محاكم البوب: لماذا نشكُّ بمنتجي «الثقافة النظيفة»؟

شهدت الفترة الماضية فضيحتي اعتداء جنسي، اتُهمت بهما شخصيتان لهما شعبية كبيرة في أوروبا والعالم العربي: الأولى اتهام الأستاذ الجامعي والداعية الإسلامي السويسري من أصل مصري طارق رمضان، بالاعتداء جنسياً على سيدة اعتنقت الإسلام؛ والثانية إدانة المغني المغربي سعد المجرّد بالاغتصاب العنيف لفتاة في فرنسا. ما يجمع هذين الاسمين قد يكون أهم من مجرد الأصل العربي والمحاكمة في أوروبا، وإنما «نظافة» المحتوى الذي قدّماه خلال مسيرتهما بين «الغرب» و»الشرق». في حالة رمضان تبدو «النظافة» واضحة الدلالة، فهو داعية شهير قدّم مفهوماً معتدلاً وعصرياً عن الإسلام في الفضاء الأوروبي الناطق بالفرنسية، قيل إنه بعيد عن التطرف والإرهاب، وخاض في الوقت نفسه معارك شهيرة ضد «تهميش» المسلمين، ومنها مثلاً نجاحه في منع عرض مسرحية «ماهوميت» لفولتير في مدينة جنيف السويسرية عام 1993، بوصفها «إسلاموفوبية» وتسيء لمشاعر المسلمين؛ فضلاً عن مناظراته الإعلامية المعروفة، ومن أشهرها تلك التي أجراها مع وزير الداخلية الفرنسي آنذاك نيكولا ساركوزي، ما جعله «نجماً للشباب الأوروبي المسلم» حسب وصف وسائل إعلام كثيرة، وكذلك لكثير من «التقدميين» غير المسلمين.
أما «نجم الشباب» الآخر سعد المجرّد فـ»نظافته» لا تتعلّق بالتعبيرات الدينية المباشرة، وإنما بتمثيله لاتجاهات موسيقى البوب المعاصرة في الفضاء العربي/الأوروبي، التي تبدو شديدة المحافظة. في تسجيله المصوّر الأشهر «أنت معلّم» الذي حصد أكثر من مليار مشاهدة على موقع «يوتيوب» منذ إصداره عام 2015، تظهر الأزياء والرقص والإيماءات «محتشمة» أكثر من المعتاد، بالتلازم مع محتوى كلمات الأغنية: «نسكت وأنت موجود، ما نرضى نتكلّم». وهذا الاحترام المبالغ فيه للمعلّم يبدو غزلاً صريحاً بكل ما هو أبوي، لم يكن مألوفاً سابقاً في الأغاني الشبابية.
صُنّف المحتوى «النظيف» عادةً بأنه تيار ثقافي عربي، تصاعد منذ مطلع الألفية، بالتحديد في مصر، مع «السينما النظيفة» وظاهرة «الدعاة الجدد» و»أدب الشباب» خاصة كتابات أحمد خالد توفيق ونبيل فاروق، ويعني أساساً تقديم قيم شديدة المحافظة، دينياً وجنسياً وسياسياً واجتماعياً، بصورة عصرية وجذّابة للشباب، إلا أن «النظافة» ليست مجرّد خاصية عربية، بل قد تكون تياراً عالمياً في الثقافة الجماهيرية المعاصرة pop culture، وهي لا تتعلّق أساساً بالتحفّظ الجنسي، وإنما بالحرص على التوافق مع ما هو صحيح ومقبول، والنزاع الاجتماعي والثقافي على تحديد هذين المفهومين. في ما بعد تكاثرت الفضائح، المتعلقة بالتحرّش الجنسي أو العنصرية أو التمييز، بحق نجوم ومنتجي «النظافة» وكأن انغماس المرء في صناعة «المقبول» يعرّضه أكثر للرقابة والشك في «نظافته» وكذلك لصرامة أكبر في المحاسبة والعقوبة. كيف أصبحت القيم المحافظة في الثقافة والفن «شبابية» جداً؟ ولماذا تتكرر فضائح منتجيها الأشهر، الذين نكتشف دائماً أنهم أقل نظافة من أعمالهم؟

ضد الإباحية

قد يمكن تفسير تلك النزعة المحافظة بتطوّر صناعة الترفيه نفسها على مستوى عالمي، إذ أن المُنتَج الثقافي المُعد للاستنساخ والترويج على مستوى جماهيري واسع يجب أن يتسم بالخفّة والتكرار، وهذه «الخفّة» لا تعني فقط التبسيط على المستوى الفني والأدائي، بل أيضاً نزع أشكلة الأفكار والمفاهيم التي يقدمها العمل، كي يصبح استهلاكه أكثر سلاسة. لا يعني هذا بالضرورة أن الأعمال الجماهيرية لا تثير سجالاً أو ضجيجاً، في كثير من الأحيان يكون الضجيج عاملاً مهماً في صناعة «تريند» يساهم في الترويج للعمل، إلا أن التريند لا ينبني على طرح مفهوم إشكالي، وإنما على تحفيز الانتباه عبر علامات ورموز وصور معينة، تثير انعكاسات وردّات فعل يمكن التنبؤ بها لدى المتلقي. من جهة أخرى نجح «البوب» بابتلاع معظم تيارات الثقافات الفرعية، التي كانت تعتبر نفسها تجريبية أو طليعية أو مضادة، فصار ادعاء الفنانين بانحدارهم من «أندرغراوند» ما، مجرد أداء جمالي ضمن آليات إنتاج البوب وقيمه نفسها.
لا ترفض جماليات البوب الإيحاء الجنسي المكثّف، وهو سائد بشدة في البوب العربي مثلاً، أو حتى التعبيرات الشبقية المباشرة في حالة البوب الغربي؛ كما أن هذه الجماليات قد تربط نفسها بقضايا، مثل النسوية والبيئة ومكافحة العنصرية؛ وقد تدخل في ما يشبه المعارك السياسية مع جهات محددة، إلا أن محافظتها واحتشامها ينبعان من جعل كل هذا أسلوباً لنيل الاعتراف، بمعنى أن نجم البوب، حتى لو كان شبه عارٍ، يقدّم بضاعته بوصفها متماشية مع الأطر المؤسساتية والقانونية والسيادية التي يعمل ضمنها، بما يمكّنه من التقاط الشرط السياسي والاقتصادي الأمثل للوصول إلى الصدارة الثقافية الشرعية والمُصادق عليها. في الحالة الأمريكية مثلاً يميل معظم مؤسسات صناعة الترفيه سياسياً للحزب الديمقراطي الأمريكي، ما جعل كثيرا من الفنانين أقرب لـ»مناضلين» لأجل التنوّع ومكافحة التمييز وحماية البيئة، وضد اليمينية الشعبوية بنسختها الترامبية، وذلك بما يتفق مع نمط الائتلاف السياسي الذي يبنيه ذلك الحزب، بين القطاعات الأكثر حداثة في الرأسمالية الأمريكية (التكنولوجيا العالية، الصناعات «الخضراء» أوساط واسعة من المضاربين الماليين في «وول ستريت») وبورجوازية المدن الكبرى، والأقليات العرقية والدينية. وهو ائتلاف تجد أفكاره أصداءً لدى الشرائح العمرية الفتيّة، نظراً لكونها الأكثر تأثراً بنظامي الإعلام والتعليم، وخارجه يبدو السوق أضيق وأقلّ مرونةً واستهلاكاً.
ليس ما يُسمى عادة بـ»الثالوث المحرّم» (الدين والجنس والسياسة) هو ما يمكن أن يزعج البنى المؤسساتية أو يهددها، فهذه البنى تتعامل دائماً مع ذلك «الثالوث» حتى في أكثر المجتمعات تزمّتاً وانغلاقاً، وتعمل على إظهار عناصر منه أو إخفائها، ضمن اقتصادها الخاص للذّة والألم. الرغبات والطروحات التي يتم إشهارها في مواجهة ذلك الاقتصاد، وبما يناقض آلية اشتغاله، حتى لو كانت أقل جنسية أو تسيّساً أو اهتماماً بالدين من السائد، هي ما يمكن اعتباره إباحيةً أو تجديفاً خطيرين، ويستوجبان العقوبة، وهو ما لن يفعله بالتأكيد أي نجم بوب، مهما كان «متهتّكاً» في إدائه. هكذا يمكن للمشاهير أن يحافظوا على «نظافتهم» ما داموا يعيدون تأكيد القيم المقبولة، وستجد كثيرين منهم يدينون التحرّش والتنمّر، أياً كانت ممارساتهم في مجالهم الخاص ووراء الأبواب المغلقة.

أخلاق الترفيه

إلا أن الحياة ليست بنظافة القيم الرسمية والأيديولوجيا السائدة، وفيها، فضلاً عن الجرائم والانتهاكات الواضحة والمباشرة، كثير من الحالات الرمادية والوقائع المركّبة ودرجات المسؤولية والفعل الجرمي، وهذا ما يتعامل معه أساساً الاجتهاد القانوني في كل حالة عينية مفردة. يعاني البوب المعاصر، ليس فقط الفني والثقافي منه، بل أيضاً في مجالات «الناشطية» Activisim الإعلامية والحقوقية، من تناقض كبير بين تعقيد الحالات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يتعامل معها، وميله المبالغ به نحو «النظافة» بعد التوسيع الكبير لإطاره، ليشمل كل قول أو تعبير ممكن. سابقاً كانت مهمة منتجي البوب منحصرة في الترفيه، ولم يكن نجومه يتدخّلون مباشرة في القضايا العامة، إلا في حالات نادرة، فيما يميلون اليوم ليصبحوا «مؤثّرين» ينشرون القيم الصحيحة حيثما حلّوا، وبأسلوب شديد الوعظية والمباشرة. وبما أنه من الصعب أن يكون المرء في الحياة الواقعية نظيفاً لدرجة التصريحات التي يطلقها هؤلاء، فغالباً ما يروحون هم أنفسهم ضحية الأخلاقية المبالغ فيها، وشديدة الأدلجة، التي يروّجون لها.
يمكن القول إن هناك نمطاً من «محاكم البوب» في عصرنا، التي تنظر في أكثر القضايا الحياتية تعقيداً بمنطق تطهري مكثّف. قضاتها مؤسسات ثقافية وإعلامية و»مؤثرون» إضافة إلى الجمهور العريض، الذي يمارس نمطاً من عدالة الجموع، وهو من يوجّه له نجوم البوب عادةً إنتاجهم النقي أيديولوجياً. وقد أظهرت التجربة التاريخية أن المحاكم «الشعبية» تميل إلى التهام أبنائها والمراهنين عليها.

سقوط الصالحين

أصدر القضاء الفرنسي حكمه في قضية سعد المجرّد، وقريباً سيقوم نظيره السويسري بالبت في حالة طارق رمضان، إلا أن الموضوع بالنسبة لمعظم المهتمين به ليس قانونياً بحتاً، ولا حتى بمفهوم «قضايا الرأي العام» أي المحاكمات والحالات القضائية التي تثير كثيراً من الجدل والانفعالات في الحيز العام، بل بات مسألة أيديولوجية تتعلق بمزيد من تنظيف ثقافة البوب. أي بميل مؤسساتي وجماهيري في الوقت نفسه لزيادة المعايير والحدود الأخلاقية في الفضاء العام، والتشدد في معاقبة مخالفيها.
من الصعب توقع أن يؤدّي هذا لمزيد من العدالة، أو تحسين ظروف الفئات المُسماة «أضعف» لأن المعايير الأخلاقية والأيديولوجية على مستوى اللغة والسلوك المعلن لا يمكنها أن تعالج عمق العلاقات الاجتماعية المؤدية للاضطهاد والانتهاك. لكن اللافت في المسألة أن سقوط عدد متزايد من أعلام الثقافة النظيفة قد يؤدي إلى فقدان ثقة شامل بكل قيمها ومنتجاتها، وعندما قد يظهر «أندرغراوند» فعلي، يُشهر مجدداً ما هو إباحي وتجديفي في وجه السلطة القائمة، وربما تكون لهذا آثار إيجابية ثقافياً وسياسياً.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية