بين لبنان وسوريا دموع وحسرة: امرأة ستينيّة تحت الجسر ومهرجة حزينة!

أين بعد يا لبناننا؟ ما الذي ينقصنا كي يلغى الوطن، ويفقد معانيه بالكامل، ويتم إلغاؤنا نحن أيضاً معه، وبشكل جماعي مرة واحدة، كما تلغي الزلازل مدناً بحالها؟
حين تضرب الزلازل تخلف وراءها ألماً، لا مثيل له، وخراباً، يصعب وصفه، ولكنها وبكل أوجاعها تبقى تلك هي مشيئة الله وحده. ليست بيدنا حيلة، وليس هناك من نسائله أو نحاسبه على الدماء، التي هدرت أو المباني التي تساقطت أو الأطفال الذين دفنوا أحياء تحت الأنقاض، حتى ماتوا بعد أن صعب الوصول إليهم. إنها كوارث طبيعية لا بد من تقبلها على بشاعتها، كما هي. وحين تحل على مدينة تجتمع بلاد العالم لمساندة المدينة المنكوبة، ويأتي المتطوعون من كل حدب وصوب لإغاثة الضحايا وتقديم المساعدات لهم، تماماً كما حصل في تركيا وسوريا مؤخراً.
لكن ماذا نفعل عندما تكون الزلازل بهيئة سياسيين ومسؤولين يتنعمون بأموال الشعب ويلهون بتعبه. نعم هم مسؤولون حقاً ومسؤولون جداً، ولكن فقط عن خراب البلد ودماره. لقد أسقطوا لبنان في هوة يصعب الخروج منها. سرقوا البلد على مراحل، حتى تبين مؤخراً أنهم نهبوا حتى الهبات، التي قدمت للدولة اللبنانية. حسابات بالمليارات مفقودة، ولا أحد يعرف عنها شيئاً. والتقارير تبقى مدفونة بعناية داخل الجوارير محفوظة بدقة، وليس هناك رقيب ولا حسيب.
الكوارث اللبنانية بالجملة، ويبدو أنها في تطور مستمر: فالليرة قد انتهى أمرها. لقد طاحت تحت سابع أرض ولا طريقة لانتشالها. تشرد وجوع وبطالة لا يمكن وصفها. سرقات ونهب وحجز لأموال المواطنين. وقصة البنك المركزي أصبحت بمثابة أسطوانة صباحية ومسائية ولا أمل بوجود حل قريب.
مدارسٌ أقفلت وأخرى تكاد أن تقفل، بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة التي نالت من كافة القطاعات. أما المرضى في المستشفيات فهم، وفي معظمهم، برسم الموت، في ظل غياب الأدوية.
إن مآسي المواطنين حكايات لا تنتهي. كان آخرها قصة وديعة الحايك. امرأة لبنانية تبدو في الستين من عمرها خسرت منزلها ومحلها في انفجار بيروت فاستأجرت مكاناً آخر. ولكن المالكة ضغطت عليها بشكل كبير حتى تمكنت من طردها. فلم تجد وديعة سوى زاوية صغيرة تحت الجسر في منطقة الأشرفية، حيث تأوي هي وأغراضها. لقد وجدت في الطريق رحمة أكبر من تلك التي تحتويها بعض من قلوب البشر. هي تسعى بجهد كي تجد مكاناً تنتقل إليه يقيها برد الشتاء، ولكن دون جدوى. فالمواطن اللبناني مسؤول فقط من نفسه في ظل غياب كامل للجهات المعنية بسلامة المواطنين وحماية حقوقهم السكنية.
لا يمكن أن تنظر إليها ولا تشعر بشيء من القرابة أو اللحمة الإنسانية، ذلك الوجه المتعب أثقلته الأوجاع وحفرت تجاعيده بعمق وحرفية. ولكنه مع ذلك يشع عزة وكرامة. تقول وعيناها ملبّدتان بالدموع: أنا ما بقبل على نفسي أقعد على الطريق!
لقد أمهلتها البلدية 24 ساعة لجمع أغراضها وإخلاء مكانها. وكأنها بذلك تتستر على ظاهرة التشرد والقلة والحرمان والفقر المدقع المنتشر في كل زوايا لبنان وحاراته.
ولم تبق جهة مسؤولة إلا وقدمت للتحقيق معها لإزاحتها من تحت الجسر. في حين أن تلك الجهات لم تعترض شخصاً واحداً ممن نهبوا جيوب المواطنين، ولم تجد متهماً واحداً متورطاً بتفجير مرفأ بيروت. لم تعتقل هؤلاء الذين كانوا السبب في تشرد وديعة وغيرها من المرميين على الطرقات. هؤلاء الآخرون الذين لم تصل إليهم الكاميرات، ولم تلتقط عذاباتهم اليومية وهم كثر جداً.
تضيف قائلة، والحرقة تأكل قلبها:»يا عمي روقوا.. طولوا بالكم أنا مني مبسوطة بهالقعدة، مني مبسوطة بهالجو.. طولوا بالكم لاقو لي محل.. بيقولو لي نحن ما خصنا.»
طيب مين خصه؟ من المسؤول؟ ومن ينقذ تلك السيدة من برد الشتاء وحر الصيف ومخاطر الطرقات؟
ترتجف برداً، وهي تفرك يديها ببعضهما البعض، ثم تنطق بكلمات محملة بالحرقة والقهر، وهي تروي آلامها.
لقد أخبرتها البلدية أن المحافظ لا يدري عن حالتها أي شيء، حسب ما ذكرته صفحة «ميغافون نيوز»،
ولكن بعد تدخل الجيران وتدخل محام متطوع أعطيت 24 ساعة لتجد مكانا آخر. في الحقيقة هي تحتاج لـ 24 سنة، وليس ساعة، مكللة بعجيبة كي تحصل على محل جديد في ظل الظروف المأساوية، التي وصلها إليها البلد.
تتساءل تلك السيدة بيأس واحباط واضح: «يعني بـ 24 ساعة شو بدي أعمل أنا»؟!
لا شيء. لا يمكنك أن تفعلي شيئاً سوى الصلاة، قد تأتي لك بيد حنون ترفعك من مكانك وتنسيك بطش وقسوة وأذى بشر لا يعرفون معنى الإنسانية!

المهرجة الحزينة

من لبنان إلى سوريا. قصة شابة سورية تضحك الآخرين، وهي تبكي. تحاول التخفيف من آلام الأطفال فيما الآلام تعتصر قلبها. إنها المهرجة «الحزينة» لي لا أتاشيان. هكذا جمعت الأطفال في مسرح كنيسة دير الأرض في حلب لتزرع الفرحة في قلوبهم، بعد أن عاشوا الخوف والذعر والموت. يقول الصحافي ماهر المونس، وهو يصف المشهد: «كان مشهداً سينمائياً للغاية، ولقطة هاربة من قصة روائية على المسرح الخشبي. أطفال يقفزون، وصوت أغان في الخلفية، وفرح في الأجواء والشابة ليلا بثياب المهرج وحركات بهلوانية ووجه ملون غارق في الدموع».
ليلا طالبة، ولكنها تركت دراستها وكل تفاصيل حياتها خلفها لتنذر نفسها لتلك الوجوه الصغيرة وتعيد لها بهجتها الغائبة.
وهل هناك رسالة أو شهادة أكبر مما تفعله تلك الشابة؟ لقد استخرجت من ضعفها قوة لتدعم بها الأطفال، وتعيد ترتيب ذكرياتهم وتعقم تلك اللحظات السوداء، التي عاشوها في زلزال غيّر لهم حياتهم ويتّم الكثيرين منهم.
في دموع ليلا صلاة، وفي محبتها تراتيل مقدسة. وخلف تلك الألوان، التي تزيّن وجهها، أحاسيس ومشاعر نبيلة، لا يعرفها الكثيرون من زعماء الحروب ومفتعليها.

*كاتبة لبنانيّة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية