حيث إن الكلمات لم تعد في قوّة ما تصفُه!

حجم الخط
0

الكلمة التي أنهت بها تلك المرأة رسالتها على الواتس آب لم تكن مؤثّرة كفاية. «اختنقنا» قالت، أو كتبتْ، مستبعدة كلمات التحيّات التي تُختتم بها الرسائل عادةً. لكن، مع ذلك، تلك الكلمة لم تصل، أو على الأقل لم تصل على قدر ما شاءت كاتبتُها. لكنني بدوت كما لو أنني مستجيب لها مثل استجابة نبيه، الذي أبرز لي الرسالة وأحبّ أن يبقى رافعا إياها في وجهي. مجاريا إياه، كان عليّ أن أبادله بشيء من عندي، كمثل أن أعيد له بعضا من كلمات المتظاهرين أمام منزل رئيس تجمّع المصارف، التي عرضتْها الشاشات التلفزيونية.

من بين الذين تكلّموا رجل ثمانيني هو الأكثر تميزا. ذاك أنه راح يستعيد، بتلعثم تسبّبت به حماستُه الزائدة، ما كان سمعه من نشرات الأخبار ومن كثيرين في حيّه يتكلّمون شاتمين ما يجري. قال عن حكام البلد إنهم لصوص، وإنهم سرقوا كل شيء، وإنهم لا يخافون الله، ثم أدخل شيئا عن العتمة في بيته، وعن مرضى السرطان، وإن لم يبد من كلامه أنه شخصيّا مصاب به. لكن ذاك الثمانيني أفلح في ما عجز عنه المتكلّمون الآخرون. ربما لا يمكنني أن أسمّي أو أعيّن ما الذي نجح فيه، لكنني أفترض أن ذلك عائد إلى أنه لم يعرف كيف يغضب، ولا كيف يرتدي الثياب التي تناسب عمره. بدت الجاكيت التي يرتديها أقرب إلى أن تكون سترة عسكرية لضابط كثير النياشين، ما يذكّر بتلك الشخصية الشهيرة في فيلم «ابنة ريان».
من يسعى إلى أن يكون مؤثّرا أو مقنعا يحتاج أن يُظهر ما هو مختلف عما يأتي به الخطباء والمتكلمون الذين نسمع كلامهم كل يوم. ذاك الكلام الذي ما فتئ يستعاد كانت فعاليته قد توقّفت هناك، حيث كانت بدايته، وهذا ما أتاح للخراب أن يتقدّم وحده فيما وصفُ الخراب يتراجع ويتخلّف. لم يعد يعني الكثير وصف الحاكمين باللصوص. كان ذلك مجديا في البداية، لا لصحّته وحقيقيته آنذاك، بل للشجاعة والجدّة التي كان يتطلّبه قولهما. الآن باتت تلك الكلمات بلا معنى، كما لو أن أكثر معناها سُحب منها. تلك المرأة التي كتبت لنبيه أنها تختنق، كان عليها أن تكون أكثر بلاغة، أعني أن تجد طريقة لتقنعنا نحن، وليس نبيه، بأن تمكّننا من أن نتخيّل، أو نشاهد، امرأة وهي تختنق بالفعل.

يزداد التعفّن كل يوم ولا نجد كلاما جديدا يواكب تفاقمه.. صرنا، من قبل أن تبدأ التلفزيونات بنشرات أخبارها نعرف، ليس فقط ماذا سيقال، بل أيضا، كيف سيقال، وبأي نبرة وبأي تعابير على وجوه المذيعين. في النشرات أولئك المتظاهرون المحتجون على سرقة البنوك لودائعهم عادوا إلى إضرام النار من جديد. ونحن نتفرّج كنّا كأننا ننفخ في النار لنقوّيها، حتى تتمكن من أن تحرق بوابة الحديد التي يختبئ خلفها من قال المتظاهرون عنه أنه لصّ، لكن البوابة ظلت كما هي، منيعة صامدة. أما لنا، نحن المتفرّجين، فكان من المؤكد أن مشهد الإحراق، حين يتكرّر، لن يظلّ مؤجّجا حماستنا. ذاك أننا، وقد شاهدنا من قبل العديد من الحرائق، سواء تلك التي كانت الأخشاب وقودها، أو الدواليب، أو حاويات الزبالة، أو السيارات المصطفّة لصق الأرصفة، صرنا نعرف الآن، إزاء الحريق الأخير، أن المشهد الذي نتابعه حيّا على الهواء بات، شأن اللغة، أقلّ بلاغة.
ومن قلّة البلاغة أيضا أن يقال إن هذا الذي بتنا فيه صار أكبر من أيّ كلام. كان باكونين قد قال إننا، نحن البشر، لدينا قابلية للتأقلم مع الحروب ومع المجاعات ومع الأوبئة. وفي ما خصّنا، نحن تأقلمنا، مع ما ذكره ذاك الفيلسوف ومع نكبات أخرى لم يذكرها في لائحته. تأقلمنا يعني أن الكلمات لم تعد تفعل فعلها فينا، شأن ما يحدث لمن يقرأ عن الفاجعة في كتاب. كما أننا لم نعد نتعاطف مع من يسقطهم الخراب. نبيه، العائد من مهجره ليقيم قليلا بيننا، لاحظ أن كلمة المرأة «عم نختنق» لم تهزّني كفاية. وهو، سعيا منه لأن أستعيد مثله الوقع الذي تتركه فينا الكلمات، قال لي أن أحطّ حالي محلّ تلك المرأة. وهذا ما لن يجدي نفعا ما دام المختنقون كثيرين أمامي ولم أعد أشعر نحوهم بما يجب أن أشعر به.

‏كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية