة الرئيس باراك أوباما التفاوض مع إيران بشأن ملفها النووي.

تصريحات عنصرية

أما الأمر الآخر فتصريحاته المبطنة بالعنصرية عندما حذر «اليمين» الإسرائيلي من إقبال الناخب العربي في إسرائيل على المشاركة في الإنتخابات. وهي تصريحات تقدم صورة رئيس وزراء انقسامي لا يمثل كل مواطني الدولة لأنه كما تقول صحيفة «الغارديان» قام باللعب على مخاوف اليهود من سكان البلد العرب، وتحدث عن تدفقهم إلى مراكز الإقتراع بلغة «لا تستخدم إلا لوصف عدو خارجي» وفوق كل هذا وجه ضربة لكل العملية السلمية عندما رفض فكرة تحظى بدعم دول من المجتمع الدولي وهي حل الدولتين مع الفلسطينيين. وترى الصحيفة أن نتنياهو تجاوز خطين أحمرين، فمن خلال الإشارة للعرب تحديدا كتهديد فقد أخل بمبدأ حق كل المواطنين الشرعي التعبير عن رأيهم في طريقة حكم البلد. ويناقض موقف نتنياهو الفكرة التي تروج لها إسرائيل عن نفسها بكونها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. ومن خلال دفنه العلني لحل الدولتين فقد دمر كل الجهود الدبلوماسية منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993. وترى «الغارديان» أن هذا يضر بتماسك المجتمع الإسرائيلي ويعتبر ضربة للفلسطينيين الذين انتظروا طويلا للحصول على اعتراف بحلمهم الشرعي وهو إقامة دولتهم. وعليه فحرمان الفلسطينيين من دولتهم لا يعني أمنا لإسرائيل. بل على العكس أضر موقف نتنياهو بإسرائيل نفسها التي يعتمد أمنها واستقرارها على تسوية تتم عبر المفاوضات. وترى «الغارديان» ان الإختباء خلف الجدران وقطع الإسرائيليين عن جيرانهم الفلسطينيين لا يعتبر حلا استراتيجيا دائما. ومن هنا غلب الناخب الإسرائيلي مخاوفه الأمنية على مظالمه الإقتصادية والإجتماعية. فعقلية «القلعة» والتحصن خلف الجدران لن تخدم إسرائيل على المدى البعيد بل ما يخدم مصالحها هو التعامل مع الموضوع الفلسطيني. قد يناقش البعض أن الدعاية الإنتخابية تختلف عن السياسات التي تتخذها الحكومة بعد الإنتخابات لكن هذا لا يصدق على نتنياهو الذي عمل كل جهده لإحباط العملية السلمية عبر البناء المستمر للمستوطنات على الأراضي التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية، ولم يكن حديث نتنياهو عن حل الدولتين سوى قناع سقط أثناء الحملة الإنتخابية. وكما أشار رخمان، فهناك في حزب الليكود الذي يقوده نتنياهو من لا يؤمن بحق الفلسطينيني بدولة من الأساس.

سيادة اليمين

فقد أكدت الإنتخابات ميل الناخب الإسرائيلي نحو اليمين ولهذا السبب جاءت الدعاية الإنتخابية لخدمة هذا الغرض. وقد اعترف آرون شيف مدير حملة نتنياهو الإنتخابية أنه واجه صعوبة في التفكير بطريقة يقلب فيها كل الأوراق لصالح حزب الليكود، فكل الإستطلاعات كانت ضد نتنياهو وحزبه، ولهذا كان الخوف اللعبة التي لعبها في الحملة الإنتخابية، وخدم تنظيم الدولة الإسلامية الفكرة، حيث تحدث شريط فيديو عن مقاتلين للتنظيم في طريقهم للقدس وأخذوا يسألون الناس عنها. وكما أشرنا فلعبة التخويف غطت على القضايا المهمة، وكما لا حظت صحيفة «التايمز» البريطانية فنتنياهو لم يمنح الإسرائيليين صورة عن الطريقة التي ستنجو فيها إسرائيل إن رفضت حل الدولتين، وحذرت في الوقت نفسه من «القنبلة الديموغرافية» التي يمثلها العرب في داخل إسرائيل حيث ترتفع معدلات الولادة بينهم. مما سيضع الإسرائيليين أمام اختيار بين دولة يهودية أم ديمقراطية. ودعت الصحيفة نتنياهو للتصرف «كرجل دولة» وعليه أن يخفف من حدة رفضه لدولة فلسطينية والإجابة عن الكيفية التي ستواصل فيها إسرائيل العيش كدولة ديمقراطية منفتحة إن لم تتعايش مع الفلسطينيين؟ صحيح أنه لا الليكود ولا يسار الوسط كان سيدعم فكرة دولة فلسطينية. وكما يقول رخمان فقد فشلت كل الجهود لإقامتها خلال الـ25 الماضية، ولم يحدث هذا حتى عندما كان اليسار في السلطة. ويضاف إلى هذا كله الوضع الفلسطيني، فرغم مظاهر التقارب بين حركة حماس والسلطة الوطنية إلا أن المعسكر الفلسطيني يعيش حالة الفوضى وبدون قيادة قوية، فلن تجازف أية حكومة إسرائيلية مهما كان لونها بتوقيع سلام مع الفلسطينيين في وضع متفجر في سوريا وغير واضح في لبنان هذا إن لم ننس ذكر شماعة نتنياهو المتعلقة بالملف النووي الإيراني.

لا شراكة

وأيا كان الوضع قاتما بالنسبة للجانب الفلسطيني، فيمكن لقيادته الزعم اليوم أنه لم يعد هناك شريك موثوق به في العملية السلمية. وسيقوي هذا وضعهم إن تحركت الإدارة الأمريكية في مجلس الأمن وتوقفت عن دعم إسرائيل فيه، كما أن محاولات الفلسطينيين تقديم قادة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية ستجد دعما بسبب موقف نتنياهو.
وترى صحيفة «واشنطن بوست» ان رفض نتنياهو للدولة الفلسطينية سيمنح عياس صلاحية وسلطة للتقدم أمام مجلس الأمن بمشروع قرار للإعتراف بفلسطين. كما سيجد عباس دفعة لتنفيذ تهديداته بإنهاء التعاون الأمني مع إسرائيل. وحتى حل السلطة الوطنية مما يعني عودة الحكم العسكري إلى الضفة كما تقول.
وفي هذا السياق فإن ما يهم الفلسطينيين هو الموقف الأمريكي ومعه الإتحاد الأوروبي الذي يعول كثيرا على العملية السلمية. فعلاقات نتنياهو مع الرئيس أوباما لم تكن جيدة في أحسن حالاتها، وساءت بعد تحديه البيت الأبيض في خطابه أمام الكونغرس في 3 آذار/مارس. ولكن فوز نتنياهو يضع تحديات أمام الإدارة الأمريكية. ومن هنا ترى صحيفة «فايننشال تايمز» أن رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي حل الدولتين هو رفض للعملية السلمية برمتها. وقد عاقبت الإدارة الأمريكية السلطة الوطنية عندما قدمت لمجلس الأمن طلبا للإعتراف بالدولة الفلسطينية واستخدمت الفيتو متذرعة أن الدولة ستحقق عبر التفاوض. ولهذا على الولايات المتحدة إعادة النظر في موقفها السابق عندما يتقدم الفلسطينيون بالطلب مرة أخرى. وفي هذا السياق كشف الكاتب ديفيد إغناطيوس أن البيت الأبيض ناقش سلسلة من التحركات للرد على لغة نتنياهو في الإنتخابات، منها إعداد صيغة لشكل الدولة الفلسطينية التي نتجت من عملية المفاوضات التي قادها جون كيري العام الماضي تقدم لمجلس الأمن، والتغاضي عن محاولات الإتحاد الأوروبي تبني سياسة المقاطعة والتوقف عن استخدام الفيتو وتغيير الموقف من إنضمام فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية. وعلق الكاتب أن هذه إجراءات تكتيكية للضغط على نتنياهو ودفعه نحو تبني مواقف معتدلة. وقد فهم نتنياهو هذا عندما تحدث لشبكة «إي بي سي» الأمريكية إنه سيدعم حل الدولتين «إن تغيرت الظروف» حيث حاول نزع فتيل الجدل الذي سببه. وفي المقام نفسه قد يجد الإتحاد الأوروبي الطرف الآخر الذي يعول على العملية السلمية نفسه أمام مواجهة مع رئيس الوزراء خاصة أن الأخير متهم من العواصم الأوروبية بالتدخل في شؤونها وذلك عندما دعا اليهود للهجرة إلى إسرائيل بعد هجمات «شارلي إيبدو» في فرنسا وكوبنهاغن في الدانمارك. وقد هنأت مسؤولة ملف الشؤون الخارجية في الإتحاد فردريكا موغريني نتنياهو بالفوز وحثته على العودة لطاولة المفاوضات.

تشاؤم

ومع ذلك هناك شعور بالتشاؤم مما أسفرت عليه الإنتخابات الإسرائيلية الأخيرة وعلى ما يبدو فالإسرائيليون والفلسطينيون متجهون نحو فصل أكثر تعقيدا في تاريخهم حسب صحيفة «فايننشال تايمز». فقد أظهرت نتائج الإنتخابات الإسرائيلية سطوة شخصية نتنياهو على اليمين الإسرائيلي ولكنها تكشف في الوقت نفسه عن حالة «البارانويا» التي تعتري هذا القطاع لدرجة أنه صدق كل حيل وألاعيب رئيس الوزراء. وهنا لا بد لنا من الإشارة إلى أن انتصار نتنياهو لم يكن ساحقا، فنتائج الإنتخابات تظهر أن المجتمع الإسرائيلي لا يزال منقسما حول زعيم الليكود. ومن أجل تولي السلطة فأمامه مهمة تشكيل تحالف معقد، فلو فاز نتنياهو بمعظم مقاعد الكنيست لقلنا إن هذا كان بسبب عدم قدرة هيرتزوغ على تقديم نفسه كزعيم وطني.
وفي المحصلة فإسرائيل مقدمة على مواجهة مع العالم، مع واشنطن حول المفاوضات النووية ومع الولايات المتحدة والإتحاد الاوروبي حول ملف التسوية مع الفلسطينيين. ولا يستبعد أن يخوض نتنياهو جولة رابعة من الحرب مع الفلسطينيين في غزة فيما تظل المواجهة مع حزب الله في لبنان مسألة وقت. فماذا سيفعل نتنياهو أمام كل هذا؟

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية