يبدو أن ملتقى الرواية العربية الذي انعقدت أعماله في القاهرة للفترة من 15-18 مارس/آذار الجاري يشبه أي حفل أوسكاري للسينما، ضاج بالنجوم الافتراضيين للرواية العربية، وبالأسماء التي يصنع بريقها الإعلام الثقافوي العربي.
وبقطع النظر عن العتبة العنوانية للملتقى والنوايا المفتوحة، ورمزية الراحل فتحي غانم الروائية، إلاّ أن خريطة الحضور تكشف عن قصور واضح في تحديد مرجعياتهم، وحجم فاعليتهم في مقاربة الإشكالات الكبرى التي تواجهها الحياة الثقافية العربية ومصائر شعوبها، وتحوّل بعضها إلى شعوب لاجئة وهاربة من الحروب الوطنية والاستبدادات الوطنية، فضلا عن خطورة ما يتداعى إزاءها من أسئلة، فلم نشاهد، أو نسمع سوى الشعارات التي ظلت معلّقة، مقابل حضور كم ضخم من الشهادات الإنشائية، التي لم تكشف عن رؤية عميقة لحمولات التجارب الروائية في سياق وقائعها وتحولاتها، لاسيما مع تجارب مكرسة ومكررة في الحضور، جرّاء استسهال ذلك، فضلا عن تهويل تجارب أخرى، غير واضحة المعالم، وربما لم يزل بعضا غضّ التشكّل، وما تضخيمها إلا نوع من الاستعراض، ذلك الذي يشبه مواسم جوائزنا الثقافية العربية.
ما حدث في هذا الملتقى لا يختلف كثيرا عما يحدث عادة في عديد الملتقيات العربية الأخرى، تلك التي تتحول إلى فضاءات للمتعة، ولتبادل المنافع الثقافية والزيارات، ولإثبات البعض ذاته الثقافوية في مثل هذه الملتقيات العربية، بوصفه نجما، أو مؤسسا، أو ما شئت من الألقاب، وكنّا نأمل أن يكون مثل هذا الملتقى، وفي ظرف مصري حساس ومعقد على المستوى الأمني والاستثماري مغايرا، وأكثر تعبيرا عن معطيات الصدمة العربية، وعن وعي حاد بمسؤولية التحديات العربية وحراجتها، ورعب ما تعانيه من إرهاب وتهجير وعنف وتشظ سسيولوجي، فضلا عن المتراكم من الهموم الاقتصادية والثقافية المرعبة، التي تحتاج بالضرورة إلى درجة عالية من المراجعة والرصد والاختيار.
ولعل من أخطر ما حدث في مثل هذا الملتقى، وفي مصر أم الدنيا العربية، أن يغيب أي حضور فاعل للروائيين العراقيين من الداخل، فضلا عن النقاد المعنيين في السرديات، وأن من حضر منهم إلى الملتقى كانوا من أدباء المهاجر العراقية، أو من أصدقاء المرجعيات التنظيمة في الملتقى، حتى أن بعضهم غير معروف للمثقفين العراقيين وللمصريين أيضا، حدّ أن البعض حمّل عملية تنظيم الدعوات إلى هذا الملتقى هاجسا سياسيا، أو حتى حسابات غير مهنية، لاسيما أن هذا الملتقى معني بالرواية العربية وبإشكالاتها وأسئلتها، وليس بالحديث عن الرواية في موزمبيق.. فهل تعمّد المجلس الأعلى للثقافة في مصر- بوصفه الجهة الراعية – تصميم هذه الدعوات، والتغافل بقصدية عن دعوة أي أديب عراقي؟
وهل أن ما يحدث في العراق اليوم من صراعات مجتمعية وسياسية، لم يعد همّا عربيا؟ وكيف سيتعرف الأدباء العرب من الأجيال الجديدة، وحتى القديمة على خريطة التحولات الحادثة في الواقع الروائي العراقي الجديد، والاجيال الجديدة من الروائيين والنقاد؟
أحسب أن هذه الأسئلة مشروعة ولازمة لمواجهة محنتنا العربية، ولغياب العقل الثقافي العربي عن ممارسة وظيفة النقد والمراجعة والفحص، والاكتفاء باستيهامات الفرجة.. التي ستنعكس كثيرا على إثراء أي قراءة جادة، ومتابعة فاعلة لتوصيات الملتقى ولتفعليها، ولإيجاد آصرة ثقة وتفاعل ومكاشفة بين المثقفين العرب، بعيدا عن الحساسيات السياسية والطائفية والايديولوجية، التي باتت رائحتها تفوح- للأسف- في أغلب فعالياتنا الثقافية، وكأنها استعارت أمراضها من السياسة ومن حروب الخنادق والأدلجات ومن دكاكين المحاربين..
هذا الكلام لا يعني أنني أقلل من شأن هذا الملتقى أو غيره، لكن الحسابات المهنية لأي عمل ثقافي تقتضي الصراحة والجدّة، مثلما تحتاج إلى ترسيم واضح ومهني لطبيعة العمل، ولشموليته في النظر بعين مسؤولة إلى كل الدول العربية، حتى إن كانت تعاني من ظروف صعبة، لأن الغاية من مثل ملتقيات كهذه تتمثل في مقاربة الهموم، وفي إبداء المساعدة والإسناد لإبراز أهمية الوظيفة الثقافية بوصفها وظيفة سيادية لتعزيز فاعليات الصناعة الثقافية، ولإدامة أي جهد باتجاه تأهيل العقل والنص، وتمكين أدواتهما من تفعيل الجهود لتعظيم معاني الثقة التي ينهض بأدوارها المثقف العربي.. ما حدث كان للأسف نوعا من العزل والتعمية، وحتى فيه الكثير من القصدية غير المسؤولة، التي تحتاج إلى نقد وإلى مراجعة، حتى لا يتحول القائمون على الصناعات الثقافية العربية إلى طغاة ومستبدين أيضا، وأن يكون توصيف ومنطلق دعواتهم قائما على فاعلية المسؤولية المهنية، وبعيدا عن أي تصرف قد يحسب للمزاج والشخصنة والاستخفاف.. وأظنه هو الحادث والحاكم تماما في مثل هذا الملتقى.
كاتب عراقي
علي حسن الفواز