لندن ـ «القدس العربي»: صعدت الأجهزة الأمنية في تونس من حملتها ضد الصحافيين في البلاد بالتزامن مع الانتقادات المتزايدة والغضب المتصاعد ضد إجراءات الرئيس قيس سعيد، حيث سارعت السلطات التونسية إلى اعتقال مزيد من الصحافيين وإحالة كثيرين إلى القضاء بمن فيهم نقيب الصحافيين في تونس، وهو ما دفع «الاتحاد الدولي للصحافيين» إلى إدانة الإجراءات التونسية وإعلان نيته تقديم شكوى دولية ضد تونس وإجراءاتها الهادفة لإسكات صوت الصحافة ووسائل الإعلام.
واقتحمت قوات من الشرطة التونسية مقر موقع إلكتروني إخباري يُدعى «One tn» يوم الخميس الماضي وألقت القبض على مديره أيمن العجمي وصحافيين وتقنيين، وحجزت كمبيوتراتهم ومعدات عملهم.
وحوّلت قوات الشرطة الموقوفين إلى ثكنة أمنية تونسية للتحقيق معهم بتهمة «التآمر على أمن الدولة».
وأكدت مصادر أمنية أن الأمر مرتبط بالإيقافات التي قامت بها الشرطة التونسية لعدد من السياسيين ورجل الأعمال كمال اللطيف بتهمة «تكوين وفاق من أجل تبديل صيغة الدولة والتآمر على أمن الدولة».
وجاءت هذه المداهمة بعد حملة اعتقالات شهدتها تونس في الأسابيع الأخيرة وشملت مدير إذاعة «موزاييك أف أم» نور الدين بوطار، إضافة إلى استدعاء نقيب الصحافيين التونسيين محمد ياسين الجلاصي إلى التحقيق بتهم مختلفة.
ورأت منظمات حقوقية تونسية ودولية في حملة الاعتقالات تضييقاً غير مسبوق على حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة.
ونظّم عدد من الصحافيين والناشطين الحقوقيين، مساء الخميس الماضي وقفة احتجاجية في مقر النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، وسط العاصمة التونسية.
وندّد المحتجون باستدعاء نقيب الصحافيين التونسيين وناشطين حقوقيين للتحقيق، معتبرين أن النظام التونسي دخل بعد 25 تموز/يوليو 2021 تاريخ استحواذ الرئيس التونسي قيس سعيد على كل السلطات، مرحلة تصفية للخصوم السياسيين من خلال توظيف الأجهزة القضائية لخدمة أغراضه.
إلى ذلك، أدان الاتحاد الدولي للصحافيين في العالم العربي والشرق الأوسط إقحام الجلاصي في قضية تشمل «تهماً خطيرة وملفقة» تتعلق بالاعتداء على موظف عمومي والتحريض على العصيان.
وقال الاتحاد في بيان له أنّ «استهداف الجلاصي يأتي في سياق عام يستهدف حرية التعبير والصحافة في تونس، ويهدد جدياً المكاسب التي حققتها منذ ثورة 2011».
وأفاد بأنه يدرس إمكانية تقديم شكوى إلى منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة في جنيف، ضد الحكومة التونسية، لانتهاكها الحق في التظاهر.
ودعا السلطات التونسية إلى «احترام تعهداتها الدولية، والكف عن استعمال الأجهزة القضائية والأمنية في حل قضايا لا يمكن حلها إلا بالحوار والتفاوض وداخل الفضاء العام».
وطالب الاتحاد المنظمات الإعلامية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان كافة بإدانة هذه «الهجمة غير المبررة على نقيب الصحافيين وعلى النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، وتفعيل كافة أشكال المساندة والتضامن».
وكان الاتحاد العام للصحافيين العرب، قد دعا أيضاً قبل أيام السلطات التونسية إلى احترام تعهداتها الدولية، وفتح باب التفاوض والحوار مع نقابة الصحافيين التونسيين. ودان الاتحاد «استهداف رئيس النقابة» واعتبره «استهدافاً لكل الصحافيين التونسيين» بحسب بيان له.
وأحيل الجلاصي على التحقيق إثر شكوى تقدم بها ثمانية من رجال الأمن، بتهمة «هضم جانب موظف عمومي والاعتداء على موظف عمومي في أثناء مباشرته لعمله».
وقال الجلاصي في تصريحات إعلامية، إنّ السلطة أصبحت تستعين بأجهزة الدولة لتتبع المعارضين والناشطين والصحافيين.
في غضون ذلك، أعلن محامو مدير إذاعة «موزاييك أف أم» نور الدين بوطار أنّ موكلهم يُحاكم بتهمة «تبييض الأموال والإثراء غير المشروع» واستنكروا هذه التهم معتبرين أن القضية تأتي رداً على برنامج إذاعي انتقادي.
وكان نور الدين بوطار اعتقل مع تسع شخصيات سياسية، خلال حملة أطلقتها السلطات مطلع شباط/فبراير الحالي.
وأكد المحامي أيوب الغدامسي أنّ «هذه الاتهامات لا أساس لها ولا صلة لها بأي جريمة». وأضاف: «هذا الملف سياسي بامتياز».
ووفقاً للمحامي، فإن موكّله ضحية حملة انتقام من قبل السلطات لبرنامج «ميدي شو» الذي «يزعج السلطات، ويطرح مشكلة بالنسبة لها، من خلال الأصوات الحرة المؤمنة بحرية التعبير».
تجدر الإشارة إلى أنّ منظمات دولية عدة، بينها «مراسلون بلا حدود» أعربت سابقاً عن قلقها من تراجع الحريات في تونس، وتحديداً بعد الوضع الاستثنائي الذي فرضه الرئيس قيس سعيّد. وتراجعت تونس في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي تعده المنظمة 21 نقطة، لتحتل المركز الـ94 لعام 2022، بعد أن كانت في المرتبة الـ73 عام 2021.
وقال حينها نقيب الصحافيين التونسيين إنّ «هذا التراجع كان بسبب التراجع في مناخ الحريات ومناخ عمل الصحافيين ويتحمل فيه النظام المسؤولية الكاملة».