أكتبُ، ثم أمحو ما كتبت، وأعيدُ الكرَّة مرةً إثر أخرى، وفي كلِّ مرةٍ يستوقفني السؤال ذاتُه:
– ما معنى أن تكتبَ في الوقت الذي يموت فيه الآخرون؟ ما معنى الكتابة عندما يغيب الآخرون وراء رغبتهم في النجاةِ، ووراء انتظارهم لموتٍ يلهو بالمصادفاتِ غيرِ السّارة؟
ويأخذني السؤالُ بعيداً: هل تكتبُ لتنجوَ أنتَ أم لتقولَ أنّ وجودكَ بعيداً عن دائرةٍ تطوّق الآخرين ليس أكثر من مصادفةٍ غيرِ سارةٍ أيضاً؟
أكتبُ، وأضمر في داخلي تلك الرّغبة في أن أقول شيئاً أمام الفاجعة المستمرةِ، الفاجعةِ التي لا تستثنيني وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، في الكويت، في الدوحة، حيث الحياةُ ليست هي الحياة؛ عالمٌ موازٍ يتحدث فيه آخرون عن الآخرين، فأصمتُ أمام وجعٍ لا يُشرح ولا يُمكن تفسيره بالحديث عن جغرافيّة المكان وحتميّة التاريخ والرغبة في الخلاص من سجونٍ ومعتقلاتٍ وقوائم طويلةٍ وانقسامٍ حادٍ ونزقٍ في الرؤية والهدف، وما سيحدث لو أنّ شيئاً من هذا لم يحدث، وما سيحدث لو أنّ الوطنَ بقي في تعريفه السّاذج، والحريّةَ ظلّت هناك رهنَ الخلاصِ من عدوٍ خارجيّ شريرٍ وقبيحٍ، لو أنّ الأسرةَ ظلّت هي الأسرة؛ أباً مُتعباً يعود في المساء، وأمّاً تطوي الثياب وتعدّ حساء العدس لغيومٍ تنثّ مطرها فوق أحذية أبنائها الصّغار، لو أنّ البيت ظلَّ في فكرةِ البيت، والحكايةَ مثلَ كل الحكايات عن رجال أخيار ولصوص ظرفاء وحسناواتٍ يكبرنَ في أحلام اليقظة، لو أنّ الموت يعود موتاً طبيعياً، والحنينَ يظلّ حنيناً طبيعياً، والخوفَ يبقى في دائرة الخوف فلا يتّسع ويضيق كحبل المشنقةِ، والأمانَ الأمان الذي يخيّم على ظهيرة المدينة حين تغسل وجهها بالغبار، وماء الحنفيّات، والنسوة الغائبات في خدرِ الشّاي والهمهمات التي تجترّ أوراد انتظاراتهنَّ الطويلة!
كان الجرح ما يزال مفتوحاً مثل عينٍ تنظرٌ على اتّساع حدقتها إلى فوّهة البندقيّة، هل سأختار قصّة من القصص التي سمعتها؟ هل أكتب قصّة خياليّة بشخوصها وأحداثها؟ وأمام ثراء الحدثِ المؤلم فإنّ كلّ قصّة ممكنةٌ وتصلحُ أن تكونَ حاملاً للفكرة التي لم تستغنِ عن السؤال: لماذا كلّ هذا التجاهل الذي تجاوز حدود المحافل الدولية ووصل إلى جميع أبواب العالم الذي أوصدها محكمةً في وجوهنا؟ وكأنّ الأمر أشبه بدمّل يجب اجتثاثه، حتى لو كان في اجتثاثه موتُ مدينة بأهلها وذاكرتها وجمالها الذي لا يعرفه العالم المشغول بضرورة الخلاص، مهما كلّف هذا الخلاص ودفع ثمنه «الآخرون» من أهلي!
ما الذي يمكن أن أفعله بوصفي بعيداً عن دائرة الحدث؟ ما الذي أملكه أكثر من إحساسي وذاكرتي وتفاصيل ناقصةٍ جمّعتها في رأسي الغريب من كلماتٍ لا تحتملُ التأويل ورسائل خائفةٍ وشرائط الأخبار العاجلةِ وقوائم الضحايا. ودار السؤال في داخلي طويلاً:
لأيام طويلة لم يكن لديّ من الرواية سوى مشهدٍ واحدٍ: امرأة تفتح الباب في الظلام وأمام ضوء لمبة الكاز ترى رجلاً يلهث خائفاً ثم يغيب، تعود إلى غرفتها وعلى عجلٍ تجمع في حقيبةٍ مهترئة ثيابها وتركض هاربةً إلى أرضٍ خاليةٍ، ثمّ أراها تنبش الأرض وتنشب أظفارها في الوحلِ وتوسّع الحفرة لتختبئ فيها. أفكّر بأنّ ما فعلته هذه المرأة هو ماكنت سأفعله بالضبط أمام انعدام فرص النّجاةِ؛ المحاولة لا أكثر، إذ لا يمكن أن أبقى جامداً في انتظار الموت، لابدّ أن يكون الفعلَ بلا جدوى، لكنّه فعلٌ على أيّة حال ليمضيَ الوقت وصولاً إلى نهايةٍ لا أعرفها، وفي كل مرّة أستعيدُ فيه النبش الأخير من الرواية أتوقّف عند تلك اللحظة ولا أستطيع تجاوزها.
– مَنْ هذه المرأة؟ ولماذا يجب أن تكون امرأةً؟
– من معاناة المرأة تتجلّى معاناة الإنسان المدنيّ البسيط بأكثر أشكالها قتامةً وكثافةً؛ ولأنّ المرأة هي التي دفعتِ الثمن الأكبر في ما حدث، وإنْ كانت جذور معاناتها تمتدّ عميقاً في تاريخنا ولم تبدأ مع سيطرة التنظيم وفرضه للأحكام الشرعيّة التّي جعلت أحدَ أهمّ أهدافها وأدَ الفتنة التي تجرّها النساء على البلاد والرجال، فجاءتِ الرواية عن امرأةٍ غريبةٍ تمرّدت على واقعها عندما هربت من سلطة أخيها/ النظام/ العرف الاجتماعي/ القمع الذكوري إلى حضن حبيبها الحلم/ الحريّة/ الثورة قبل أن تنطفئ الشعلة ويتلقّفها الظلام بدخولها إلى الرّقة معقل تنظيم الدولة. وأمام غياب الحلم ونفاد الأمل تتعلّم خياطة العباءات بالطريقة التي فرضها التنظيم؛ لتهربَ بنفسِها من الحلم الذي استحال كابوساً، من الخوف الذي لا يمكن تبديده بالانتظار وقتاً أطولَ في تلك اللطخة السوداء، وكان هذا الاختبار الذي يجب أن تفشلَ فيه لتسقط الغاية النبيلة أمام الوسائل غير المشروعة، ولكنْ: مَن يجرؤ على محاكمة إنسانٍ خائفٍ ينتظر موته كلّ لحظة؟ هكذا كان يمضي الوقت بانتظار لحظة الهروب المنشودة، عباءةً إثر أخرى، وتصبح العباءات السوداء معادلاً موضوعياً لفكرة الخلاص، ثم تخلعها النسوة في لحظة تحرير القرية، لكنّ فعلَ الخلع هذا لا يعدو أكثر من كونه لحظةً مضيئةً سَرعان ما تنطفئ في العتمة التي فرضها السلاح مرة ثانية، فيتساوى في نظر الناس المحرر والمحتل، وتبدأ دورةٌ أخرى للأسئلةِ، لكنّ المعاناة ما زالت مستمرة، والجرح مازال مشرعاً على اتّساعه ينزّ دماً وملحاً.
الرقة روائياً
في رواية «قماش أسود»، يبرز المكان بوصفهِ أنموذجاً مُصغّراً لما حدث في المناطق التي سيطر عليها التنظيم، وفي محافظة الرقة خصوصاً عندما أصبحت عاصمة دولة الخلافة الإسلاميّة في العام 2014، وتحوّلت الرقة من مدينة هامشيّة تتجنّبها الرواية السوريّة لصالحِ المدن الكبرى مثل حلب ودمشق إلى مكانٍ مناسبٍ لأحداث روايةٍ تسرد فظائع التنظيم. وبالفعل، فقد كُتبت العديد من الروايات التي تناولت وجود «داعش» في الرقة، بالإضافة إلى إنتاج عددٍ من الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية التي تعتمد الإثارة والتشويق لجذب أكبر عدد ممكن من المشاهدين، ولكنّ هذه الأعمال جميعاً تغافلت وتجاهلت معاناة الرّقة وقدّمتها بوصفها مجموعةً من الأحياء المتهالكة وشوارع ضيّقةٍ يركض فيها عناصر التنظيم وغرفٍ مظلمةٍ يجتمعون فيها للتخطيط وتنفيذ العمليات الانتحاريّة، وجعلت من أهل الرقة بيئة حاضنة للتنظيم، أشخاصاً يتحركون لتزويد كادرِ التّصوير بما يشبع عين المشاهدِ.
غابت المدينة المهمشّة لصالحِ الحدثِ، وصار المكان عبئاً، مجرّد ديكور تتحرّك الشخصيات خلاله، ولم تكن رواية «قماش أسود» سوى محاولةٍ أولى لإعادة الاعتبار إلى الرقة بوصفها فضاءً وليست مجموعة أمكنة فحسب، ويبقى الرّهان على أعمال قادمة قد تنجح في هذه المهمة أكثر من «قماش أسود»؛ لتعيد تقديم الرقة بصورة أكثر إنصافاً وموضوعية.
لأكثر من ثلاث سنواتٍ وأنا أكتب في رواية «قماش أسود»، أجمع وأوثّق الانتهاكات الّتي حدثت، والمادة التي جمعتها كانت كبيرةً جداً، وهي تخصّني بشكلٍ شخصيّ، قمت بتوظيف بعضها بما يتناسب مع القصّة مثل اختطاف واغتيال بعض أقاربي وأصدقائي من الناشطين المدنيين قبيل سيطرة التنظيم، بالإضافة إلى ما ارتكبه التنظيم من عمليات صلبٍ وقتلٍ في ساحات الرقة راح ضحيتها الكثير من الأشخاص الذين أعرفهم شخصيّاً، ومصادرة البيوت والممتلكات الخاصة وتوزيعها بوصفها غنائم على المجاهدين من عناصر التنظيم، وحملات التفتيش ودورات الاستتابة وغيرها من الممارسات التي ضمّنتها في الرواية.
كنت أتابع طوال تلك الفترة الأخبار التي تسّاقط على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي؛ لأعرف ما يحدث، وأقرأ أسماء الضحايا بحثاً عن أسماء أهلي وأقاربي، وفي دوائر الترقب تلك كنت أفعل ما تفعله نسرين بطلة الرواية؛ أتقن فنّ التخلّي، فتضيق دائرة الأشياء والوجوه، بلدي، مدينتي، حيّنا، أصدقائي، أقاربي، أهلي، أضيّق دائرة الخوف وادّخر كلّ ألمٍ إلى ألمٍ سيأتي لاحقاً فوق طاقة احتمالي، وفي الوقت الذي كانت تنبش فيه نسرين الأرض بحثاً عن أدنى شعور بالأمان، كنت أنبش أنا أيضاً في هذه المأساة بحثاً عن إجابة لسؤالي الأوّل.
لماذا النّبش؟
تتّسع دلالة النبش لتتجاوز ثنائية الإخفاء والإظهار، فالحفرة يجب أن تتّسع دوماً وتزداد عمقاً إلى الحدّ الذي يغيب فيه الجسدُ، بل يستحيل خروجه، وهي الحفرة التي تخفي فيها الشخصيّة أجزاء كثيرة من حكايتها لصالح الحدث، وهي الحفرة التي ستكون فرصة لقول ما لا يمكن قوله في الأوقات الطبيعية، وهي أيضاً نبشٌ متواصل في الذات الإنسانيّة التي عانت ما عانته في مثل تلك الظروف. إنّها تعني مساءلة التاريخ ومحاكمته تحت وقع معاناة المرأة خصوصاً، ثم تتّسع الرؤية وينفتح النبشُ الأخير على دلالاتٍ أكثرَ اتّساعاً، فالحفرة تصبح حُفراً كثيرة، ولا حصر لها، وكلّ حفرة هي حكاية وإدانة صارخة للجريمة، فإذا كانت الرواية قد سردت حكاية امرأة واحدة، فهنالك آلاف الحكايات التي لم تُسرد، وهنا يأتي دور الخيال في إضاءة أبعاد تلك الجريمة، وإفساح المجال لافتراض الأسوأ، فما يُمكن أن يروى هو المهم والضروري مع غياب التوثيق الرّسمي لما حدث في المناطق التي سيطر عليها التنظيم، وفي محافظة الرقة خصوصاً.
حازت رواية «قماش أسود» جائزة غسان كنفاني للرواية العربيّة بنسختها الأولى لعام 2022، وكانت هذه الجائزة تكريماً وتشريفاً لي، فهي تصدر عن فلسطين الحاضرة أبداً في وجداننا، وتحمل اسم غسّان كنفاني الكاتب والشهيد الذي كان لأدبه ونضاله عظيم الأثر في حياتي وحياة الشباب العربي الذي آمن بفلسطين بوصفها القضية الكبرى والحلم الذي لا يمكن لهمومنا الخاصّة أن تبدده.
أقول: بعد كلّ هذا الألم، كان أدب غسّان كنفاني نافذةً أُطِلّ منها على الإنسان ومعاناته، فرأيت في خيام النزوح التي عاش بها أهلي المخيّمات الفلسطينية، وسمعت صوت أم سعد وهي تردّ: «خيمة عن خيمة بتفرق»، وأدركت مرارة هذا الفرق الذي تشير إليهِ وأنا أقلّب بالصور التي كانت تصلني عن مخيّمات أقام فيها أهلي، وأغمضت عيني أستدعي الصّمت من فوّهة الخزّان، إنّها الحفرة ذاتُها التي غابت فيها بطلة الرواية تنبش ألمها وذاكرتها:
«لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟»
أمسح السؤالَ بعد خمسين سنةٍ، وبقلم الوجع ذاتِه أكتبُ على ما بقي من أثر السؤال:
– « لماذا لم يصرخوا؟!»
– «لماذا لم تصرخوا عالياً يا أهلي؟!
– الإجابةُ واضحة؛ ولذلك أكتب!