صاندي تايمز: كارتر في المراحل الأخيرة من حياته… رئيس الصدفة الأقل حظا والأكثر إنجازا في السياسة الأمريكية

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي”:

علق أستاذ السياسة والتاريخ السياسي الأمريكي في جامعة أوكسفورد، آدم سميث، على تجربة الرئيس الأمريكي التاسع والثلاثين جيمي كارتر، الذي لم يكن محظوظا في رئاسته حيث انتخب لمرة واحدة، وقال إن التاريخ لم ينصف الرئيس البالغ من العمر 98 عاما، والذي يعيش المراحل الأخيرة من حياته في بيته، مع أنه كرّس نفسه خلال لأربعة عقود للقضايا الكبرى التي تبناها ودافع عنها عندما كان رئيسا في البيت الأبيض.

وأشار سميث للإعلان المفاجئ بعد أن قدم الرئيس الجديد خطابه في كانون الثاني/ يناير 1981، وهو الإفراج عن 52 رهينة أمريكية ظلوا في الاحتجاز الإيراني لمدة عام.

ومن الواضح أن الحكومة الإيرانية انتظرت حتى خسر جيمي كارتر السباق الرئاسي لصالح رونالد ريغان، وقررت الإفراج عنهم. في دفع عميق للطعنة بالسكين التي تلقاها كارتر.

إلا أن فريق ريغان وفي الخريف الذي سبق الانتخابات، قام بتخريب محاولة الإفراج عن الرهائن، خوفا من “مفاجأة أكتوبر” على الحملات الانتخابية، وتحسن حظوظ الرئيس الديمقراطي وحملة إعادة انتخابه وسط تراجع شعبيته.

وأيا كان الحال، فتوقيت الإفراج عن الرهائن، ارتبط بطريقة لا تمحى بفشل كارتر. وهذا غير منصف، فقد تم توقيع اتفاقية الإفراج عن الرهائن الأمريكيين في الجزائر، وهي من إنجاز كارتر ووارين كريستوفر، مساعد وزير الخارجية، وكانت نتاج دبلوماسية استمرت أشهرا. فلم يكن هناك موضوع مهم وعاجل لدى كارتر في السنة الأخيرة من حكمه، أكثر من الإفراج عن الرهائن ونجح في النهاية، ولو كان متأخرا لكي ينسب الفضل إليه.

بعدها، خرج كارتر من رئاسة بدأت بآمال عظيمة وانتهت مخيبة آمال كل شخص تقريبا. ولكن كارتر، لم يكن بأي حال الرئيس المحتمل لأمريكا، فقد كان من واحدا من الرؤساء الذين ليست لديهم خبرة في الحكم، حيث حكم ولاية جورجيا مرة واحدة. ولم يتم انتخاب رئيس للبيت الأبيض منذ غروفر كليفلاند عام 1884، بخبرة متواضعة في السياسة والقيادة العسكرية مثله.

وكان كارتر الغريب الأكبر على واشنطن، فهو “مزارع فستق”، وعمل ضابطا في البحرية، ودرس في مدرسة الأحد. وهو الرئيس الوحيد الذي خاض حملته الانتخابية بالشعار الأخضر، ورفض أن يتوشح بالعلم الأمريكي بألوانه الحمراء والزرقاء والبيضاء.

ولم يكن كارتر خيارا محتملا للرئاسة؛ لأن الأشخاص مثله، الذين يتميزون بالصدق والإخلاص من النادر أن يصلوا للمراكز العليا. ولدهشة الديمقراطيين في الكونغرس، فقد أراد كارتر عمل الأشياء لأنها صواب وليس لكونها نفعية. وفي الوقت الذي يميل الساسة في أمريكا إلى استخدام الدين كوسيلة ترويج لأنفسهم وأفكارهم، فمواقف كارتر كانت متجذرة في الدين. ورفض ممارسة اللعبة التي طلبتها منه واشنطن، وعارض “سياسة براميل شحم الخنزير” والتي تقوم على توجيه النفقات لمنفعة ناخب سياسي مقابل الحصول على مساهماتهم أو أصواتهم. وهي السياسة التي تعتبر زيت الآلة السياسية في واشنطن.

ويقول الكاتب إن كارتر كان رجلا بأخلاقيات عالية لكي يقبل التنازل، حتى لو كان عمله هذا يعني تمرير سياسات مهمة مثل العناية الصحية، فقد اعتقد كما قال نائبه وولتر مونديل، أن “السياسة هي إثم”. وبمرور أربعة عقود، فقد كشفت أن كارتر كان يركّز  نظره على مواجهة المشاكل طويلة الأمد. فالأزمات المباشرة التي كانت تواجه الولايات المتحدة في سبعينات القرن الماضي، كانت التضخم والبطالة والتي نبعت من سياسات النفط.

وبدلا من معالجة أعراض المشكلة، وضع كارتر خطة طموحة لجعل أمريكا مستقلة في مجال الطاقة، وهي سياسة تبناها الساسة الأمريكيون اللاحقون بنتائج مزيجة. واعترف كارتر على ما يبدو بمشكلة الانبعاثات الكربونية وأثرها على التغيرات المناخية، قبل سنوات من القبول بالمفهوم. ودفع بسياسات لدعم الطاقة الشمسية ومولدات الرياح. وأمر بتركيب ألواح شمسية على سطح البيت الأبيض وألقى خطابا تحدث فيه عن “أخذ الطاقة التي منحنا الله إياها واستبدالها بالطاقة الأحفورية المتآكلة”.

وبعد سنوات، أمر ريغان بنزع تلك الألواح الشمسية.

وعد كارتر، صاحب النظرة العميقة والعنيد مرة أخرى والواعظ أحيانا بأكثر مما حقق. فطموحاته في مجال الطاقة لم تمرر في الكونغرس، ومع زيادة الطوابير أمام محطات الوقود، تراجعت شعبيته.

لكن مع قرب نهاية حياته، فسمعته لم  تكن أعلى من أي وقت مضى. وناقشت كتب صدرت عنه، أنه وإن خسر المعركة الكبيرة، إلا أنه عمل الكثير من خلف الأضواء. وجعل حقوق الإنسان في مركز السياسة الخارجية. ولكنه في المقابل عكس سنوات التراجع والإنفاق على جيل جيد من الأسلحة الإستراتيجية النووية. وهما مساران لعبا دورا مهما في نهاية الحرب الباردة بعد عقد من نهاية حكمه.

ومن خلال رعايته اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل، فيمكن لكارتر الزعم بأنه عمل للسلام في الشرق الأوسط أكثر من أي رئيس أمريكي.

كما دفع باتجاه تشريعات سلامة لحماية المستهلكين، ودفع بشكل هادئ لزيادة حقوق الأمريكيين السود، وعيّن قاضيات في المحاكم، أكثر مما فعل أسلافه معا. وأعلن عن مئات الآلاف من الأميال المربعة عن محميات طبيعية في ألاسكا، كل هذا لم يحصل على أي فضل منها، ولكنها مهمة اليوم. كما لم تشهد فترة كارتر فسادا ولا صفقات سرية.

وبدا إخلاصه في التزامه الطويل الذي أظهره بعد خروجه من البيت الأبيض ومواصلته التعامل ومعالجة القضايا التي تبناها خلال الرئاسة، من حل النزاعات وحقوق الإنسان والبيئة. وفاز بجائزة نوبل من خلال مركزه وتوسطه في حل النزاعات في مناطق ودول مثل كوريا الشمالية، هاييتي، البوسنة السودان ومنطقة البحيرات العظمى في أفريقيا. ولعب مركزه دورا في مكافحة انتشار الأمراض، وتحديدا القضاء على دودة غينيا القاتلة، والتي أثّرت على الملايين في ثمانينات القرن الماضي.

وخلال العقود الأربعة، ظل  كارتر وزوجته روزالين، منذ 76 عاما يعيشان في ريف جورجيا ببيت متواضع من غرفتين بُني عام 1961، وقيمته أقل من السيارة المصفحة لحمايته الراكنة أمام المنزل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية