مجزرة نابلس ومأزق السلطة في التعاطي مع كيف يفهم الاحتلال تفاهمات «التهدئة»

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

أن ما حدث في نابلس ليس جريمة بحق الفلسطينيين فقط إنما صفعة لكل محاولات العمل السياسي للتهدئة على أمل أن يمر شهر رمضان المقبل بهدوء.

رام الله ـ «القدس العربي»: تندر الفلسطينيون كثيرا على تصريحات الغدر والخديعة التي مارستها إسرائيل بحق الفلسطينيين، وتحديدا عندما قال عضو اللجنة المركزية لحركة فتح عباس زكي، في اليوم الذي نفذت فيه قوات الاحتلال مجزرتها البشعة في مدينة نابلس أنه «كان من المفترض التوقيع على اتفاق جديد بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في السادس والعشرين من الشهر الجاري لكن إسرائيل غدرت بنا ونفذت عمليتها في نابلس».

من بين من علق على هذه التصريحات كان السياسي الفلسطيني نبيل عمرو عندما قال: «وهل وظيفة إسرائيل ألا تخدعنا؟».
وتابع عمرو قائلا: «الاحتلال يقوم بتصفية الحركة الوطنية الفلسطينية ويتنكر للحقوق الأساسية وهي تتخذ كل الوسائل من أجل منعنا من تحقيق إنجازات أو أهدافنا».
وأشار في ذات التصريح إلى أن المسؤولين الفلسطينيين يعيشون في مصائد، ليكون السؤال هو: كيف تفهم إسرائيل التفاهمات؟ إنها ببساطة تأخذ منها ما يفيدها وتهمل ما يفيد الفلسطينيين.
وطالب بضرورة أن يتغير الخطاب السياسي الفلسطيني بشكل جدي من خلال العمل على عملية سياسية متكاملة تبدأ من الوضع الداخلي.

الفلسطينيون مغيبون

غير أن ما أغضب الفلسطينيين كثيرا أنه وحتى لحظة كتابة هذا التقرير لم تقدم لهم أي معلومة واضحة تضع الشعب في تفاصيل الصفقة وما ترتب عليها من خطة أمنية تهدف إلى إعادة سيطرة السلطة على مناطق شمال الضفة الغربية وتحديدا جنين ونابلس.
تلك الخطة التي وصفها المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور بإنها «وصفة للحرب الأهلية» تتضمن خمسة بنود تعكس خطّة الجنرال الأمريكي مايك فنزل الذي كان مسؤولا عن لجنة التحقيق الأمريكية في اغتيال الشهيدة شيرين أبو عاقلة قبل أشهر، وحسب الإعلام الإسرائيلي فقد قبلت بها السلطة مبدئيًا.
وتضمنت بنود الخطة مشاركة جنرالات أمريكيين في التنسيق الأمني، حيث سيحضرون اجتماعات بين السلطة والإسرائيليين لعدة شهور، وتدريب قوات خاصة فلسطينية مكونة من خمسة آلاف عنصر أمني في الأردن بإشراف أمريكي، ودخول القوات الفلسطينية إلى جنين ونابلس مع تقليص كبير لنشاط الجيش الإسرائيلي، في إطار التنسيق الأمني، وإشراف أمريكي على نقاط الاحتكاك، ومشاركة فرق غربية في عمليات المراقبة، وتغيير توجهات السلطة في التعاطي مع المقاومين الفلسطينيين ووقف السياسة القديمة.
تلك البنود التي كشفتها وسائل إعلام إسرائيلية في ظل صمت فلسطيني وعدم وضوح في الموقف الرسمي منها أو من مسألة قمة العقبة المتوقع أن تنعقد اليوم الأحد بحضور أطراف فلسطينية وإسرائيلية وأمريكية وأردنية ومصرية.
وحتى يوم أمس كانت المصادر الخاصة تقول إن قرار مشاركة السلطة الفلسطينية في القمة الأمنية وبمشاركة أمين سر اللجنة التنفيذية حسين الشيخ، ورئيس جهاز المخابرات ماجد فرج، والمستشار الدبلوماسي للرئيس محمود عباس مجدي الخالدي، ما يزال ساريًا، رغم ما نُشر حول تهديدها بمقاطعة القمة بسبب مجزرة الأربعاء في نابلس.
ومن ضمن ما نشرته وسائل إعلام عربية أن أجندة الاجتماع ستتركز على الجانب الأمني والسياسي ومخرجات اللقاءات والتفاهمات التي توصل إليها الشيخ مع رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي.

تجاوز للخط الأحمر

وحسب المحلل السياسي ومدير مركز «مسارات» هاني المصري فإن مشاركة السلطة الفلسطينية في الاجتماع الخماسي الأمني خصوصا بعد مجزرة نابلس ومواصلة العدوان بكل أشكاله يعتبر تجاوزا للخط الأحمر.
وأضاف: «كانت رسالة الاحتلال قوية ومفادها بإنها غير معنية بالتفاهمات الأخيرة، فالتفاهمات بالنسبة لفهم الاحتلال هي حبر على ورق، وبدلا من تطبيقها جرى التصعيد الكبير جدا في الأسبوع الماضي».
وشدد أن قراءة الواقع تقول إن أزمة إسرائيل الداخلية كبيرة، وهي مرشحة للتصاعد أيضا، وبالتالي كل التوقعات تشير إلى أننا أمام مزيد من التصعيد والإيغال بالدم الفلسطيني.
فمجزرة نابلس تؤكد المؤكد حسب المصري، ومفاده أن لا عهود ولا التزامات تلزم الحكومات الإسرائيلية، «ومن صدق أو أوحى بأنه صدق التفاهمات الأخيرة التي كانت واضحة من عنوانها وهو التخلي عن أشياء قيمة مقابل ثمن بخس».
وقال في مسألة تعامل السلطة مع ما يحدث نحن أمام سؤالين: ما هو مفترض، وما هو متوقع؟ فالمفترض هو أن تقوم السلطة باتخاذ موقف بمستوى التحدي والدم الفلسطيني، موقف يتناسب مع الحاجة الفلسطينية، وليس القيام بفتح قناة اتصال بينها وحكومة اليمين الإسرائيلية فيما تدعو هذه السلطة العالم العمل على معاقبة ومقاطعة هذه الحكومة المتطرفة.
وأكد أن العالم لا يمكن أن يتعامل بشكل جدي مع مطالب السلطة له عندما يراها عبارة عن طرف غير جدي، ومن دون أن تبادر وتدافع عن الشعب الفلسطيني فلن يقف أحد إلى جانبنا. فالمطلوب هو تكريس مقاطعة الحكومة الإسرائيلية وعزلها في ظل أن برنامجها متناقض مع أي شيء في عملية السلام، إنه برنامج تصعيد وحرب.
ويتابع المصري مؤكدا أن حكومة الاحتلال تنظر للفلسطيني من خلال تنويعات ثلاثة، الأول: من فلسطينيين موالين لإسرائيل وهم رعايا من دون حقوق مواطنة، والثاني خيار التهجير، والثالث من يرفض الخيارين يقوم الجيش الإسرائيلي بالتكفل به.
وشدد أن السلطة خسرت مرة أخرى في الاختبار، ولم يتبق أمامها ما تراهن عليه سوى من لا تريد الرهان عليه وهو الشعب وصموده واستعداده لاستمرار المقاومة حتى النصر.

من طرف واحد فقط

يدعم حديث المصري تحليل الخبير في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور الذي يرى أنه قد يبدو للبعض ظاهريا أن هناك تناقضا بين «حديث الفرص للتهدئة وخطط أمنية وقنوات اتصال سرية» وبين مجزرة نابلس. لكن في حقيقة الأمر، ما حدث هو التفسير الإسرائيلي الذي يُراد له ان يُحدد معالم التفاهمات وحدودها، وهو قائم على فكرة أن «التهدئة» تتم من طرف واحد وهو الفلسطيني إلى أن «يتأهل هذا الطرف» ويتمكن من «فرض الأمن» وتثبيت الهدوء.
وأضاف منصور: «هذه الصيغة من التعاطي تجعلنا نصل إلى نتيجة واحدة وهي أن التهدئة وصفة لحرب أهلية فلسطينية لا يترتب مقابلها على إسرائيل أي التزام، سوى الإبقاء على السلطة في أضعف حالاتها».
ويرى منصور أن ما حدث في نابلس ليس جريمة بحق الفلسطينيين فقط إنما هي صفعة لكل محاولات العمل السياسية للتهدئة على أمل أن يمر شهر رمضان المقبل بهدوء.
وهو يرى أن الانفجار الكبير الذي يتم التحذير منه أصبح أقرب مع المجزرة في نابلس.
وحسب المحلل السياسي عادل شديد فإن المبادرة الأمنية الأمريكية المطروحة تجسد رؤية إسرائيل تجاه دور السلطة على أنه أمني فقط، لذلك المصلحة الوطنية والسياسية الفلسطينية تفرض على القيادة رفضها جملة وتفصيلا.
وأضاف: «لا شك أن الأزمة الداخلية في إسرائيل والانقلاب الحكومي على منظومة القيم القضائية والديمقراطية حاضر تماما بمسار التصعيد الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، كما أن تشكيلة الحكومة الحالية هي الأكثر فاشية وبالتالي أولوياتها استمرار توجيه الضربات على اعتبار أن توجيه الضربات هو الوضع الطبيعي وممنوع التراجع عنه».
ويرى شديد أن مجزرة نابلس قدمت الرسالة الأدق والحقيقة الماثلة عن الاحتلال والتي تتمثل أنه لا يعنيها مجلس الأمن أو الأمم متحدة، ولا أي موقف آخر، طالما هي تشعر أنها فوق القانون وأن الإدارة الأمريكية تشكل لها غطاء سياسيا وقانونيا ودوليا.
وختم أن هذه الإدارة أصبحت عاملا لتبريد الحالة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال ليس إلا.

دفع كل الأثمان

بدوره قال دكتور حسن أيوب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية أن جريمة إسرائيل في نابلس هي رسالة شديدة الوضوح أنها بصدد حسم معادلة الوجود، وليس مجرد حسم الصراع.
وأضاف: «حجم الوحشية والخراب والقتل الذي يذكرنا بحملات المستعمرين الأوروبيين لاصطياد (حرفيا اصطياد) السكان الأصليين، والذي تكرر في جنين مؤخرا، سنراه يتكرر وستزداد وتائره في كل مرة تسعى فيها قواتها لتصفية مقاوم أو مجموعة مقاومين».
وشدد ان ممارسات «تدفيع الثمن» (الشعار الأثير لإرهاب المستوطنين) انتقل إلى قلب عمليات الجيش الإسرائيلي في المدن الفلسطينية، وإلى أبعد مدى يصبح معه أمام الفلسطيني خيار من اثنين: المقاومة والممانعة والرفض ومقابله القتل العشوائي، أو التسليم والقبول بالعيش كجموع بلا حقوق أو كرامة.
وفي ضوء ذلك والحديث لأيوب، فإن الفلسطيني أمام مشهد سيدفع فيه الفلسطينيون فيه كل الأثمان: أثمان أزمات إسرائيل الداخلية المرتبطة أصلا بطبيعتها الاستعمارية والعنصرية، وثمن نفاق الإدارة الأمريكية وموقفها الجبان من الحكومة الفاشية في إسرائيل؛ إذ يبدو بوضوح أن هم هذه الإدارة الأول هو إنقاذ إسرائيل وحكومتها، وثمن هرولة الأنظمة العربية لتعميق وتعزيز التطبيع مع دولة مارقة، وهذه (أي إسرائيل) بدورها تقدم الدعم للأنظمة العربية الديكتاتورية (وتستمر بالادعاء بأنها الديمقراطية الوحيدة في شرق أوسط ديكتاتوري!!) وثمن انبطاح وعجز قيادتهم السياسية التي لم -ولا تريد أن- تتعلم من بؤس نتائج كل صفقاتها الخاسرة، وآخرها صفقة التنازل عن قرار إدانة من مجلس الأمن قبل يومين.
ويرى الأكاديمي أيوب أن الجريمة في نابلس اليوم تأتي لتؤكد بؤس وقصر نظر القيادة الفلسطينية في تعاطيها مع الأوضاع الخطيرة التي تمر بها القضية الوطنية، ومع الأزمات الداخلية التي تعصف بالمجتمع الفلسطيني، تبدو هذه القيادة وكأنها «سرقتها السكين» وماضية في ذات الاستراتيجية التي أورثتنا الكوارث السياسية والوطنية.
وختم مشيرا إلى أن إسرائيل أقدمت على جريمتها الجديدة وقد أركنت إلى أن السلطة الفلسطينية قد قبلت بخطة أمنية ستجعلها شريكة (على الأقل من وجهة نظر أمريكية وإسرائيلية فإن الخطة تتجاوز التنسيق الأمني نحو الشراكة الأمنية) في تصفية المقاومة في شمال الضفة الغربية، ولن تستطيع التراجع عن هذه الموافقة، حتى لو خرجت بعض قياداتها بمواقف لفظية متشددة تعقيبا على الجريمة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية