عزلة وصخب في جزيرة… «اللا مرئيون»

حجم الخط
1

لا بد من أن القارئ العربي قد تعود على نصوص الصحراء، في سكونها وفي تأملاتها، في صمتها الفسيح وفي اتساع الفضاءات التي تُبادر إلى توصيفها، لكننا لو انتقلنا شمالاً، إلى النرويج مثلاً حيث تدور وقائع رواية «اللا مرئيون» ترجمة محمد حبيب، الصادرة عن داري ممدوح عدوان وسرد، فإن الديكور سوف يتغير، سوف تنخفض درجات الحرارة، وتصير الشمس طقساً نادراً، مع ذلك فإن الثيمة لن تتغير، سوف يجد القارئ نفسه مسكوناً بعزلة المكان أيضاً، تلك العزلة التي تخيم عليها لحظات صخب. ففي جزيرة نائية، تُعد جزءاً من أرخبيل البلاد، تتزاحم شخصيات على قلتها، فتحيلنا إلى روح المكان، ويجب أن لا نتوقع أننا بصدد جزيرة سياحية، يتهافت إليها عشاق أو راغبون في مناظر غير متاحة في جهات أخرى، أو أنها جزيرة تاريخية تخفي تركة السابقين، فهي ليست أكثر من أرض ضيقة ضائعة في الماء، لا يحرسها سوى ضجر سوف يتحول إلى عنقود حكايات، مساحتها من الممكن أن تُقاس بخطوات، ولأن لا اسم لها فقد نُسبت إلى اسم العائلة التي تقيم فيها، وأطلق عليها «بارأوي» (بمعنى جزيرة بار، بالنرويجية) وهي مكان قد يفكر أي شخص يصل إليه أن يهجره، بحكم الصمت الذي يعم سماءها، لكن المؤلف روي ياكوبسن جعل منها حيزاً للحكاية، وكل حكاية تتفرع منها قصص فرعية، في سرد مسارات عائلة، يحيا أفرادها فيها، يولدون ويحلمون ويموتون، بداية القرن الماضي، في ذلك المكان الذي لا يوحي بأنه يصلح للروايات، مع ذلك فقد جعل منه المؤلف بؤرة لقصص نظن أنها لا تنتهي.

الرواية العائلية

نمط «الرواية العائلية» هو واحد من الأنماط التي لم تشخ، بل ظلت تجدد نفسها، من حقبة إلى أخرى، وتكسب مساحة أرحب بين القراء، وعلى رأي فرويد فهذا النوع من الروايات هو المساحة الأكثر ملائمة في تحرير التخيلات واستجلاب الذكريات، وفي تصحيح الواقع أيضاً، فمن خلال قصة عائلية، كما فعل روي ياكوبسن في «اللا مرئيون» نعيد ترتيب الراهن، والنظر إليه من زاوية مُحايدة، دون التورط فيه. فبدءاً من قصص الأطفال، التي في نشأتها ولدت من قصص عائلية، إلى الرواية الحديثة، تأتي الرواية العائلية في سياق يتيح للقارئ تمعن ما يجري من حوله، من خلال حوارات أبناء الأسرة الواحدة، وما يدور بينهم من صراعات ومن تواطؤ كذلك. فالأصل في الرواية العائلية هو نقل المعرفة، من الأكبر سناً إلى الأصغر سناً، لكن الغرض منها أيضاً استعادة الأسطورة المشتركة، فلكل عائلة أسطورتها، تحكي فرضية نشأتها وقصصها التي لا نعرف هل هي حقيقية أم متخيلة، ولا يخرج روي ياكوبسن في «اللا مرئيون» عن هذا النهج، يستعيد حكايات عائلية، سير الآباء والأجداد، في تخييل يتبنى أيضاً أسطورة محلية، تدور أحداثها في حيز ضيق وفي زمن يعود قرناً إلى وراء، حيث تتناوب القصص بين شخصيات قليلة.. هانس، العجوز مارتن «والد هانس، الأرمل الذي توفيت زوجته قبل نحو عشر سنوات» باربو، شقيقة هانس العزباء الصغيرة، وماريا، المرأة الحاكمة في الجزيرة، ثم إنغريد، ذات السنوات الثلاث. هكذا لم يشأ المؤلف أن يغامر ببانوراما شخصيات أكبر مما سلف ذكره، ركز جهة النظر إلى مكان صغير مع عدد أصغر من الشخصيات. «في يوم تموزي، لا ريح فيه، يتصاعد الدخان عمودياً إلى السماء. يستقل القس يوهانس مالبيرغيت قارباً رباعي المجاديف إلى بارأوي، ليُقابل هانس بارأوي، الصياد الفلاح، مالك الجزيرة الشرعي ورب الأسرة الوحيدة التي تقطنها». من هذه الجملة الافتتاحية تنطلق الرواية، في سرد يتناوب بين يابسة وماء، بين حاضر وآمال معلقة، في مكان يبدو أن السماء قد نسيته، لكن الحكايات رأفت بها، وأحالته من عزلة إلى صخب.

قدر مكرر ومقاومة

على الرغم من السكون الذي يسود جزيرة «بارأوي» فقد ظلت، على الدوام، عرضة للأخبار التي تصل إليها، من أمكنة بعيدة، عن الحرب وتداعياتها من موت ومجاعة، بينما ساكنتها يمتهنون صيد السمك مرات كلما استقر مستوى البحر، أو خدمة الأرض مرات أخرى حين تشتد العواصف في الماء، وعلى الصغيرة أنغريد أن تتعلم بسرعة، لأنها سوف تكبر وتواصل ما وجدت عليه والديها، وقد يتساءل القارئ، في لحظة من اللحظات، لماذا لا تهجر تلك العائلة الصغيرة الجزيرة؟ وهو السؤال الذي استلزم رواية كاملة كي يرد عليه المؤلف، كما لو أنه يصر على فعل المقاومة، مقاومة البشر لإغراءات الحياة العادية، وقبولهم التعرض للزوابع وللبرد ولقساوة الطقس، بدل الفرار. إن معيشة عائلة هانس، وإلحاحها على تقبل كل المشقة التي ترافق يومياتها يحيلنا إلى حق الإنسان في مقاومة راهنه وبيئته، بدل الانحدار إلى الحلول السهلة بالهجرة وترك آثار المؤسسين، على الرغم من بساطتها، إنها رواية في مديح الارتباط بالأرض، على الرغم من أنها لم تخلُ من لحظات درامية، حيث الأرض ومحنها تصير العدو الأول لتلك العائلة. لقد تأقلموا مع أوضاعها فصاروا لا يتخيلون حياة أخرى لهم خارجها. كما أنها أيضاً رواية نسوية، في أجزاء منها، في استعادة ما تقوم به الأم، بحكم أنها العنصر الذي يقضي أكثر وقتاً وهي قائمة، في إعداد مائدة أو في الاعتناء بابنتها. يبدو أن تلك المرأة هي من تخترع الحياة في جزيرة كل ما فيها لا يبعث إلا على هجرها، مع ذلك فإنها تجد، في كل مرة، سبباً في استمرار البقاء فيها. هذه العائلة هي إرث المكان، كل واحد من أفرادها ينحت حجراً، كي يكتمل البيت الشاسع الذي يسكنون فيه، وهو بيت الجزيرة، التي تتحول مع فصول الرواية إلى أوسع مما هي عليها، تزيدها الحكايات رحابة. كل ذلك جاء بلغة شعرية عمد إليها المؤلف، في جزيرة تراوح بين مشاهد فردوسية وحياة تدنو بها من الجحيم.

روائي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية