من أكل الرغيف الثالث؟

حجم الخط
0

محمود الرحبي ـ سأتركك ساعة لأداء الصلاة. كان رفيقان، زاهد ويهودي، بكل ما تحمل المادة من معنى. حيث انَّ حب المال يقترن في ضميرنا دائما وبدون مقدمات بكلمة يهودي. … كانا قد قطعا نصف المسافة في المشي، حين وقف الزاهد فجأة ليؤدي صلاته أمام بناء طيني، وقد أودع كل ما لديه لدى اليهودي، وكان كل ما لديه ثلاثة أرغفة مطوية في خرقة بيضاء وقلة ماء. انتهز الرفيق هذه السانحة وأتى على رغيف كامل، ثم استلقى تحت شجرة مسندا رأسه بإحدى يديه، وحين انتهى الزاهد من صلاته أيقظ صاحبه مربتا بحنو على ظهره، ثم أكملا طريقهما قدماً. اكتشف الزاهد بسهولة اختفاء أحد الأرغفة الثلاثة، وذلك بأن تحسّسها من خلال ظهر الخرقة البيضاء، فلم يشعر سوى بوجود خبزتين فقط، فتساءل وعيناه الصافيتان تحدقان في وجه رفيقه. *من أكل الرغيف الثالث؟ لم يبد على اليهودي أي ارتباك، حيث واجه السؤال بجواب سريع كالمستعد لكل ما ينثره غبار الطريق من أسئلة: ـ ربما أحد اللصوص أدخل يديه في المزودة وسرق الخبزة وأنا نائم. وبعد مسافة طويلة من الصمت المتوجس، اعترض طريقهما نهر جارف، فعبراه مشمرين عن أردانهما وأطراف ملابسهما، ولكن الزاهد وقف فجأة في وسط التيار، وأدار رأسه جهة رفيقه محدقا في عينين متسائلتين: *من أكل الرغيف الثالث؟ * قلت لك ربما أحد اللصوص استولى عليه وأنا نائم. وبعد مسافة أخرى من المشي، وجدا في طريقهما ثلاثة أكداس من الذهب، فقال الزاهد: – هذا الكدس لك. والآخر لي. أما الثالث فسنتركه لمن أكل الرغيف الثالث. جفل اليهودي صائحا وهو ينتزع كدس الذهب من يد الزاهد: – أنا هو من أكل الرغيف الثالث. ولكن الزاهد أعطاه الثلاثة أكداس كاملة، مقابل أن يفترق عنه ويتركه وشأنه، فمشى كل منهما وحيدا في طريقه. وحينما كان اليهودي يخطو منتشيا، حاثا خطاه على الركض، رآه ثلاثة من قطاع الطرق، وهتفوا في ظهره بأن يقف، فلم يستجب، ثم أرسلوا ثلاثة سهام في إثره فأردته قتيلا. تقاسم اللصوص الكدس الذهبية الثلاثة بينهم. وسال لعاب كثير في حلوقهم وبطونهم، فاتفقوا أن يذهب أحدهم ليحضر طعاما وشرابا بقصد أن يحتفيا باللقيا الثمينة التي ظفروا بها. ولكن إلى جانب لعاب الجوع، سال كذلك لعاب الطمع بغزارة في رؤوسهم، فاتفق الاثنان اللذان ينتظران صاحبهما، بأنه ما إنْ يظهر عليهم من بعيد محملا بالطعام، إلا ويطلقا عليه السهام ويردياه قتيلا. ثم يقتسما كدس الذهب الذي معه بينهما. صاحبهما كذلك سال لعاب الطمع في رأسه. وقرر أن يدس السم في الطعام والشراب ليظفر هو الآخر بالأكداس الذهبية الثلاثة جميعها. أطلقت السهام في صدر القادم فخر صريعا، واحتفى الاثنان وأكلا وشربا كلّ ما جاء به صاحبهما فماتا. وفي طريق عودته، وجد الزاهد أربع جثث مسجاة في الطريق، فصلى عليها ودفنها. ثم أخذ الأكداس الذهبية معه. وفي طريقه صادف عجوزا تبكي. فعلم بأنها أم رفيقه اليهودي. سألته عن ابنها. فأخرج الزاهد لها الأكداس الذهبية. ـ خذي يا أماه.. فأنت أكثر من يستحق هذا الذهب كله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية