الانشقاقات الطبقية في الأدب: حالة الروائية آني إرنو

إيزابيل شاربنتييه | ترجمة: عبدالله الحيمر
حجم الخط
0

قادمة من عالم عدم المساواة بين الطبقات بفرنسا، الروائية الفرنسية آني إرنو (1940) لتبرز هذه الأصول، وهذا التفاوت من طبقتها الى طبقة المثقفين، ، أعمالها غير مهادنة، وعلى مدى 50 عاما، صورت بكتابتها الروائية حياة تشوبها الفوارق الكبرى في اللغة والجنس والطبقة في المجتمع الفرنسي.

الانتصار لطبقة اجتماعية

استنادا إلى تجربتها الخاصة، مع مسار اجتماعي غير محتمل من الحراك الاجتماعي التصاعدي القوي جدا، تغذيه القراءات الاجتماعية، ولاسيما أعمال عالم الاجتماع بيير بورديو، أو البريطاني ريتشارد هوغرت، في قصصها الاجتماعية الذاتية، تصف العالم وتمثلات صغار التجار الريفيين في فترة ما بعد الحرب، وتسعى إلى جعل «الثقافة العالمية المهيمنة» التي جاءت منها «للانتقام لطبقتها». كما أنها تميل إلى فهم آثار الحركات – التي تكون أحيانا كبيرة الحجم – في الفضاء الاجتماعي، في تصورات المتضررين من الحراك الاجتماعي التصاعدي للعالم الاجتماعي والسياسي، بالمعنى الواسع للمصطلح، آثار المواجهة مع الثقافة المشروعة التي تنشرها المدرسة، والتمزق المؤلم في كثير من الأحيان الذي يحدثه التعليم مع البيئة الأسرية الأصلية، وأخيرا تحويلات الموطن، وعدم الارتياح الذي تخلقه مثل هذه المسارات لدى الأفراد الذين يختبرونها، ممزقة بين ولاءين لا يمكن التوفيق بينهما، دائما ما تكون «نازحة»، فيواجه هؤلاء «المنشقون» أكبر صعوبة في العثور على مكانهم في الفضاء الاجتماعي. ومع ذلك، فإن الكتابة عن آثار مثل هذا الموقف الفاصل، والعار الاجتماعي الذي يولده (عار الأصول الاجتماعية، وخزي الوالدين، والعار من الخجل) ليس بديهيا: بعد أن استوعبت «عدم الجدارة» الثقافية للأصول الشعبية للفرد، اعتقدت آني إرنو منذ فترة طويلة أن الواقع التافه الذي كانت تعيشه لا يوصف، وغير لائق ولا يستحق أن يقال عنه نصا أدبيا: عندما كنت طفلة ومراهقة، شعرت بأننا (عائلتي، الحي، أنا) كنا خارج الأدب، ولا نستحق التحليل والوصف، بالطريقة نفسها التي لم نكن بها قابلين للفرز للغاية «.

إن الأهمية الاجتماعية الكاملة والآثار السياسية لهذه الموضوعات، التي نادرا ما يتم تناولها بهذه الطريقة المباشرة والمنهجية في الأدبيات، مفهومة جيدا.

البحث عن الشكل الصحيح للكتابة

علاوة على ذلك، لم تعرف على الفور كيف تفسر ذلك أدبيا، دون خيانة أصولها. لذلك سيكون البحث عن «الشكل الصحيح» في صميم انعكاسها الأسلوبي طوال عملها، وسيقودها، من رواية المكان، إلى تفضيل «كتابة السكين»، التي تصفها بأنها «مسطحة» أو «بيضاء»، أي «لغة الأشياء»، المجردة من الصفات المعتادة في الأدب، وهي الوحيدة التي يمكن الدفاع عنها، وفقا لحسابات الوجود «الخاضعة للضرورة». مثل هذا التوتر بين عالمين كان ينظر إليه بالفعل من قبل آني إرنو كطفلة في المدرسة، قبل وقت من الانتقال إلى الكتابة. ونجد في رواية «المكان» مؤشرات تسمح بإعادة بناء عالم المحيط العائلي المألوف لمراجع المؤلفة في ذلك الوقت. والتناقضات التي حوصرت فيها الطفلة أثناء التمدرس. حيث تقول: «في كتاباتي الإنشائية، حاولت استخدام ما أشعر به بشكل جيد، أي ما يقترب من قراءتي، سجادة مليئة بالأوراق، وكما لم يتحدث الأدب الذي عرفته عن أم نامت على طاولة التعب بعد العشاء، أو طقوس الدفن، حيث يغني المرء، شعرت بأنه لا ينبغي لنا ذكرها. عندما بدأت الكتابة، كنت يائسة من عدم الظهور بمظهر جيد في كل جملة أكتبها». مفتونة ولامبالية تجاه هذا العالم الجديد، من الآن فصاعدا بمقياس الطفلة آني أرنو ستقيس وتحكم على جميع القيم والممارسات المعمول بها في البيئة الأسرية الأصلية. ترمز المدرسة بالفعل إلى التحول في عالم الكتب والثقافة، مع موكب القيود التي ينطوي عليها هذا النمط من الوصول إلى الدراسات: التحكم في صورة الجسد وتأثيره، والحرمان من الأذواق والسلوكيات واللغة التي تتحدث بها الأسرة، ونفي اللهجة، وتصحيح التنغيم الصوتي.
وهكذا تكلم دينيس ليسور، «بديل» آني إرنو في رواية الخزائن الفارغة: «ولم أكن أرغب في النجاح في المدرسة، ولم أكن لأفعل أي شيء لبيع البطاطس خلف المنضدة، لم أكن لأذهب إلى الكلية. كان عليك أن تكره المتجر بأكمله، المتجر، زبائن الخاسرين على القائمة. غرباء عن والديّ، غرباء عن بيئتي، لم أعد أرغب في النظر إليهم.. أسوأ شيء هو أن الفصل المدرسي.. لم يكن مكاني الحقيقي. ومع ذلك كنت أتوق إليه بكل قوتي.. لا يزال يتعين علينا توسيع الفجوة».

لغة المهيمن طبقيا

لذلك فإن اللغة هي التي تبلور التمزق بين العالمين – وهذه اللغة هي التي يجب العمل عليها باستمرار لإعطاء سرد أدبي للأخيرة: لغة المدرسة، التي يتم تأديبها والسيطرة عليها باستمرار، والتي تبطل بوحشية الممارسات اللغوية التي تحدث في البيئة الأسرية. تلاحظ آني إرنو في رواية المكان: «كل شيء عن اللغة في ذاكرتي هو مصدر استياء ومشاحنات مؤلمة، أكثر بكثير من المال». وتتذكر قائلة؛ «عندما كنت طفلة، عندما حاولت التعبير عن نفسي بلغة معاقبة، شعرت وكأنني ألقي بنفسي في فراغ»، مضيفة: هناك أناس يقدرون اللهجة الخلابة والفرنسية الشعبية. وهكذا لاحظ بروست بنشوة عدم دقة فرانسواز وكلماتها القديمة. فقط الجماليات تهمه، لأن فرانسواز هي خادمته وليست والدته. أنه هو نفسه لم يشعر أبدا أن هذه المنعطفات تأتي على شفتيه بشكل عفوي. بالنسبة لوالدي، كان بات شيئا قبيحا وقبيحا، علامة على الدونية.. لطالما كان من المستحيل عليه التحدث «الجيد» بشكل طبيعي. كان من الضروري إجبار نفسه، والاستماع إلى نفسه، ومغادرة المنزل للسماح لنفسه بالرحيل، تحدث دائما بحذر، وخوف لا يوصف من الكلمة الخاطئة». في رواية «العار» (1997) على وجه الخصوص، تناقش آني إرنو بإسهاب الآثار التافهة للغة الأولى: «يفترض التحدث جيدا جهدا مسبقا، للبحث عن كلمة أخرى، بدلا من الشخص الذي يأتي تلقائيا، لاستعارة صوت أخف وأكثر حذرا، كما لو كان المرء يتعامل مع الأشياء الحساسة. غالبا ما يقول والدي «كان لدي» و «كنت»، عندما أستعيدها، ينطق «كان لدينا» مع التعيين، ويقسم المقاطع، ويضيف إلى نبرته المعتادة، «إذا صح التعبير»، مما يدل على هذا التنازل القليل من الأهمية التي يتمتع بها التحدث الجيد بالنسبة له. وأكتب بـ»الفرنسية الجيدة» لكن ربما أقول «أينما أتيت» و «أغسل» مثل والدي، لأننا نعيش في الاستخدامات اللغوية نفسها لهذا العالم «.

رمزية تجربة «المنشق الطبقي»

إن الأهمية الاجتماعية الكاملة والآثار السياسية لهذه الموضوعات، التي نادرا ما يتم تناولها بهذه الطريقة المباشرة والمنهجية في الأدبيات، مفهومة جيدا. الروايات العاكسة لتجربة فردية، لكن أيضا وقبل كل شيء سرد لشكل من أشكال المصير المعرفي، وهو الحراك الاجتماعي التصاعدي لأولئك الذين ولدوا في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، تشكل كتابات آني إرنو عرضا فريدا لرمزية تجربة «الانشقاق الطبقي»، بناء على ميثاق قراءة محدد بحد ذاته، «أدبيا» لكنه اجتماعيا مبني على قراءة معرفية. هذه الكتابات ستجد بسرعة صدى مهما بين القراء يتميز بأشكال التماهي الإسقاطي مع المؤلفة، ما يسمح لهم بوضع الكلمات، خاصة في الرسائل التي يرسلونها بأعداد كبيرة إلى الكاتبة، عن مسارهم الخاص والتمزق الاجتماعي المرتبط بها، وغالبا ما عاشوا حتى ذلك الحين في سجلات الحالة الفردية والعزلة والعار. كانت تقول: «اعتقدتُ أنّه بمجرّد أن تكتب ابنة العمّال رواية، مهما كانت، فسيُعتبَر الأمر فعلا سياسيا. لم أكن أرى على الإطلاق أنَّ ذلك يعزّز التسلسل الهرمي الثقافي بطريقةٍ معينةٍ. بعد 10 سنوات، من خلال كتابة رواية «الخزائن الفارغة»، اتّخذت كتابتي وجهة معاكسة لتكشف عن كيفية مشاركة المؤسسة التعليمية في آليات الهيمنة».
إلى جانب أبعاد كتابات الفائزة بجائزة نوبل في الأدب 2022، التي تميزت بتأثير معرفتها الاجتماعية، يبدو أن مسارات الهجرة الطبقية تهيئ أولئك الذين يختبرونها – والذين يقررون نشرها من خلال نشرها في شكل نصوص أدبية – لتطوير حساسية اجتماعية حادة ووضوح، ما يؤدي بهم إلى أن يصبحوا أكثر (جدا) «علماء اجتماع تلقائيون» جيدون لأنفسهم ولعالم اجتماعي، حيث لا شيء بالنسبة لهم «غني عن القول». أو كنوع من «الامتياز الطبقي» المقلوب…

ترجمة بتصرف عن موقع THE CONVERSATION
٭ إيزابيل شاربنتييه: أستاذة علم الاجتماع، جامعة بيكاردي جول فيرن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية