بغداد ـ «القدس العربي»: مؤشر المخاطر والتهديدات التي تطال صحافيين ووسائل إعلام يعملون في العراق، عاود الارتفاع من جديد بعد تهديدات واستهدافات، حسب ما أكد «المرصد العراقي لحقوق الإنسان» أمس الأربعاء.
وذكر في بيان صحافي، إنه «لم يعد مستغربا أن تقف السلطات العراقية موقف المتفرج من كل ما يحدث للصحافيين ووسائل الإعلام في العراق، فلطالما كانت السلطات سببا في إفلات الجناة من العقاب وازدياد العنف المرتكب ضد الصحافيين».
ويعاني العراق منذ نحو عقدين من «ظاهرة الإفلات من العقاب للجناة الذين ارتكبوا جرائم ضد الصحافيين العراقيين، حيث قتل 475 صحافيا وعاملا في مجال الصحافة منذ عام 2003 ولم يحاسب الجناة سوى على حالتي قتل أو ثلاث فقط» وفق المرصد الذي اعتبر أن «مؤشر الإفلات من العقاب في العراق مرتفع بشكل كبير، ويضع العراق من ضمن البلدان التي تشكل أكثر خطورة على العمل الصحافي».
وذكر أنه «في 18 شباط/ فبراير 2023 تعرض مقر قناة يو تي في المملوكة لرجل الأعمال والسياسي خميس الخنجر إلى استهداف بقنبلة يدوية في شارع النضال في العاصمة بغداد. وتتخذ القناة من العاصمة التركية إسطنبول مقرا رئيسيا».
وأعلنت القناة استنكارها لما تعرضت له من استهداف، وأكدت أنها «تنتهج خطابا معتدلا في تغطياتها» ودعت القوات الأمنية إلى «توفير الحماية لمقرها في بغداد والتحقيق بالحادثة التي تعرضت لها».
«لقطعوني إربا»
وبعد يوم واحد على الحادث، رفعت دعوى قضائية ضد مقدم البرامج في القناة عدنان الطائي بتهمة «إثارة النعرات الطائفية» بعد أن تطرق إلى المنشد الديني باسم الكربلائي وتساءل: «ألا تعتبر بعض أناشيده الدينية مثيرة للنعرات الطائفية، وألا يحاسبه القانون؟».
وقال خلال مقابلة مع المرصد: «تلقيت الكثير من التهديدات، لا يمكن لأحد أن يتصورها. أتوقع لو أنهم أمسكوني لقطعوني إربا».
وعن الدعوى القضائية قال: «أنتظر قرار القضاء العراقي، لدي ثقة بالقضاء، ويجب على القضاء أن يستند إلى أدلة ووقائع قانونية».
وخلال الشكوى التي قدمها أحد المحامين ضد الطائي، اتهمه بـ«أن تساؤله كان سببا في هجمة إرهابية شهدها قضاء الطارمية شمالي بغداد.
ووفقا للمرصد فإن «هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها القناة إلى الاستهداف، ففي 4 أيلول/ سبتمبر 2020 تعرضت القناة إلى تهديد بالحرق بعد أن (اتهمت باستهداف المرجعية الدينية الشيعية). وفي 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2021 تعرضت إلى التهديد أيضا بعد أن وصلت مجموعة مسلحين وسلمت القناة (قداحة نار وتهديدات بالحرق)».
وقبل ذلك في 17 شباط/ فبراير 2022 «تعرضت إلى تهديدات جديدة بعد أن اتهمها أنصار «الحشد الشعبي» بـ«الإساءة إلى القيادي في الحشد عبد العزيز المحمداوي المعروف باسم (أبو فدك)» وفق المرصد، الذي بين أنه «لا يمكن ضمان سلامة الصحافيين ووسائل الإعلام العاملة في العراق مهما كانت مساحة حرية التعبير متاحة، ومهما كان هناك استقرار في موقف السلطات والقِوى السياسية والمسلحة تجاه حرية الصحافة» معتبرا ذلك الاستقرار «هش ويمكن أن ينتهي في أي لحظة».
الصمت على الاعتداءات
وأضاف: «لم تعمل حكومة محمد شياع السوداني التي نالت ثقة مجلس النواب على حماية الصحافيين ووسائل الإعلام، وانتهجت نهجا مطابقا للحكومات السابقة وهو الصمت على الاعتداءات التي تتعرض لها حرية الصحافة والصحافيين، ما لم تكن شريكة فيها».
قال إن السلطات تقف موقف المتفرج
في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022 حث المرصد، «حكومة السوداني على التحقيق في عمليات قتل الصحافيين العراقيين الذين قتلوا خلال السنوات الماضية دون أي محاسبة للجناة وألا تنتهج حكومته ذات النهج الذي كانت عليه الحكومات السابقة، لكن لا بوادر واضحة على أي تحركات».
وفي (17 شباط/ فبراير 2023) أبلغ مدير مكتب قناة العراقية (شبه الرسمية) في بيروت أمين ناصر المرصد بتلقيه تهديدات بالقتل، وقال: «فجر يوم 17 شباط/ فبراير وردني اتصال من رقم هاتف عراقي وقال لي أينما تكون سنقطعك، إن كنت في بيروت أو بغداد».
وأضاف: «سألته لماذا تهدد، هل هناك علاقة بيننا، من أنت؟ فتصاعد الصراخ بيننا. أرسلت الرقم للأجهزة الأمنية العراقية، وأبلغتني بضرورة تقديم بلاغ رسمي. هذه المرة الثانية التي أتعرض فيها للتهديد خلال ثلاثة أشهر، وهناك قادة أمنيون يعلمون بالأمر بعد أن أبلغتهم به».
يتنقل أمين ناصر بين بغداد وبيروت، ويشارك في مجموعات «الواتساب» في نقاشات حادة مع سياسيين ومسؤولين، ويكتب بشكل مستمر على حسابه في «الفيسبوك» عن فساد مسؤولين عراقيين، خاصة الذين يقيمون بين بغداد وبيروت، ويتناول في بعض الأحيان معلومات عن ملفات أمنية حساسة تتعلق بـ«إرهابيين» كبار أو شخصيات متنفذة مطلوبة للعدالة.
وفي 2 شباط/ فبراير 2023 كان الإعلامي جعفر عبد الكريم الذي يقدم برنامج (جعفر توك) لصالح قناة دي دبليو الألمانية في العاصمة العراقية بغداد لتصوير حلقة تلفزيونية تتحدث عن الاحتجاجات ـ الفساد ـ حقوق المرأة، وفقا لما أبلغ به المرصد.
لكن عبد الكريم اضطر إلى إلغاء الحلقة رغم التحضيرات المكتملة من إعداد ضيوف وموقع تصوير، قبل أن يغادر العاصمة العراقية عائدا إلى ألمانيا.
وقبل وصوله إلى العراق، واجه جعفر عبد الكريم حملة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي تهاجمه بسبب ما يتناوله في برنامجه من قصص تعتبر «محرمة» في المجتمع العراقي، ويتهم بـ«الترويج للمثلية الجنسية». وهددته حسابات عديدة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ونقل موقع دي دبليو عن جعفر عبد الكريم قوله: «فجأة طلبت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية التابعة للدولة تصريحا خاصا من الفريق لتصوير الحلقة، رغم أن مثل هذه التصاريح يقدمها ويحصل عليها شركاء مؤسسة دي دبليو في العراق». وذكر الموقع في بيانه الاستنكاري حول الحادثة: «زار ممثل عن وزارة الداخلية مساء الأربعاء (1 شباط/ فبراير 2023) الفندق الذي يسكن فيه فريق برنامج (جعفر توك). وحسب المعلومات الواردة إلى مؤسسة دي دبليو أبلغ الإعلامي جعفر عبد الكريم بأنه لم يعد مسموحا له تصوير الحلقة من دون الحصول على تصريح خاص، وبأنه سيتعرض للاعتقال في حال قيامه بالتصوير. كما أن الحكومة لا يمكنها ضمان سلامته».
وقال إن «ما حدث كان إجراء تعسفيا ضده وفريق عمله. قبل يوم من التصوير كانت تطرح مطالب جديدة علينا وتفرض قيود جديدة كل ساعة».
توفير الحماية
وحث المرصد السلطات على «توفير الحماية للصحافيين العراقيين والأجانب العاملين في البلاد، وألا يسمحوا بتحويل العراق إلى بيئة غير آمنة بشكل تام للعمل الصحافي، وأن تحافظ مؤسسات الدولة على حرية الصحافة باعتبارها العمود الفقري لأي نظام ديموقراطي».
وأضاف: «لم يتقدم العراق في مؤشر حرية الصحافة العالمي الذي تصدره منظمة مراسلون بلا حدود، بل لم يحافظ على موقعه».
ودعا المرصد السلطات «ألا تزيد من مساهماتها في إفلات الجناة من العقاب، فغياب حرية الصحافة سيحول البلاد إلى سجن كبير مهما كان الحديث واسعا من قبل القِوى السياسية والمتنفذين عن وجود ديموقراطية أو وجود مساحة لحرية التعبير، فالمؤشرات هو ما موجود على أرض الواقع».