القاهرة ـ «القدس العربي»: فرضت الفراخ البرازيلية نفسها على أحاديث الشارع المصري، الذي أنهكه الغلاء، إذ دفعت الأزمة الكثير من العائلات للرضوخ للمحنة والقبول بتناول الفراخ “المجمدة”، التي ظلت غير مرغوب فيها بالنسبة للأغلبية، فيما اعترف الناطق بلسان مجلس الوزراء، بأن الحكومة كان أمامها خياران لمواجهة أزمة الأعلاف وارتفاع أسعار الدواجن، موضحا أن الخيار الأول كان توفير كميات من الأعلاف المتاحة ومدخلات إنتاج الأعلاف، والحل الآخر استيراد الدواجن نتيجة الظرف الحالي، لاسيما قبيل شهر رمضان. وكشف عن أن الدواجن المجمدة تباع حاليا بسعر أقل من الدواجن المحلية، والاستيراد جاء بهدف سد الفجوة وليس لتحقيق الربح، متسائلا: “الحكومة هتغتني من بيع 50 ألف طن دواجن؟”. وتابع أن الدولة نجحت في زيادة الأعلاف المتاحة، واستيراد مدخلات الإنتاج لسد العجز، مؤكدا أن استيراد الدواجن أحد الأدوات التي لجأت إليها الدولة، لافتا إلى أن الحكومة قررت استيراد 50 ألف طن من الدواجن من الخارج، وتحديدا من البرازيل.
وفي المقام الأول وجنبا إلى جنب مع الأزمة الاقتصادية، اهتمت الدوائر السياسية والإعلامية بالمذبحة التي شهدتها غزة، والتي منحت إعلام السلطة زخما كبيرا، إذ تحول رموز الإعلام الحكومي على مدار الساعات الماضية لصقور ينددون بمجلس الأمن والإدارة الأمريكية، وبالطبع إسرائيل ومن يدعمها، وفي تطور لافت وجدت قوى المعارضة المسلحة في فلسطين المحتلة من يدعمها بين إعلام السلطة، في الوقت الذي ظلت حتى وقت قريب تتعرض للهجوم المستمر. وبدوره استنكر الإعلامي أحمد موسى، ما قام به جنود الاحتلال الإسرائيلي مؤخرا ضد الفلسطينيين العُزل في مدينة نابلس؛ بعد تعديهم على المواطنين، واستشهاد 10 فلسطينيين. وقال أحمد موسى غاضبا، إنه لا يمر يوم إلا وهناك شهداء من الفلسطينيين، مشيرا إلى أن إسرائيل ترتكب جرائم حرب بشكل يومي، ضد شعب أعزل لا يملك سلاحا. وأضاف: «هل هذا وضع يليق بأمريكا التي تتحدث عن عالم حر؟ عاوزين العالم العربي يعمل إيه؟ في حين أن القتل على مرأى ومسمع من العالم؛ عار على كل دول مجلس الأمن ترك الفلسطينيين يقتلون دون رد». وأكد أنه من حق كل فلسطيني المقاومة والدفاع عن نفسه وأرضه؛ لأنه يدافع عن أرض محتلة، متسائلا عن موعد تحول فلسطين لدولة مستقلة. وتساءل: «متى نجد دولة فلسطينية مستقلة؟ مجرم صهيوني دخل في عشرات الفلسطينيين دهسا بمدرعة؛ ده اللي حصل النهاردة في فلسطين». ومن الاكتشافات العلمية: أحرزعالم الأتوثانية المصري محمد حسن، إنجازا في تطوير أول وأسرع “ترانزيستور” في العالم ينقل المعلومات ضوئيّا في زمن الأتوثانية، الذي من المنتظر أن يدخل مرحلة التطبيق قريبا. محمد حسن حقق هذا الإنجاز، من خلال قيادته لفريق بحثي في جامعة أريزونا الأمريكية التي يعمل فيها أستاذا للفيزياء والضوء.
ومن أخبار الناجين من حبل المشنقة: كشف وهدان الباز محامي السيدة الناجية من الإعدام في محكمة النقض في الدقهلية، كيفية الحصول على حكم البراءة بعد 4 سنوات من ارتداء موكلته للبدلة الحمراء، في انتظار تنفيذ حكم الإعدام. مؤكدا أن السر هو توقيت تناول المجني عليه فنجان القهوة الذي دس فيه سم الفئران، وأودى بحياته. وقال المحامي، إن المجني عليه تناول المشروب أثناء جلوسه في المقهى.
هدنة لصالح الطرفين
يُدرك كل متابع لبيئة الأعمال في مصر وفي طليعة هؤلاء الدكتور هاني سري الدين في “الوفد”، أن شروخا عديدة أصابت جدار الثقة بين الحكومة والمستثمرين، ودفعت كثيرا من العقول النابهة إلى الإحجام عن الاستثمار في مشروعات جديدة، وزاد الأمر عن المتوقع خلال السنوات الأخيرة بسبب اتساع الاستثمارات الحكومية، وحصولها على النصيب الأكبر من الائتمان. ورغم أن ظروف الجائحة، وتباطؤ الاقتصاد العالمي دفع كثيرا من الحكومات إلى توسيع استثماراتها بشكل عام لتعويض التراجع في النمو، ومن ثم تراجع معدلات التوظيف، إلا أنني كُنت أرى ضرورة الحفاظ على دور القطاع الخاص كدور رئيسي في الاستثمار، ومساندته، وتشجيعه، ليس بتصريحات المسؤولين ووعودهم الرسمية فقط، وإنما بإزالة كل المعوقات البيروقراطية التي تواجهه. وكتبت في هذا المكان قبل سنوات محذرا من اتساع نظرة الارتياب والتربص بالقطاع الخاص، واستهجنت بعض التصورات السطحية والمتسرعة التي كانت ترى أن دخول الحكومة بديلا للقطاع الخاص في بعض القطاعات الاقتصادية يعني بالضرورة تحول الأرباح التي كانت تحققها شركات القطاع الخاص إلى الحكومة، وإمكانية إعادة استخدامها في مشروعات قومية، وفي دعم قطاعي التعليم والصحة. وقلت وقتها إن التنمية المستدامة المنتظرة لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن القطاع الخاص، مهما كانت السلبيات السابقة التي صدرت عن بعض أفراده. وأثبتت الأزمة الاقتصادية الحالية أن الاستثمارات العامة وحدها، مهما توسعت وتنوعت، لا يُمكن أن تحقق التنمية الاقتصادية الحقيقية، ذلك لأن الإدارات في القطاع الخاص أكثر نجاحا منها في القطاع الحكومي، اعتمادا على تراكم الخبرات والمعارف وتميز الكوادر العاملة في مجال الإدارة بالاحترافية الشديدة، فضلا عن قانون ثابت ومؤكد يقول بأن ملاك المؤسسات أكثر حرصا على التطوير الدائم ومضاعفة الإنتاج والنهوض بالنظم المستخدمة من أولئك الذين لا يملكونها.
بلد الفرص الممكنة
وفق رأي الدكتور هاني سري الدين، أن المشروعات العامة الجديدة التي تم تنفيذها خلال السنوات الأخيرة في حاجة إلى إدارات احترافية تابعة للقطاع الخاص، حتى تنجو هذه المشروعات من أمراض القطاع الحكومي المزمنة ولا تتحول إلى أعباء إضافية على موازنة الدولة. من هنا، فإن هناك إجماعا لدى خبراء الاقتصاد، يتوازى الآن مع قناعة حكومية، ورغبة قوية لدى القيادة السياسية في استعادة دور القطاع الخاص مرة أخرى في الاقتصاد، ومن يقرأ التصريحات، ويتابع الأخبار يعي جيدا أن خروج مصر من الأزمة يستلزم صناعة قصص نجاح حقيقية للاستثمار الأجنبي والمحلي الخاص في البلاد، فهو أفضل برنامج ترويجي لمناخ الاستثمار في مصر. وإذا كانت الشهور الأخيرة قد شهدت بعض البوادر والمؤشرات الإيجابية المحفزة لاستعادة دور القطاع الخاص، فإننا ما زلنا في حاجة لمزيد من المحفزات الاستثنائية غير المسبوقة حتى تتمكن مصر من الخروج من كبوتها واستكمال خططها التنموية. لقد أعلنت الحكومة رسميا عن طرح 32 شركة للبيع لمستثمر رئيسي أو في البورصة، وتم الانتهاء من وثيقة ملكية الدولة في المشروعات والأنشطة الاقتصادية، كما تم الإفراج عن البضائع المكدسة بالموانئ وإلغاء العمل بقرار الاعتمادات المستندية في الاستيراد، فضلا عن الإعلان عن صرف مساندة تصديرية متأخرة لثلاث سنوات لنحو 2500 شركة، وكل هذا جيد للغاية، لكن ما زالت هناك حاجة ماسة لتمهيد الطريق تماما أمام المستثمرين الجدد سعيا لإثبات أن مصر هي بلد الفرص العظيمة الممكنة.
حياد مشكوك فيه
قبل أيام كانت الدكتورة هالة السعيد، وزيرة التخطيط، قد ذكرت أن الدولة سوف تلتزم مبدأ «الحياد التنافسي» في تعاملها مع القطاع الخاص. وكان الحديث عن هذا المبدأ وفق ما أوضح سليمان جودة في “المصري اليوم” قد تردد في أثناء المؤتمر الاقتصادي، الذي انعقد في أكتوبر/تشرين الأول من السنة الماضية، ومما قيل على سبيل شرح معناه أثناء المؤتمر كمبدأ اقتصادي متعارف عليه، أنه يسعى إلى إرساء قواعد المنافسة منعا للممارسات الاحتكارية، ولكن ما قيل عن المبدأ أثناء جولة ترويجية خارجية للاستثمار قامت بها الوزيرة السعيد، غير كاف، ولا فرق بين أن يكون هذا المستثمر مستثمرا وطنيا، أو أن يكون مستثمرا أجنبيا جاء من الخارج يوظف فلوسه على أرضنا. إن «وثيقة سياسة ملكية الدولة» صدرت كوثيقة اقتصادية في الفترة التالية للمؤتمر الاقتصادي، والذين طالعوا تفاصيلها يعرفون أن الدولة تعهدت فيها بالتخارج الكلي من أنشطة اقتصادية دخلتها خلال الفترة الماضية، ثم تعهدت فيها أيضا بالتخارج الجزئي من أنشطة أخرى.. وكان صدور الوثيقة في حد ذاته ما دعا إلى التفاؤل، وما أشاع نوعا من الأمل في الوسط الاستثماري. ولكن الخوف أن يتبدل الحال بعد الحديث عن هذا الحياد التنافسي، لا لشيء، إلا لأن معناه الذي يتسرب إلى النفس منذ الوهلة الأولى، أن الدولة سوف تظل تنافس وأن منافستها ستكون حيادية، أو أنها ستلتزم الحياد وهي تنافس القطاع الخاص في أي مجال. وإذا صح هذا المعنى، فالأمر في حاجة إلى مراجعة، حتى لا يفهم الذين يصلهم هذا المعنى من أهل الاستثمار أن الحديث عن حياد تنافسي هو تراجع خفي عما جاءت به الوثيقة في نصوصها الواضحة. وبصراحة أكثر، فالدولة مدعوة إلى أن تكون واضحة بما يكفي في هذه القضية، لأن وجود الدولة في حد ذاته كمنافس، يتناقض مع فكرة الحياد، ولأن المنافسة بينها وبين القطاع الخاص تظل غير متكافئة، ويظل القطاع الخاص غير قادر على الدخول معها في أي منافسة، مهما كانت إمكانياته وقدراته.. قد يبدو الحديث عن الحياد التنافسي جميلا من حيث الشكل، ولكن المبدأ في حقيقته غامض، وغائم، وضبابي، ومن شأن المستثمر عموما أن يقلق في حالة كهذه.
درس الأرز
يرى عبد القادر شهيب في “فيتو”، أن قرار تسعير الحكومة الأرز إجباريا قبل شهرين، ثم التراجع عنه ثمة درس وهو أن المواجهة المحدودة والجزئية للاحتكار لا تفيد ولا تحقق المنشود، وإنما نحن نحتاج لمواجهة شاملة للاحتكار حتى نتغلب عليه. الأرز سلعة نحقق في إنتاجها الاكتفاء الذاتي ولم تتأثر بالتضخم العالمي، لإننا لا نستوردها من الخارج ومع ذلك سارع المتحكمون في تجارتها لرفع أسعارها بحجة أن المكرونة زادت أسعارها بعد ارتفاع أسعار القمح وبالتالي الدقيق.. ولأن الحكومةَ تدرك ذلك فإنها تدخلت لفرض سعر جبري للأرز، وهذا لم يعجب بالطبع المتحكمين في سوق الأرز فقاموا بإخفائه وحجبه عن السوق. ولم تفلح الحلول الأمنية في منع أزمة في الأرز، ولذلك عدلت الحكومة مؤخرا عن هذا السعر الجبري للأرز حتى يجد سبيله للأسواق.. وهذا يعنى أنها خسرت اختبار الأرز والسبب في هذه الخسارة ليس هو أنها عطلت قوانين السوق وأهدرت قاعدة العرض والطلب، لأن الحكومات في وقت الأزمات حتى في أعتى الدول الرأسمالية توقف العمل بقوانين السوق إذا كان ذلك ضروريا لتجاوز الأزمة. أي أن ما فعلته الحكومة في موضوع الأرز ليس بدعة أو كفرا بقوانين السوق.. إنما خسرت الحكومة اختبار الأرز لأنها لم تفعل ما يجب عليها القيام به لتطهير السوق من الاحتكارات التي تشوهه.. إنها اكتفت بخوض معركة محدودة مع الاحتكارات المسيطرة على سلعة واحدة فقط بينما تركت السوق تحت سيطرة المحتكرين في كل السلع الأخرى.. وحتى في هذه المعركة المحدودة، اكتفت بإطلاق عيار واحد فقط بإعلان تسعيرة جبرية للأرز وتركت كبار المحتكرين يمرحون كما يشاءون في السوق ويقومون بممارساتهم الاحتكارية. لدينا في كل سلعة الآن مجموعة من المحتكرين تسيطر على إنتاج واستيراد وتجارة هذه السلعة وتفرض السعر الذي يحقق لها هامش ربح كبير جدا.. ولن يتغير هذا الحال إلا إذا حسمنا أمرنا وخضنا مواجهة شاملة مع هؤلاء المحتكرين وهذا هو درس الأرز.
نحن والأشقاء
الإعلام والصحافة في مصر وغيرها يقودهما الإعلاميون والصحافيون ولا يصنعاهما وحدهما، فهناك على حد رأي أسامة سرايا في “الأهرام” المناخ، والبيئة، والقوانين، والتشريعات الحاكمة للدولة، ورؤية المنطقة العربية ككل، وهو ما يعني أنهما لا يتحركان وحدهما، ولكن لهما مجالهما الحيوي، ويحتاجان إلى الكفاءات، والخبرات المتراكمة التي تحمي هذه الصناعة، وتحافظ على نموها، وتوفر لها الموارد الكافية حتى تحقق أهدافها. لقد استبشرت خيرا لهذه الصناعة في مصر في وقت المتغيرات الحادة، والتطور الهائل الذي يشملها، باختيار الكاتب الصحافي، والإعلامي كرم جبر رئيسا للمجلس الأعلى للإعلام، فهو بحق همزة وصل لعدد كبير من الأجيال، ولا أُخفي تحيزي له، فهو من جيلي، وكان رئيس مجلس إدارة “روز اليوسف” في فترة دقيقة من تاريخ مصر (2005-2011)، واستطاع خلالها أن يبحر بسفينته وسط الأعاصير، والخلافات، وأن يرسي قيم التعامل مع الأجيال، رغم اختلافها. ما دفعني للكتابة عن رئيس المجلس الأعلى للإعلام هو تحركه الأخير في زيارته إلى السعودية لحضور عدد من المؤتمرات الصحافية، والإعلامية حول الإعلام في المنطقة العربية، ولست في حاجة إلى إعادة تأكيد أن المنطقة العربية لا تكون في حالة من العافية، والتطلع إلى المستقبل بجدية إلا بتعاون، وتعاضد مصري – سعودي في كل المجالات، وقطعا صناعة الإعلام والصحافة التي تتجه إلى العقول، وصناعة الوعي، والرأي العام- تأتي في مقدمتها، وتحصين هذه العلاقات ـ كما أشار الرئيس عبدالفتاح السيسي في أحاديثه المتكررة ـ من الشائعات، أو أقلام غير المتخصصين، والسوشيال ميديا، والذين لا يدركون قيمة الجغرافيا، التي جعلت من البلدين بوتقة واحدة عبر التاريخ، كما هما رمز صناعة الرأي العام العربي ككل، لأن ما يجري هنا في مصر يصل إلى هناك في السعودية مثل الأواني المستطرقة، ولا يتأخر. أعتقد أن كرم جبر، أحسنَ التحرك نحو السعودية في هذا الوقت الدقيق، والحساس، وحمل رسالة مصر (لم الشمل العربي) لإنقاذ الشرق الأوسط، وتحقيق طموحنا أمام جيراننا الإقليميين، والدوليين الذين يستفيدون من تشتت الإقليم العربي حتى تكون فرصتهم أكبر لفرض رؤيتهم، أو إرادتهم، أو وصايتهم عليه.
ثوابت مقدسة
نبقى مع موضوع الرياض التي زارها مؤخرا كرم جبر حسبما أوضح في “الأخبار”: نحن هنا في الرياض بين الأشقاء السعوديين لحضور منتدى الإعلام السعودي، والإعلام المصري حاضر بقوة، ليؤكد عمق ومتانة العلاقات بين البلدين والشعبين. وتجسد الدفء في لقاء خاص جمعني مع وزير الإعلام السعودي الدكتور ماجد القصبى، وهو مفكر عربى يحمل ثقافة الزمن الجميل، ووالده الإعلامي السعودى الكبير عبد الله بن عثمان القصبي، حاصل على الدكتوراه في الهندسة بمرتبة الشرف من جامعة ميسوري الأمريكية. تبادلت مع الوزير القصبي حديثا عن العلاقات بين البلدين، وسّرني أن أسمع منه أن مصر في قلب السعوديين، كما أن السعودية في قلب المصريين، وقلت إن بين الشعبين روابط روحية لا يمكن الاقتراب منها، وفي مثل هذه الأيام الطيبة تهفو قلوب المصريين إلى الحرمين الشريفين والأماكن المقدسة. والأمر نفسه بالنسبة لرئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون ورئيس منتدى الإعلام السعودي محمد بن فهد الحارثي، دينامو المنتدى، الذي كان سعيدا جدا بحضور 1500 إعلامي وصحافي من مختلف بلدان العالم، ملأوا قاعات المؤتمر في زخم إعلامي غير مسبوق. كان تركيزي مع كل من التقيت بهم من الأشقاء السعوديين – وهم كثيرون – هو الحديث عن القواسم المشتركة بين الشعبين والبلدين، وكما يقول المثل “الشقيق وقت الضيق”، وكانت السعودية سندا ودعما لمصر في مواقف كثيرة، ونحن نشكر من يساندنا ونقدر الجميل والمعروف. أما المؤتمر فقد كان منتدى حقيقيا، غاص إلى أعماق القضايا الإعلامية الملحة المرتبطة بالمجتمعات العربية، ودارت فعالياته حول ملفات ثلاثة: الأول هو استشراف المستقبل حول الثورات الهائلة في مجال الإعلام والتكنولوجيا، وكيف يكون شكل الإعلام بعد خمس سنوات مثلا، وما هي الوسائل التي سوف تختفي وما يحل محلها؟ والمتغيرات هائلة في زمن سوشيال ميديا الذي جعل مهنة الإعلام للجميع. أما الملف الثاني فهو المحتوى الذي يتوافق مع القيم الدينية والأخلاقية والقانونية للمجتمعات العربية والإسلامية، في عصر الغزو الثقافي الأجنبي الذي يمس الثوابت، وتسليح أجيال الشباب بالوعي لصناعة المستقبل والحفاظ على القيم، حتى لا نصير أسرى للأجهزة الحديثة.
تموت في صمت
مؤكد أن الصحافة الورقية الآن تعاني مرضا أدى إلى شحوبها، وأفقدها كما يشير جميل عقل في “الأسبوع” حيويتها، وخدش رونقها، واستلزم دخولها غرفة الإنعاش. وقد بدت عليها أعراض المرض منذ سنوات، ولم ينتبه أهلها- كبارهم وصغارهم – ربما ظنا منهم أنها عدوى قد تكون طارئة سرعان ما تزول وتشفى، وبئسما شخصوا، فمع مرور الأيام تدهورت الحالة الصحية لصحافتنا الورقية القومية منها والخاصة.. اليومية والأسبوعية والمطبوعات الشهرية، وباتت بين الحياة والموت في انتظار الملكين منكر ونكير، إن لم تتدخل قدرة الخالق- سبحانه وتعالى- القادر على أن يحيي العظام وهي رميم. “أسطوات” المهنة وشيوخها وقتذاك شخصوا الأعراض المتمثلة في ضعف التوزيع الذي صاحبه انصراف المعلنين من أصحاب الشركات ورجال الأعمال في صحف معدومة التوزيع، واقتصرت عوائد الإعلانات على شحيح من “السبوبة” الخاصة ببعض الوزارات والمصالح الحكومية، التي لا تشبع عوائدها ولا تغني من جوع، كما جفت روافد عوائد طبع الكتب المدرسية التابعة لوزارة التربية والتعليم مع ظهور المرحوم “التابلت”. دعونا لا ننكر أن ظهور الإنترنت ومواقع التواصل والمنصات الاجتماعية والمواقع الإخبارية كانت من أشرس الأعراض التي صاحبت المرض، وللأسف لم ننتبه رغم ما لهذه الوسائل من إيجابيات وسلبيات قد يطول الحديث عنها، وربما لا تكفيها مقالات عديدة، بل تحتاج أبحاث الباحثين ودراسات الدارسين. دعونا نعترف، والاعتراف فضيلة، بأننا نحن أهل المهنة، أو قل ولاة أمورنا، من الأسباب الرئيسية في مرض الصحافة الورقية، ولم ننتبه لما حدث ويحدث من تطورات تكنولوجية. تقوقعنا داخل أنفسنا، ولم نلتفت حولنا، وانكمشنا داخل ثوابتنا، دون مراعاة لضروريات العصر. لم نجهد أنفسنا بالبحث عن فنون صحافية حديثة قادرة على المنافسة، بل احتفظنا بكلاسيكية واقعنا وجمود المحتوى الصحافي، وأغفلنا عمدا أو جهلا متطلبات ورغبات القراء، وسرعة وصول الخبر والمعلومة، بالإضافة إلى شؤون إدارية أخرى كثيرة ومعقدة، لو ذكرتها ربما تغضب ولاة أمورها في بعض المؤسسات الصحافية، منها فنون الإدارة والمهنية وأشياء أخرى كلنا نعلمها، وللأسف لا نبوح بها على طريقة “وأنا مالي”.. تلك العبارة العقيمة التي صارت منهج الكثيرين في زمن تعددت فيه الأقلام والحبر واحد، فصارت بعض الأقلام إما أجيرة أو أسيرة أو مغلوبة علي أمرها. دعونا نعترف بأن تكلفة صناعة وإنتاج الصحف صارت باهظة.
أمريكية بامتياز
طوال العام الأول للحرب كان هناك حرص من طرفي الصراع على إبقائه في حدود أوكرانيا، وعلى تحاشي الخطوط الحمر، حتى لا تدخل روسيا ودول “الناتو” في صدام مباشر. تابع جلال عارف في “الأخبار”: ورغم التصعيد المستمر من الجانبين، ظلت الأبواب “مواربة” ولم تغلق تماما في وجه احتمالات الحوار. مع بداية العام الثاني يبدو المشهد مختلفا تماما. الحشد المستمر من الجانبين استعدادا لمعركة الربيع، ومستوى التسليح يرتفع بصورة سريعة. وبعد أن كانت دولة مثل ألمانيا تكتفي في بداية الحرب بإرسال خوذات للجنود، أصبحت ترسل أقوى الدبابات في العالم. والحديث عن إرسال طائرات مقاتلة أو صواريخ حديثة لأوكرانيا أصبح مطروحا، حتى لو كان في نطاق الحديث فقط حتى الآن. الأخطر هو هذه المواجهة بين بايدن وبوتين (أو بين روسيا وأمريكا) وما تشير إليه من انتقال الصراع إلى مرحلة جديدة. زيارة بايدن لأوكرانيا هي رسالة واضحة تؤكد أن الصراع – في جوهره – هو صراع روسي – أمريكي. وما رافق هذا التطور من أحداث يؤكد أن هناك توجها لزيادة الضغط على روسيا تشارك فيه أوروبا المتعبة من تكلفة الحرب والخائفة من استمرارها. زعامة أوروبا الممثلة في فرنسا وألمانيا تعلن أن هذا ليس وقتا للحوار، وأن الدعم العسكري لأوكرانيا هو الذي يجبر روسيا على التفاوض. وفي الوقت نفسه نرى رسائل للصين تحذر من تقديمها أي مساعدة عسكرية لروسيا، ويبدو المشهد كله وكأنه إعداد لمعركة حاسمة. في المقابل ترد روسيا بالإعلان عن استمرارها في مخططاتها، وتحمل دول الغرب مسؤولية اشتعال الحرب، وأعلن بوتين أن الغرب يريد تحويل الصراع إلى حرب عالمية، كما أعلن تعليق مشاركة روسيا في معاهدة الأسلحة النووية الاستراتيجية مع أمريكا، وأن روسيا ستواصل التجارب النووية إذا فعلت الولايات المتحدة ذلك.. وهو ما يعيدنا إلى أخطر فترات الحرب الباردة الطرفان – بالتأكيد – يدركان خطورة الموقف.. لكن في ظل هذا المستوى من التصعيد من يستطيع أن يضمن أن يستمر الوضع تحت السيطرة؟
سننتظر طويلا
مضى عام كامل على حرب أوكرانيا ويرى جميل مطر في “الشروق” أننا ما نزال بعيدين عن نهاياتها للأسباب التالية: أسميها حرب أوكرانيا لاعتقادي أنه لم يكن هناك موقع آخر غير أوكرانيا يصلح لأداء الفصل الأول من فصول مهمة بعينها. ففي أوكرانيا جيوب روسية متمردة دفعت قطاعا معتبرا في النخبة السياسية النافذة للعمل على إثارة المشاعر القومية الأوكرانية ضد الجارة روسيا، والالتزام بتحرير، أو استعادة سيادة أوكرانيا كاملة على الأقاليم الناطقة بالروسية. أما المهمة الأوسع مدى وزمنا فهي بالتحديد إضعاف الفرص التي يمكن أن تتاح لكل من روسيا والصين لتكتمل لهما معا أو لكل منهما منفردة الإمكانات اللازمة لاحتلال مكانة القطب المنافس للولايات المتحدة. أوكرانيا كانت اختيارا أمثل لبدء مرحلة جديدة في أداء هذه المهمة ضد روسيا، كما كانت هونغ كونغ وتايوان اختيارين أمثلين في الجانب الآسيوي من المهمة ذاتها، ولكن ضد منافس آخر هو الصين. كانت حرب أوكرانيا وما تزال أقرب تطور دولي لصفة الحرب العالمية. اجتمعت فيها قوات أجنبية من عدد متزايد من الجنسيات على هيئة متطوعين ومرتزقة. اجتمعت أيضا أسلحة بأنواع شتى قدمتها الدول أعضاء الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي. وتشارك في الجهد العسكري الروسي قوات من الشيشان ودعم من بيلاروسيا. المثير في هذه الحرب وهو الذي يسبغ عليها أو يؤكد صفة العالمية «الدور ــ اللغز» الذي لعبته عشرات الدول غير المنتمية جغرافيا أو سياسيا لأي من المعسكرين المتحاربين، هي اختارت أن تبقى بعيدة قدر إمكانها المحدود عن سباقات الحرب الناشبة بالفعل داخل دائرة «الرجل الأبيض»، فالحرب من منظور هذه الدول، نشبت وتدور في حيز حضاري بعينه يختلف جذريا عن حيزها الحضاري. نعلم حق العلم أن ضغوطا معلنة تصاحبها جهود مستميتة من جانب دول تقود وتنظم وتدعم الحرب الأطلسية الأوكرانية ضد روسيا فشلت جميعها في مرحلة أو أخرى من مراحل الإعداد ثم التنفيذ في استدراج دول آسيوية وعلى رأسها الصين والهند. هذان نموذجان رائعان على الموقف الرافض للانسياق في حرب تخص أساسا المرحلة الأحدث في الصراع القديم الجديد الناشب بين القطبين الأمريكي والروسي. من اللافت أيضا في هذه الحرب وفق رأي جميل مطر أنها على مرّ أيامها أفرزت مصالح، وهذه المصالح خلقت أنواعا شتى من الضغوط ونظمت جماعات لخدمتها، أقصد لخدمة هذه المصالح. إيران مثلا وجدت في الحرب الأوكرانية مصلحة لها تنفس فيها عن غضب ناتج عن حصار اقتصادي وحملة عقوبات دامت لأكثر من أربعين سنة. ساهمت إيران بطائرات مسيرة ولعلها وجدت مؤخرا في الحرب الأوكرانية سوقا تشتري فيه طائرات حربية. إسرائيل من الناحية الأخرى لم تأل جهدا لتستفيد فائدة قصوى من ميزة وجودها ملجأ عند الحاجة لعديد اليهود المقيمين في روسيا وأوكرانيا، هؤلاء بالنسبة لها جماعتا ضغط ونفوذ ومعلومات يندر أن يتوافرا لدولة أخرى، فضلا عن مواقع مهمة للجماعتين في قطاعات تصدير الحبوب والأسمدة والزيوت. لذلك أصبحت للحرب الأوكرانية وظيفة تجعل إسرائيل طرفا مهما في جماعة الدول المهتمة بمستقبل الحرب، خاصة أن مزيدا من التصعيد فيها يجعل من الجاليتين اليهوديتين مصدرا لهجرات على مستوى راقٍ من التعليم والثراء وبعضهم وصل بالفعل مع يخوته الخاصة إلى إسرائيل للاحتماء مع ثرواتهم من العقوبات الأوروبية والأمريكية.. صالونات الحكم ودهاليزه في أمريكا وألمانيا وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة صارت تعترف بحقيقة الدولة العميقة التي تتخذ قرارات الحرب والسلم، خاصة مسألة تزويد أوكرانيا بالسلاح والإغداق على حكومتها بالمعونات المالية، دون حسيب أو رقيب. عادوا في الغرب ينبشون في قاعات الحكم بحثا عن تفاصيل الدولة العميقة في أحدث صورها. سمعت من أصدقاء في المملكة المتحدة أن البحث في قاع الدولة جار يرى الكاتب أن البشرية في انتظار أدوات قتل جماعي تتفوق في صنعها على أبرع وأكفأ ما أنتج العقل البشري.
أسوأ الأزمنة
أكد فاروق جويدة في “الأهرام” أن من أسوأ الظواهر في حياة الإنسان ألا يفرق بين الحلال والحرام، أن يقبل الحرام مالا وسلوكا وطعاما وشرابا، أن يظلم الناس وهو يعلم، أن يتصور أن كل الأشياء من حقه وتخصه وحده.. والحرام، من أسوأ الأمراض التي تصيب مجتمعا من المجتمعات، لأن الحرام يفتح أبواب الظلم والظلم غابة يأكل فيها البشر حقوقهم وهنا يغيب العدل.. وفي أحيان كثيرة ينتشر الحرام بين الناس ويصبح مرضا مزمنا يجتاح كل شيء في الحياة وأول ضحايا الحرام هو الحلال، لأن الإنسان أحيانا يدمن الحرام ولا يعرف حلاوة الحلال، وما بين غياب الحلال وانتشار الحرام يصبح الظلم سيدا على كل شيء.. والحلال أحيانا يكون أعظم ميراث يتركه الأباء للأبناء، والحرام ميراث قبيح إنه أكبر لعنة يتركها الآباء لأبنائهم.. والفقر هو الابن الشرعي للحرام لأنه كما جاء يذهب ولو نظرت حولك فسوف تجد نهاية مؤلمة لكل عشاق الحرام.. الحرام يظهر في ملامحهم وسلوكياتهم وفساد أبنائهم، أما الحلال فهو يترك في وجوه صاحبه الجمال والجلال والرحمة، وكل إنسان يختار حياته وهل يسطو على حقوق الناس بالظلم والعدوان أم يكتفي بالحلال حتى لو كان قليلا.. أن الحلال القليل جميل جدا مع الرضا والقناعة والحرام ثقيل جدا حتى لو كان تلالا، ومع الحلال تسكن الفضيلة والغنى، ومع الحرام يجتمع الظلم والفقر ولو بعد حين وإذا انتشر الفقر في حياة الناس فاعلم أنهم اختاروا الحرام طريقا. أما الحلال فهو يشع في عيون الناس نورا وجمالا وعلى كل إنسان أن يختار حياته حلالا أم حراما.. وفي التاريخ قصص كثيرة لشعوب دمرها الحرام وأورثها الفقر، وهناك شعوب أخرى عاشت بالحلال واختارت العدل والكرامة.. وما يحدث للشعوب يحدث للأشخاص ألا يطمع الإنسان وينظر في أيادي الآخرين ويكتفي بما عنده ويدرك أن الحلال هو الحلال وليس في الحرام غير الفقر والظلم والمهانة.. وفي عصور الفوضى ينتشر الحرام ويصبح سلوكا عاديا مقبولا وتراه في كل شيء، والحلال يختار زمانه ويرفض أن يجتمع مع الحرام في زمان واحد وأسوأ الأزمنة زمن يرفع راية الحرام ويصبح الحلال غريبا.
ألغاز لغوية
أجازت لجنة الألفاظ والأساليب في مجمع اللغة العربية كلمة «التأبيدة» بمعنى الحكم على شخص بالسجن مدى الحياة، وكان وجه الاعتراض عدم ورودها في المعاجم العربية.. أما وجه الإجازة كما أوضح حمدي رزق في «المصري اليوم» فهو أن التأبيدة من الفعل «أبَّد». ويقال أبَّد الشيءَ بمعنى خلَّده، وتتميز الكلمة السابقة على وزن (تفعيلة) بكثرة الاستعمال وبالصحة اللغوية، والاختصاص بدلالة اجتماعية اكتسبتها من ممارسات الناس في حياتهم الاجتماعية وتفاعلاتهم اللغوية اليومية. وكان المجمع أجاز أخيرا لفظ «اسْتَعْبَطَ»، ولفظ «بَرْطَمَ»، وقال المجمع، في بيان للعامة، أن «بَرْطَمَ فلانٌ»، هو تعبير يعني أن شخصا ما يتحدَّث بطريقة غير مُبينة تدل على الغضب. ناشد الكاتب: أنا في عرض المجمع اللغوي.. مجددا وسبق أن طالبت ملحا، أفتونا أفادكم الله في كلمة «فشيخ» التي تسللت إلى قاموس الشباب المصري الناهض، فصار كل «فشيخ» يعنى استثنائيا، فوق العادة. وبمعونة مِنِّى صادقة، بحثت عن الجذر اللغوي لـ«الفشيخ»، هذا الذي يتردد على الألسنة آناء الليل وأطراف النهار، واجتهدت فعليا، وتوفرت وقتيا على تقفي أثر هذا اللفظ الذي شاع.. «فشيخ» لغويا صار لفظا مستساغا ليس مستغربا ولا مستهجنا. «فشيخ» للعجب العجاب صار وصفا مستحبا يجري على ألسنة الشباب، فالكومنت صار «فشيخا»، والبوست الفشيخ، والكتاب الفشيخ، وهكذا دواليك فشيخ، فشيخ، فشيخ، حتى الشيبسي صار فشيخا بمعنى حار جدا بالشطة والليمون. وإنه لأمر فشيخ، في معجم المعاني الجامع فَشَخَ كفعل تتوالد على هذا النحو الأرانبي، فشَّخَ يفشِّخ، تفشيخا، فهو مُفشِّخ، والمفعول مُفشَّخ- للمتعدِّى، فَشَخَ فلانا: صَفَعه ولَطَمه، وفشَّخ الرَّجلُ بمعنى فشَّخ الرَّجلُ رِجْليه وتعنى أرخى مفاصلَه. يقينا، شبابنا يقصدون في معاجمهم اللغوية معنى آخر، فكل شيء وأي شيء عندهم صار فَشَّيخا، الفشيخ صار منتهى الأمر وذروته، وما يصعب تخيله وفوق الاستطاعة، ويوثق المشكوك في أمره معناه بالفشيخ، صفة أو فعلا فهو فشيخ، وعليك أن تتخيل الباقي يا فصيح.